أيقونة الرومانسية و الأغنية العاطفية في العالم العربي
وداعا” أمير الغناء العربي “هاني شاكر”

تقرير هند محمد
نعاه رئيس الجمهورية “عبدالفتاح السيسي ” ؛ بكت القلوب حرقة لفراقه ؛ حزن علي رحيله الجميع داخل الوطن وخارجه؛ وترك جرح غائر لايستطيع الزمان أن يدميه.
عزف بأنغام صوته علي أوتار القلوب فباتت عاشقة لأغاني روت عطشها ؛ عطر تفوح رائحته لتدوم سنوات طوال ؛احترم فنه وجمهوره فخلد إسمه في تاريخ الغناء العربي حتى صار أميرا” له.
هاني شاكر ليس مجرد مطرب رحل عنا بل أسطورة أجيال السبعينات والتمانينات والتسعينيات ؛أسطورة فنية لم ولن تتكرر؛ كل ألبوم أو شريط له حكايات وذكريات عذبة معنا في عمر الصبا والمراهقة والشباب ؛ ألبومات كثيرة مازلنا نستمع إليها وكأنها ابنة أمس ؛هاني شاكر .. حكاية جيل.
يُعد الفنان هاني شاكر واحدًا من أبرز نجوم الغناء في الوطن العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ، حيث قدم خلال مسيرته الفنية الممتدة لعقود طويلة عشرات الأغاني التي حققت نجاحًا واسعًا، وارتبطت بوجدان الجمهور العربي، ما جعله يحظى بمكانة خاصة في تاريخ الأغنية المصرية؛ واستطاع أن يحجز لنفسه مكانة فنية مميزة ما جعل معجبيه يطلقون عليه لقب “أمير الغناء العربي”.
وجاء صعوده إلى القمة بعد مسيرة طويلة من الاجتهاد والتجديد، والتفاعل مع التحولات الفنية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي، تمكّن خلالها من الجمع بين الأصالة والتجديد.
البدايات والنجومية
ولد هاني شاكر في 21 ديسمبر/ كانون الأول من عام 1952 في القاهرة، ونشأ فى أسرة متوسطة، حيث كان والده عبد العزيز شاكر، يعمل بمصلحة الضرائب، بينما عملت والدته بوزارة الصحة.
وظهرت عليه منذ طفولته ملامح الموهبة، حيث شارك في برامج الأطفال بالتلفزيون المصري، وهو ما شكّل أول احتكاك له بالجمهور، وأتاح له فرصة صقل مهاراته في سن مبكرة ولُقِّب بأمير الغناء العربي لعذوبة صوته، ولمع نجمه من خلال غنائه لملحنين كبار.
والتحق شاكر بالمعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، حيث تلقى تعليماً أكاديمياً في الموسيقى، وهو ما انعكس لاحقاً على أدائه الفني، إذ امتاز بالدقة في الأداء الصوتي والقدرة على التحكم في المقامات الموسيقية، وقد ساعده هذا التكوين العلمي على تقديم لون غنائي يجمع بين الرومانسية الكلاسيكية والتطور الموسيقي الحديث، مما جعله قريباً من مختلف الأذواق.
وبدأت مسيرته الفنية الفعلية في الستينيات عندما شارك في فيلم “سيد درويش” عام 1966، حيث جسّد شخصية الفنان سيد درويش في طفولته، وهو ما مثّل خطوة مبكرة نحو عالم الفن.
لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت في أوائل السبعينيات، عندما اكتشف الموسيقار محمد الموجي موهبته، وقدّمه للجمهور من خلال أغنية “حلوة يا دنيا”، التي لاقت نجاحاً كبيراً وفتحت له أبواب الشهرة.
في تلك الفترة، كان المشهد الغنائي العربي يشهد وجود أسماء كبيرة مثل عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وهو ما جعل مهمة أي فنان شاب في إثبات نفسه أمراً صعباً إلا أن هاني شاكر استطاع أن يفرض نفسه بأسلوبه الخاص، الذي اتسم بالرومانسية والصوت الدافئ، مما جعله امتداداً طبيعياً لمدرسة الطرب الكلاسيكي، مع لمسة عصرية تناسب جيل السبعينيات.
انطلق هاني شاكر من كورال حليم، ليعلن عن ألبومه الأول في عام 1974 بعنوان “كدة برضه يا قمر”، والذي عرفه من خلاله الجمهور الذي شبهه بالعندليب لقوة إحساسه وإحسان إختيار كلماته.”
ومع مرور الوقت، أصدر شاكر العديد من الألبومات التي حققت نجاحاً واسعاً في العالم العربي ؛وقد تنوعت موضوعات أغانيه بين الحب والفراق والحنين، مما جعله قريباً من وجدان الجمهور العربي في مختلف مراحله العمرية.
ولم تقتصر مسيرته على الغناء فقط، بل خاض أيضاً تجارب في التمثيل السينمائي، حيث شارك في عدد من الأفلام السينمائية مثل (عايشين للحب) عام 1974 أمام نيللي ومحمد عوض و(هذا أحبه وهذا أريده) عام 1975 و(المصباح السحري) عام 1977.
هذا وشغل الفنان الراحل منصب نقيب الموسيقيين أول مرة عام 2015 ثم فاز بفترة ثانية قبل أن يتقدم باستقالته في يوليو 2022.
ألبوماته الغنائية وأشهر الشعراء والملحنين الذين تعامل معهم
قدم شاكر رصيدا غنائيا ضخما على مدار نصف قرن تجاوز الـ 600 أغنية، وأكثر من 30 البوما تعاون فيها مع كبار الملحنين والكتاب، لتظل أعماله باقية.
ومن الألبومات الغنائية : (علي الضحكاية) و(حكاية كل عاشق) و(شاور) و(قلبي ماله) و(يا ريتني) و(الحلم الجميل) و(جرحي أنا) و(اسم على الورق) و(غلطة) و (تخسري) وقدم حفلات في معظم دول العالم كما شارك في مهرجانات فنية كبرى.
وهناك مجموعة من الأغاني التي حققت انتشاراً واسعاً، من بينها “كده برضه يا قمر”، “لو رحت بعيد” و”نسيانك صعب أكيد”، و”علي الضحكاية”، “لو بتحب”، و”لسه بتسألي”، و”أحلى الليالي” ؛ “بحبك أنا ” وأغنيته الوطنية الشهيرة مع الفنان محمد ثروت “بلدى” وأغنية “فلسطين” و”برواز صورتك” التي غناها لابنته الراحلة ؛ لتصبح هذه الأعمال من أبرز ملامح الأغنية الرومانسية والوطنية في تلك الفترة.
وفي سياق تعاونه مع الشعراء، عمل هاني شاكر مع أسماء بارزة في كتابة الأغنية العربية، من بينهم عبد الرحيم منصور، وسيد حجاب، وعمر بطيشة، وبهاء الدين محمد، حيث تنوعت النصوص بين الرومانسية الكلاسيكية والتعبير اليومي البسيط، وهو ما ساعد في توسيع قاعدة جمهوره، خاصة في فترات التحول التي شهدها سوق الكاسيت في الثمانينيات والتسعينيات.
أما على مستوى التلحين، فقد تعاون مع عدد من أبرز الملحنين في مصر والعالم العربي، من بينهم حلمى بكر، وصلاح الشرنوبي، ومحمد الموجي، حسن أبو السعود، مصطفى كامل، خالد البكري، إلى جانب استمرار تأثير مدارس لحنية أسسها رواد مثل عبد الوهاب وبليغ حمدي، وقد انعكس هذا التنوع في الألحان على طبيعة أغانيه، التي جمعت بين الجملة الطربية التقليدية والتوزيع الموسيقي الحديث نسبيًا.
وفي مرحلة لاحقة، اتجه هاني شاكر إلى التعاون مع جيل أحدث من الشعراء والملحنين، في محاولة لمواكبة تطور السوق، حيث عمل مع أسماء مثل أيمن بهجت قمر ومدين، ما أتاح له تقديم أعمال بروح معاصرة، دون الابتعاد الكامل عن هويته الغنائية الأساسية.
كما شارك في فوازير الخاطبة مع الفنانة نيللي عام 1981.
منصب نقيب المهن الموسيقية
إلى جانب مسيرته الفنية، لعب شاكر دوراً مهماً في الحياة النقابية، إذ تولّى منصب نقيب المهن الموسيقية في مصر بين عامي 2015-2022، وسعى خلال هذه الفترة إلى تنظيم العمل الفني والدفاع عن حقوق الفنانين، رغم ما واجهه من جدل وانتقادات، خاصة فيما يتعلق بموقفه من بعض الأنماط الغنائية الحديثة.
ففي عام 2019، اتخذ شاكر أحد أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ النقابة، عندما أصدر قراراً بمنع 16 من مطربي أغاني المهرجانات من الغناء. ورغم أن القرار استند إلى نص قانوني يعود إلى عام 1978، ينص على منع غير الأعضاء بالنقابة من إحياء الحفلات أو ممارسة النشاط الغنائي بشكل رسمي، فإن ما حوّل القرار إلى قضية رأي عام لم يكن مضمونه فحسب، بل توقيته وتأثيره أيضاً، إذ جاء في لحظة كانت فيها أغاني المهرجانات تهيمن بشكل واضح على المشهد الغنائي والشارع المصري.
جوائز وتكريمات حصل عليها شاكر
حصل الفنان هاني شاكر على العديد من الأوسمة والجوائز المحلية والدولية من مؤسسات ومهرجانات عربية ودولية، تقديرًا لإسهاماته في الحفاظ على الأغنية العربية الكلاسيكية ، منها وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى من تونس، ووسام القدس من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلى جانب تكريمه في العديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية داخل مصر وخارجها.
قصة لقب أمير الغناء العربي
تعود بداية انتشار هذا اللقب إلى إحدى القنوات الفضائية التي كانت تعرض كليبات أغانيه، حيث كانت تُذيّل الأعمال بوصف “أمير الغناء العربي”، ما لفت انتباه الجمهور بشكل واسع.
ومع تكرار ظهوره بهذا الشكل، ترسّخ اللقب تدريجيًا في الوعي العام، خصوصًا بعد أن أشار الفنان نفسه في لقاء تلفزيوني سابق ببرنامج”المفاجأة” على قناة MBCمصر إلى أن هذه الخطوة أدت دورًا مهمًا في انتشاره.
الحياة الشخصية والإرث .
على الصعيد الشخصي، تزوج هاني شاكر من نهلة توفيق عام 1982، وأنجب منها دينا وشريف. إلا أن حياته شهدت مأساة كبيرة بوفاة ابنته دينا عام 2011 بعد صراع مع المرض، وهو الحدث الذي ترك أثراً عميقاً في حياته.
وفيما يتعلق بإرثه الفني، يمكن اعتباره واحداً من الفنانين الذين نجحوا في ترسيخ هوية فنية واضحة، إذ لم يجارِ موجات التغيير السريع التي اجتاحت الساحة، بل تمسّك بخطه الرومانسي، مع إدخال لمسات تجديدية محسوبة أبقت أعماله قريبة من الجمهور. وقد شكّل هذا التوازن أحد أبرز ملامح إرثه، وأسهم في استمراره لأكثر من خمسة عقود.
ويُعد حضوره المستمر في الحفلات والمهرجانات جزءًا من هذا الإرث، إذ يعكس قدرته على الاستمرار والتجدد رغم مرور الزمن، وقد أثبت بذلك أن الاستمرارية في الفن نتاج موهبة والتزام طويل الأمد.
وامتد تأثيره كذلك إلى الأجيال الجديدة من الفنانين، الذين استلهموا من أسلوبه في الأداء واختياراته الغنائية، سواء على مستوى الكلمة أو اللحن أو الإحساس، وهو ما عزز مكانته كمرجع فني وأحد أعمدة الأغنية العربية الحديثة.
ولا يقتصر إرثه على الجانب الفني فقط، بل يمتد إلى البعد الإنساني في تجربته، إذ لم تكن مسيرته مجرد رحلة نجاح، بل قصة مليئة بالتحديات والاختبارات، ليترك بصمة عاطفية عميقة في وجدان الجمهور.
وفي مجمل تجربته، يتجسد إرث هاني شاكر كنموذج لفنان استطاع أن يوازن بين الأصالة والتجديد، وأن يحافظ على هويته في عالم سريع التغير، فلم يكن مجرد مطرب ناجح، بل جزءًا من ذاكرة فنية جماعية ارتبطت بمشاعر وتجارب الملايين.
ماذا قال هاني شاكر عن تسجيل القرآن الكريم
قبل وفاة أمير الغناء العربي، رواده بعض الأحلام العظيمة التي تمنى تحقيقها منها قراءة آيات من القرآن الكريم، وتسجيله أدعية دينية بصوته لإحدى خدمات شركات المحمول عام 2021.
طرح الفنان هاني شاكر، دعاءً دينيًا بعنوان “يا رب يا رحمن”، عبر موقع يوتيوب، بمناسبة حلول شهر رمضان الكريم، في أبريل عام 2021.
دعاء “يا رب يا رحمن” من كلمات الشاعر محمد الجبالي وألحان حنين على، وتوزيع محمد حمدي رؤوف وإخراج حاتم سيد.
وخلال لقائه على قناة الحدث، عرض بتاريخ سبتمبر عام 2019، كشف الفنان هاني شاكر، عن رغبته وحلمه في تسجيل آيات من القراءن الكريم.
وأعرب “أمير الغناء العربي” عن تفكيره الجاد في خطوة يتمنى تحقيقها مستقبلًا، وهي تلاوة آيات من القرآن الكريم، مؤكدًا أن الفكرة تراوده منذ فترة لكنها لم تتحول بعد إلى قرار محدد من حيث التوقيت أو الكيفية.
وأوضح أنه لا ينوي تلاوة القرآن كاملًا، بل يخطط للاكتفاء ببعض الآيات التي تحمل معاني الذكرى والتأمل، بحيث يصل صوته إلى الناس بشكل يليق بعظمة وحلاوة القرآن الكريم.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تمثل بالنسبة له شرفًا كبيرًا وسعادة لا يوصف، إذ يعتبر تلاوة آيات من الذكر الحكيم أمرًا له مكانة خاصة في قلبه، ويتمنى أن يحققه بالشكل الذي يليق بقيمة القرآن.
وتابع: “القراءن الكريم شرف وسعادة وفخر تلاوة آيات من الذكر الحكيم، ياريت يحصل بس أنا خايف أوي من الخطوة دي ومش عارف هعملها إمتى بس هعملها لكن جوايا إحساس إن في يوم من الأيام هعملها بس امتى مش عارف”.
الرئيس السيسى يعزى الشعب المصرى ومحبى الفن الأصيل فى وفاة هانى شاكر
تقدم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى بخالص العزاء إلى الشعب المصري ومحبي الفن الأصيل في وفاة الفنان هاني شاكر الذي أثرى الغناء بأعذب الإبداعات الفنية في جميع المناسبات الوطنية والاجتماعية والإنسانية بصوته المميز وادائه الراقي .
وقد نعي الفنان الراحل عبر حسابه الرسمي على فيسبوك قائلاً:
“أتقدم بخالص العزاء إلى الشعب المصري ومحبي الفن الأصيل في وفاة الفنان هاني شاكر الذي أثرى الغناء بأعذب الإبداعات الفنية، في جميع المناسبات الوطنية والاجتماعية والإنسانية بصوته المميز وادائه الراقي.
رحم الله الفقيد الكبير واسبغ على أهله ومحبيه الصبر والسلوان” .
الحالة الصحية وتفاصيل اللحظات الأخيرة قبل الوفاة في باريس
جاء رحيل الفنان المصري هاني شاكر بعد معاناة مع المرض، إذ كان قد تعرض لأزمة صحية حادة خطيرة، بدأت بإصابته بنزيف حاد في القولون استدعى تدخلاً جراحياً عاجلًا، حيث خضع لعملية معقدة تم خلالها استئصال القولون بالكامل للسيطرة على النزيف، وبعد استقرار نسبي، تقرر نقله إلى فرنسا لاستكمال العلاج تحت إشراف فريق طبي متخصص، إلا أن حالته شهدت انتكاسة مفاجئة تمثلت في إصابته بفشل تنفسي حاد، مما استدعى نقله إلى وحدة العناية المركزة ووضعه على أجهزة التنفس الصناعي.
بدأت الأزمة الصحية للفنان الراحل بنزيف حاد ناتج عن مشكلة مزمنة في القولون، استدعى نقله إلى المستشفى في مصر، حيث خضع لنقل كميات كبيرة من الدم، قبل السيطرة على النزيف عبر تدخل بالأشعة التداخلية.
وشهدت حالته لاحقا تدهورا مفاجئا، تضمن توقف عضلة القلب لعدة دقائق، استدعت إنعاشه بشكل عاجل، قبل أن يخضع لعملية جراحية دقيقة ويمكث نحو 20 يوما في العناية المركزة، وسط معاناة من ضعف عام، ما دفع أسرته إلى نقله للخارج لاستكمال العلاج.
عانى من عدة أزمات صحية صعبة خلال الفترة الماضية. ففي 2022 تعرض لأزمة صحية وخضع لجراحة دقيقة لاستئصال جزء من القولون، ليتماثل بعدها للشفاء ويعود لحياته الطبيعية.
لكن المرض داهمه مرة أخرى بعد عامين، حيث عانى هذه المرة من مشكلات بالعمود الفقري، أثرت على قدرته على الحركة بشكل طبيعي. ما اضطره للخضوع إلى جراحة خطيرة بالعمود الفقري، أبعدته عن الغناء لعدة أشهر، قبل أن يتماثل للشفاء من جديد ويعود إلى جمهوره.
لكنه سرعان ما أصيب بأزمة جديدة وخضع لجراحة استئصال القولون كاملاً. وبعد الجراحة تعرض شاكر لمضاعفات خطيرة أودت بحياته، ليلفظ أنفاسه الأخيرة داخل مستشفى فوش الشهيرة بباريس.

كواليس اكتشاف محمد الموجي لهاني شاكر
ظهر شاكر لأول مرة من خلال برنامج “النادي الدولي” للنجم الراحل سمير صبري، حيث ذكر الأخير في مذكراته التي حملت عنوان “حكايات العمر”، كواليس لحظة ميلاد الفنان هاني شاكر فنيًا، والذي لم يكن مجرد تقديم لموهبة جديدة، بل كان جزء من حالة عناد فني فجرها الموسيقار الكبير محمد الموجى ردًا على تحيزات العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.
يروي سمير صبرى أنه أثناء تسجيل إحدى حلقات برنامجه الشهير “النادي الدولي” -الذي كان يحظى بمتابعة جماهيرية طاغية- فوجئ بدخول الموسيقار محمد الموجي إلى الاستوديو دون موعد مسبق، ولم يكن الموجي وحيدًا، بل كان يصطحب شابا خجولا يحمل العود، وهو الشاب الذي سيعرفه الجمهور لاحقًا باسم هاني شاكر أو أمير الغناء العربي .
ويقول صبري في مذكراته: “كنت معتادا على تسجيل الحلقات لعدة ساعات متواصلة دون توقف، وحين سألت الأستاذ موجي عن سبب الزيارة المباغتة، أجابني بكلمات صادمة: (أنا جايبلك الصوت اللي هيقعد صاحبك في بيته)”، في إشارة واضحة إلى عبد الحليم حافظ.
وتوضح المذكرات أن هذا التحدي لم ينبع من فراغ، بل كان الموجي ابن بلد يتسم بالصراحة والمباشرة، لكنه كان يمر بفترات من الخلافات الحادة مع رفيق دربه عبد الحليم حافظ، ويعود سبب ذلك الخلاف إلى شعور الموجي بأن العندليب الأسمر يميل فنيًا في تلك الفترة إلى ألحان بليغ حمدي على حسابه، مما دفع الموجي للبحث عن صوت جديد يثبت من خلاله قدرته على صناعة أساطير أخرى.
ويضيف صبري أنه حاول تلطيف الأجواء، قائلًا للموجي: “ليه نقعد فلان أو فلانة فى البيت؟.. الأفضل نضيف صوت وموهبة جديدة إلى حديقة الفن المليئة من اكتشافاتك الرائعة مثل فايزة أحمد وعبد الحليم الذى كان لك الفضل فى اكتشافه”، إلا أن رد الموجي كان حاسمًا ومنفعلًا: “لا.. ما تجيبش سيرة صاحبك ده.. أنا جايب موهبة جديدة ستغنى لحنا جديدا لى، وما تجيبش سيرة صاحبك أثناء التسجيل أرجوك”.”
رغم التوتر الذي ساد الكواليس، بدأت الكاميرات بالدوران، واختار الموجي أن يقدم هاني شاكر للجمهور من خلال أغنية جديدة من ألحانه، وطلب منه سمير صبري أن يقوم بغناء “صافيني مرة” بعد ذلك، وبدأ هاني شاكر الغناء، وبعد تردد قصير من الموجي، اندمج الأخير في العزف خلف الموهبة الجديدة.
وانتهت الحلقة لتسجل رسميًا الظهور الأول لهاني شاكر على شاشة التليفزيون المصري، وهي الانطلاقة التي أحدثت ضجة واسعة وقتها، لدرجة أن الصحافة بدأت تتحدث عن “خليفة عبد الحليم”، وهو ما تسبب في حالة من القلق لدى العندليب قبل أن تصفو النفوس لاحقًا.
ونجح هاني شاكر من اللحظة الأولى، حيث قدمه الموجي لاحقًا في أغنية “حلوة يا دنيا” التي حققت نجاحا كبيرا، وظل الراحل سمير صبري يفخر دائمَاً بأن برنامجه كان المنصة الرسمية التي انطلق منها أمير الغناء العربي إلى عالم النجومية.
هو اللى اختار تصنع نجومية هاني شاكر
ورث هاني شاكر بعد رحيل حليم إحدى أغنياته التي كتبها محمد حمزة ولحنها بليغ حمدي، وهي أغنية «هو اللى اختار»، والحق أن هذه الأغنية أطلق النقاد «أغنية الخصام» بين حليم وبليغ؛ لأن بليغ انتهى من تلحينها عام 1975م، ولكن حليم أجلها بسبب مرضه وتعرضه لجلطات متكررة، وقد أمره الأطباء أن يلتزم بأغنية واحدة في كل عام، وذلك بعد أن أجهد نفسه عام 1974م بغناء رائعتيه «فاتت جنبنا، وأي دمعة حزن لا» في حفل واحد ليداهمه النزيف بقوة بسبب إصابته بتليف الكبد ودوالي المريء.
انتظر بليغ أن يشدو حليم «هو اللى اختار» عام 1975م، لكنه غنى «نبتدي منين الحكاية» من ألحان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وفي العام التالى أطلق «قارئة الفنجان» من ألحان محمد الموجي، هنا غضب بليغ بشدة من حليم واعتبر أنه جامل أستاذه عبد الوهاب وصديقه القديم محمد الموجي على حسابه، أما حليم فغضب هو الآخر رافضَا ما أسماه «الإرهاب الفني»، مؤكدًا أنه يعاني بشدة من مرضه ولا يستطيع أن يمضى أكثر في الغناء.
وفي 29 مارس 1977م، رحل حليم دون أن يتمكن من غناء «هو اللى اختار» رغم الصلح مع بليغ، لتذهب هذه الرائعة إلى هاني شاكر وتنجح نجاحًا باهرَا أسهم في ترسيخ مكانة هاني شاكر، بل والنظر إليه كوريث شرعي لإرث حليم.
زملكاوي وغني لنادى الزمالك ..ماذا قال هاني شاكر عن الإنتماء الكروي قبل رحيله ؟
يعد هاني شاكر من أبرز مشجعي ومحبي نادي الزمالك، وسبق وكشف ذلك خلال لقاء تلفزيوني عبر قناة النادي الرسمية مع الإعلامي خالد الغندور.وقال : “وأنا صغير ودوني الكونسرفاتوار بدرس الموسيقى وعزف البيانو وكنت انتساب بروح يوم واحد في الأسبوع، ودخلت في أشبال الزمالك زمان بس مش كتير بس ملعبتش كتير وبعد كده الفن والدراسة خدتني منها، وكان حبي لنادي الزمالك واضح من زمان وكل جماهير الكرة احترمت ده إن أنا مبضحكش عليهم”.
وأضاف: “أنا زملكاوي وبحب الأهلي جدا ولاعيبة كتير من الأهلي أصدقائي وحبايبي زي لاعيبة نادي الزمالك اللي بعتز بيهم، ابني أهلاوي وحبي للزمالك لا يمنع أبدا حبي واحترامي للنادي الأهلي، وعارف قيمة الزمالك والأهلي يعني إيه في مصر”.
وتابع:”أخويا الكبير كان بياخدني ماتشات الزمالك ويشلني على كتفه وأنا عندي 6 سنوات، ويفضل طول الماتش يغني يازمالك يامدرسة لعب وفن وهندسة، وانا أغني وراه وهو اللي حببني جدًا في الزمالك”.
وكان من أبرز مواقف هاني شاكر المعبرة عن حبه للزمالك، هي إطلاق أغنية خاصة “زملكاوي”، عقب تتويج الأبيض بالدوري المصري عام 2021.
ماذا قال هانى شاكر عن شائعة الخلاف بينه وبين عبد الحليم حافظ..
رغم الشائعات، كشفت روايات إعلامية وشهادات فنية أن العلاقة بين الطرفين كانت تقوم على الاحترام، حيث التقى عبد الحليم حافظ بهانى شاكر فى أكثر من مناسبة، وأشاد بصوته موضحًا أنه موهبة تحتاج إلى دعم وتطوير.
كما شارك هانى شاكر فى بعض الأعمال الغنائية مع العندليب، من بينها مشاركته فى الكورال بأغنية «بالأحضان»، وهو ما يعكس وجود تواصل فنى مباشر بينهما.
وأكد هانى شاكر فى أكثر من لقاء تلفزيونى أن ما أثير حول وجود صراع أو عداوة بينه وبين عبد الحليم حافظ لم يكن له أساس من الصحة، موضحًا أن الإعلام فى تلك الفترة ساهم فى تضخيم فكرة « المنافسة» بين الأصوات الجديدة والعمالقة.
وأشار إلى أن أول لقاء جمعه بالعندليب حمل احترامًا كبيرًا، حيث عبّر له عن تقديره الشديد، مؤكدًا أنه أحد رموز الغناء فى الوطن العربى، وأن وجوده كان مصدر إلهام له منذ بداياته.نقابة المهن الموسيقية فى عهد هانى شاكر.. سنوات من الجدل والأزمات والانتصارات
رغم ما أُثير من أحاديث عن وجود خلافات بين الفنان هانى شاكر والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، خاصة مع بدايات ظهوره على الساحة الغنائية، إلا أن الواقع كان أقرب إلى الاحترام المتبادل بعيدًا عن أى صدام حقيقى.
مع صعود هانى شاكر، بدأت المقارنات الإعلامية تربطه مباشرة بعبد الحليم، وجرى تقديمه أحيانًا باعتباره «صوتًا جديدًا على خط العندليب»، وهو ما ساهم فى تضخيم فكرة وجود منافسة بينهما.
لكن هانى شاكر أوضح لاحقًا أن كثيرًا من هذه الصورة كانت نتاجًا لتناول إعلامى مبالغ فيه، أكثر من كونها حقيقة على الأرض.
وفى أحد لقاءاته، قال هانى شاكر: «إنه عندما صرح عبدالحليم حافظ وقال عنه فى بداية ظهوره: هانى شاكر كويس.. ولكن معندوش طموح، بالتأكيد كان لأنه وقتها كان غاضبا منه».
وأضاف: «زعل منى غصب عنى لأن الإعلام خلا ظهورى وكأن الموجى بيحارب شاكر».
كدة برضه يا قمرجمعت بين هاني شاكر وحليم
كان «شيراتون القاهرة» شاهدَا على لقاء الأستاذ بالتلميذ، هاني شاكر كان يحيي حفلاً هناك، وطلب من الزملاء المشتركين حضور حليم، وبالفعل قبل الدعوة، والتقى العندليب بالأمير، وأكد له هاني شاكر أنه من معجبيه وتلاميذه، بل ومثله الأعلى أيضا، وأن مكانة حليم لن يستطيع أحدًا أن يتجاوزها في قلوب الجماهير، وحضر عبد الحليم حافظ الحفل حتى نهايته، وحينما شعر بوجود مشكلة في سماعات القاعة، راح يتأكد من سلامتها جميعا حتي يكمل هاني وصلته، وتجدد اللقاء قبيل سفر حليم في رحلته الأخيرة إلى لندن قبل وفاته، وصعد حليم المسرح إلى جوار هاني شاكر وغنى معه أغنيته الشهيرة «كدة برضة يا قمر».
كيف دعم الجميع هاني شاكر في مواجهة العندليب؟
الناقد الفني طارق الشناوي تحدث في تصريحات صحفية عن بدايات هاني شاكر، كاشفاً أن أم كلثوم كانت تدعم هاني شاكر نكاية في العندليب عبد الحليم حافظ، وأنها قامت بالاتصال بالملحن خالد الأمير من أجل تلحين أغنية لهاني شاكر، وهو ما حدث بالفعل حينما قدم له أغنية “كده برضوا يا قمر” التي حققت نجاحا كبيرا للغاية.
ولم تكتف أم كلثوم بالأغنية، بل طلبت من شادية أن تصطحب هاني شاكر معها في الحفلات، وهو ما فعلته شادية استجابة “للست”. وكانت تظهر بصحبة المطرب الشاب في ذلك الوقت، أمام جمهور كبير حضر من أجل شادية، إلا أنه استمع أيضاً إلى الوجه الجديد.
وأوضح الشناوي أن الأمر الغريب في ذلك الوقت كان دعم عبد الوهاب لهاني شاكر، خاصة أنه كلف الموسيقار محمد سلطان بتلحين أغنية لشاكر.
وحاول الشناوي تفسير ذلك بكونها رسالة غير مباشرة من عبد الوهاب لحليم بأنه يوجد غيره على الساحة. إلى ذلك، أشار الشناوي إلى أن خالد الأمير ومحمد سلطان وكذلك الموجي كانت لديهم دوافعهم من أجل مساندة هاني شاكر في مواجهة العندليب، خاصة أن حليم لم يكن يعمل معهم، والموجي بالتحديد كان على خلاف كبير مع العندليب، وكان يحاول بكل الطرق إيجاد وجوه جديدة لمنافسته.
حكاية زمارة هاني شاكر
تلقفت الصحافة هذه الحالة التي أوجدها ظهور هاني شاكر على الساحة الفنية ووجدت فيها مادة خصبة وثرية لعشاق الفن، وكان أشهر هؤلاء الكاتب الصحفي الراحل نبيل عصمت الذي كتب عموده الصحفي الشهير «عزيزي» في صحيفة «أخبار اليوم» متحدثًا أن المطرب الصاعد هاني شاكر يحمل في حنجرته «زمارة» يستطيع بها أن يؤدي صوت عبد الحليم، وأن حليم عقد مؤتمرا صحفيًا وأكد أنه سيذهب إلى حفل هاني شاكر القادم في أعياد الربيع ليخرج هذه «الزمارة» من فمه ويكشفه أمام الجمهور، ولما كان هذا الخبر في مطلع شهر أبريل عام 1972م، فقد كتب الأستاذ نبيل عصمت في آخر المقال «عزيزي القارئ فما كتبته هو من باب كدبة أبريل» قبل أن يوقع بإمضائه الشهير «أبو نضارة».
ومع ذلك، صدق الناس الخبر، ولم يلتفتوا إلى ما كتبه عصمت عن «كدبة أبريل»، وفي ميعاد حفل هاني شاكر، ذهبت الجماهير لترى عبد الحليم، وهو يخرج «الزمارة» من حنجرة هاني شاكر، وقد تفاجأ شاكر من الجماهير التي ملأت شارع رمسيس عن آخره حيث كان يقيم الحفل بمسرح الفن، وانزعج عبد الحليم حافظ بشدة من هذا المقال، وخاصم كاتبه نبيل عصمت.
لماذا قاطع هاني شاكر في عيد الأم؟
يوم 21 مارس من العام 2009، فقد الفنان والدته بشكل مفاجئ، بعدما كان متعلقاً بها بشكل كبير للغاية، ويستشيرها بكل شاردة وواردة. إلا أنها رحلت فجأة يوم عيد الأم، لتتحول هذه المناسبة السعيدة بعد ذلك إلى أصعب أيامه.
وقد تحدث شاكر في أحد لقاءاته السابقة عن وفاة والدته، قائلاً إنه كان يستعد في ذلك اليوم لزيارتها من أجل تهنئتها بهذه المناسبة، إلا أنه فوجئ بمكالمة هاتفية من أحد أفراد أسرته يخبره برحيلها إثر أزمة قلبيه. ليتلقى صدمة تركت جرحا عميقا عانى منه لسنوات طويلة.
منذ هذا العام قاطع هاني شاكر مناسبة عيد الأم التي باتت ذكرى حزينة له.
كيف أثر رحيل ابنته عليه؟
الألم الثاني في حياة النجم الراحل، فتجسد في وفاة ابنته الوحيدة دينا في ريعان شبابها إثر معاناتها من مرض السرطان. ولفظت ابنته أنفاسها الأخيرة عام 2011، تاركة طفلين توأم هما “مجدي ومليكة”، فتولى شاكر لاحقا رعايتهما واعتبرهما بلسماً لجرح قلبه المفطور على رحيل دينا.
فيما أكد هاني خلال أكثر من لقاء فني، أنه لا يوجد بحياته ألم أكبر من فراق ابنته، مضيفاً أنه لم يذق طعما للفرحة بعد رحيلها.
وقال الفنان الراحل هاني شاكر، قبل وفاته، إن رحيل نجلته دينا كسره، موضحًا أن الإنسان قد ينسى الموت بسبب مشاغل الحياة، لكنه بعد رحيل والدته و دينا عام 2011، ثم وفاة شقيقه، شعر بقرب الموت منه.
وأوضح شاكر ، خلال حوار تلفزيوني سابق: «بعد وفاة نجلتي دينا، شعرت وكأن جزءًا من جسدي دفن في التراب، وأن الموت أخذ أغلى ما لدي، وأصبحت أفكر طوال الوقت في الموت واليوم الآخر، وأحمل همه».
وتابع أنه يفكر دائمًا في الموت، وينتظر اليوم الذي يرى فيه نجلته، قائلًا: «أتمنى اليوم الذي أرى فيه ابنتي، رحمها الله».
وأشار إلى أنه يزور المقابر من وقت لآخر، ويجلس أمام قبر نجلته ويدعو لها، ودخل في حالة بكاء، قائلًا: «أتمنى الموت لألتقي بمن اشتقت إليهم».
خاتم وسبحة وصورة وعطر ..
في كواليس حياة هاني شاكر، تكشف مقتنيات بسيطة عن أسرار شخصية وإنسانية رافقته لعقود، من خاتم لم يخلعه إلى ذكريات حملها معه.
الخاتم “العهد”: سر الفص الذي لا يغيب عن يده
إذا دققت في صور هاني شاكر عبر العقود، ستجد “خاتمًا” معينًا يزين إصبعه في أغلب المناسبات والحفلات. هذا الخاتم ليس مجرد قطعة من المجوهرات، بل هو “خاتم العهد”.
تؤكد الروايات المقربة من الفنان أن هذا الخاتم كان هدية من شخصية غالية جدًا على قلبه (يُقال إنها والدته الراحلة)، ويمثل له “البركة” والدعاء المستمر. لم يكن هاني يرى فيه زينة، بل كان يراه “درعًا” نفسيًا؛ ففي اللحظات التي يشعر فيها بالرهبة قبل صعوده على المسرح، كان يلمس فص الخاتم ويقرأ المعوذتين، وكأنه يستمد القوة من ذكرى صاحبة الهدية. الخاتم الذي صمد أمام تغير الموضة، ظل ثابتًا في يد “الأمير” كرمز للوفاء الذي لم ينقطع بمرور السنين.
“سبحة الذاكرة”: رفيقة اللحظات الصعبة خلف الكواليس
في حقيبة هاني شاكر الشخصية، كانت هناك دائمًا “سبحة” لا تفارقه. لم تكن سبحة عادية، بل كانت مصنوعة من أحجار كريمة تحمل عبق الماضي. هذه السبحة كانت رفيقته في أصعب لحظات حياته؛ كانت في يده وهو جالس في غرف المستشفيات بجوار ابنته الراحلة “دينا”، وكانت معه وهو ينتظر سماع اسمه في المهرجانات الكبرى.
هذه السبحة تمثل الجانب الصوفي والروحاني في شخصية هاني شاكر؛ فهو الرجل الذي يؤمن بأن “الستر” هو أعظم نعمة. خلف الكواليس، وقبل أن يصدح صوته بالألحان الرومانسية، كانت أصابعه تسبح بصمت، وكأن هذه المسبحة هي “خيط الرجاء” الذي يربطه بالسماء بعيدًا عن صخب النجومية وزيف الأضواء.
“صورة في المحفظة”: الوجه الذي لم يفارق خياله
إذا فُتحت محفظة هاني شاكر، ستجد صورة صغيرة قديمة، متهالكة الأطراف بفعل الزمن. هذه الصورة ليست لأحفاده فقط، بل هي صورة تجمعه بوالدته في مرحلة الشباب. هاني شاكر الذي يُلقب بـ “ابن أمه” في الوسط الفني لشدة تعلقه بها، كان يرى في هذه الصورة “بوصلته” الأخلاقية.
كان دائمًا يقول إن نظرة عين والدته في تلك الصورة هي التي كانت تحميه من الغرور، وتذكره دائمًا بـ “هاني” الطالب المجتهد الذي كان يسعى لإسعاد عائلته قبل أن يصبح مطرب العرب الأول. هذه الصورة هي “السر” الذي جعله يحافظ على رصانته ووقاره، فكان يشعر دائمًا أنها تراقبه وتوجهه حتى بعد رحيلها بسنوات طويلة.
“عطر الذكريات”: لماذا لم يغير عطره منذ السبعينيات؟
من الأمور الشخصية جدًا في حقيبة هاني شاكر، زجاجة عطر صغيرة من نوع كلاسيكي نادر. يروي المقربون منه أنه لم يغير نوع عطره منذ بدايات تألقه في السبعينيات. والسبب؟ أن هذا العطر يرتبط بلقائه الأول مع عمالقة الفن مثل عبد الحليم حافظ والملحن محمد الموجي.
بالنسبة لهاني، الرائحة هي “آلة زمن”؛ فبمجرد استنشاق هذا العطر، يعود شابًا في مقتبل العمر، يقف بتهيّب أمام “العندليب”، ويشعر بمسؤولية الفن الذي يحمله. كان يحمل زجاجة العطر معه في كل مكان، ليس من أجل التجمل فحسب، بل ليظل محاطًا بـ “هواء” الزمن الجميل الذي يرفض أن يغادره.
حزن واسع في الوسط الفني العربي بعد رحيل هاني شاكر
خيم الحزن على الوسط الفني العربي، وتوالت رسائل النعي من نجوم الغناء والتمثيل، معبرين عن ألمهم الشديد لرحيل الفنان هاني شاكر، الذي ترك بصمة فنية وإنسانية لا تُنسى، ومسيرة حافلة بالأعمال التي شكلت وجدان الجمهور عبر عقود.
كما جاءت برقيات التعازى في رحيل المطرب هانى شاكر من الدول العربية .
وعبر أبناء جيله من الفنانين عن صدمتهم الكبيرة، مؤكدين أن رحيله يمثل خسارة لأحد أبرز الأصوات التي عاشت معهم نفس المرحلة الفنية، وشاركتهم مسيرة طويلة من الإبداع، ليبقى اسمه حاضرًا في الذاكرة الفنية العربية كأحد أهم رموز الطرب الأصيل.
وقال الفنان مدحت صالح: “فقدنا اليوم قيمة فنية كبيرة ستظل أعمالها خالدة في وجداننا… رحم الله الفنان الكبير هاني شاكر وألهم أسرته الصبر والسلوان.”
كما قال الفنان علي الحجار: “إنا لله وإنا إليه راجعون رحم الله الفنان الكبير والإنسان الخلوق المحترم هاني شاكر.”
وقالت الفنانة سميرة سعيد: “فقدنا اليوم هاني شاكر… إنساناً من أنبل الناس وأكثرهم احتراماً، وعشرة عمر حقيقية. هاني لم يكن مجرد فنان كبير، بل قيمة فنية راسخة، بصوته وحضوره صنع حالة خاصة لا تتكرر، وترك إرثاً سيبقى شاهداً على مكانته التي لا تُشبه أحداً. خالص عزائي لزوجته السيدة نهلة، ولكل محبيه.. خسارة للفن العربي كله.. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.”
وقال الفنان حكيم: “إنا لله وإنا إليه راجعون، فقدت مصر والوطن العربي فنان كبير وإنسان عظيم، ربنا يجعل مرضه في ميزان حسناته ويصبر أهله وكل حبايبه .. وداعًا الفنان القدير هاني شاكر.”
وقالت الفنانة يسرا: “خسارة كبيرة للساحة الفنية العربية… رحيل أمير الغناء العربي الراقي هاني شاكر، ستظل أعماله محفورة في وجدان جمهوره ومحبيه عبر الأجيال. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الصبر والسلوان. خالص العزاء لزوجته وعائلته وكل محبيه.”
وقالت الفنانة نادية مصطفى: “إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، فقدت مصر والعالم العربي فناناً كبيراً وصوتًا لن يُعوَّض وإنسانًا بمعنى الكلمة، وداعًا أخي وصديقي أمير الغناء العربي وأمير القلوب والأخلاق. اللهم اجعله في كنف رحمتك وفي أعلى جناتك، وخالص عزائي لكل أسرته ومحبيه، فضلًا وليس أمرًا الدعاء له بالرحمة.”
أما المطرب محمد ثروت ودع صديقه ورفيق عمره الفنان هاني وشارك محمد ثروت جمهوره ومتابعيه صورة تجمعه بـ هاني شاكر عبر حسابه بموقع «فيسبوك»، وكتب: «إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعت قلبنا وربنا يصبرنا و يصبر أسرتك يا حبيبي، ببالغ الحزن والأسى أنعى صديقي ورفيق المشوار وأخويا الغالي الفنان الكبير هاني شاكر».
وأضاف: «أشهد الله إنك كنت من أنقى القلوب، وإن ضحكتك كانت بتنور أي مكان بتدخله، حزنت قلوبنا على فراقك، لكن ستظل في قلوبنا دائمًا أرجو من الجميع الدعاء له وقراءة الفاتحة، فقد رحل عنا في خبر مؤلم ومحزن».
واختتم محمد ثروت: «ربنا يجعل ابنك شريف خير سند وامتداد ليك، ويصبر كل أسرتك الكريمة، وأختي الغالية نهلة. اللهم اجمعه مع الطيبين في الجنة، وارحمه برحمتك الواسعة. الله يرحمك يا طيب القلب… يا رفيق العمر».
وداع أمير الغناء العربي إلي مثواه ملفوف بعلم مصر بحضور نائب السفير الفلسطيني ناجي الناجي وكبار المشاهير من الفن والإعلام
شُيع الجثمان ظهر يوم الأربعاء 6 مايو من مسجد أبو شقة بمنطقة الشيخ زايد، وسط حالة من الحزن التي خيمت على الحضور.
ملفوفًا بعلم مصر، تنفيذًا لوصيته بتغطية النعش بالعلم المصري، تقديرًا لمسيرته الفنية والوطنية.
شهدت الجنازة حضورًا واسعًا من جمهور الفنان الراحل ومحبيه، إلى جانب عدد من نجوم الفن والإعلام والشخصيات العامة، وكان من أبرز الحضور نقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل، ونقيب المهن التمثيلية أشرف زكي، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خالد عبد العزيز، والإعلامي أحمد موسى، والفنان حلمي عبد الباقي، والفنانة ميرفت أمين، والإعلامية هالة سرحان، والفنانة لبلبة، والشيخ خالد الجندي، والفنان إيهاب توفيق، والفنانة سلاف فواخرجي.
كما أوفد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، نائب السفير الفلسطيني ناجي الناجي ، لنقل تعازي الشعب الفلسطيني إلى أسرة الفنان الراحل هاني شاكر، خلال صلاة الجنازة التي أقيمت ظهر يوم الأربعاء بمسجد أبو شقة بالشيخ زايد.
الرحيل الأخير
توفي الفنان هاني شاكر ” أمير الغناء العربي” ، يوم الأحد 3 مايو ، في مستشفى فوش في الحي السادس عشر بالعاصمة الفرنسية باريس، وذلك بعد صراع مع المرض عقب تعرضه لانتكاسة صحية مفاجئة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله مجددًا إلى الرعاية المركزة قبل أن تتدهور حالته الصحية بشكل سريع وفارق الحياة صباح يوم الأحد.
مات هاني شاكر وترك في القلب بصمة ؛كلمة؛إحساس؛أسلوب
غابت شمس أمير الغناء العربي لكن شمس فنه الأصيل وإحساسه الجياش ستظل مشرقة في قلوب كل من عشق فنه ولمس إنسانيته ورقي أخلاقه







