
حين صار القلم أغلى من الكتاب والتوقيع أثمن من الشهادة تحولت قاعات الدرس إلى أسواق ودفاتر الحضور إلى إيصالات أمانة فخرج جيل بلا طريق وآباء بلا ظهر تلك كانت المدرسة التي سرقت مستقبل الأبناء وديون الآباء.
لم تكن جدران ولا مقاعد ولا سبورات بل كانت فخ محكم الإغلاق دخله أولياء الأمور بأحلامهم وخرجوا منه بأوراق دين. سرقوا العقول باسم التطوير وسرقوا الأعمار باسم المصروفات إنها الحكاية التي بدأت بتوقيع وانتهت بكارثة.
- حين سرقت المدرسة أحلام أولياء الأمور
نحن نعيش وسط مدينة هادئة من الخارج لكنها تغلي من الداخل بعصابات لا ترتدي الأقنعة ولا تسكن الحارات المظلمة. بل تجلس في مكاتب فاخرة وتوقع العقود وتبتسم في وجوه الناس.
الواقعة بدأت من حيث يفترض أن يبدأ الأمان من مدرسة خاصة وثق فيها مئات من أولياء الأمور وسلموها أبناءهم وأوراقهم وصور بطاقاتهم بحسن نية كاملة. كانت الحجة جاهزة ومعروفة المصروفات الدراسية مرتفعة والدفع بالتقسيط يحتاج لتسهيلات بنكية ولسنا وحدنا كل المدارس تفعل ذلك.
تسللت الفكرة في البداية على هيئة عرض مغري سنوفر لكم قرضاٌ ميسراٌ نسدد به المصروفات بدلاٌ منكم وأنتم تسددون لنا على مهل. لم يطلب أحد توقيعاٌ واضحاٌ ولم يشرح أحد التفاصيل. أوراق تسلمت وصور بطاقات أودعت وملفات فتحت. وبين يوم وآخر تحولت الثقة إلى فخ محكم.
- أقساط متأخرة وفوائد متراكمة وإنذارات بأسماء لم تقترض
مع مرور الشهور بدأت الإتصالات تأتي من البنوك. أقساط متأخرة وفوائد متراكمة وإنذارات بأسماء لم تقترض أصلاٌ. ذهب أولياء الأمور للإستفسار فكانت الصدمة قروض بملايين الجنيهات مسجلة بأسمائهم. الرقم الذي ظهر لاحقاٌ كان مرعباٌ ثلاثمائة وتسعة عشر مليون جنيه موزعة على ستمائة وتسعة عشر ولي أمر. لم ير أحدهم جنيهاٌ واحداٌ ولم يوقع أحدهم على عقد إقتراض حقيقي. لكن الأسماء موجودة والأختام موجودة والديون موجودة.
- حيتان استخدمت سمعة المدرسة كطعم وبياناتك الناس كسلاح
هكذا تحولت المدرسة من مكان للتعليم إلى واجهة لعملية سحب منظمة. حيتان استخدمت سمعة المؤسسة التعليمية كطعم واستخدمت بيانات الناس كسلاح. لم تكن السرقة في الخفاء بل تمت بأوراق رسمية وبنوك متواطئة أو غافلة وبنظام كامل يعرف كيف يمر من بين الثغرات القانونية دون أن يترك أثراٌ واضحاٌ.
وصلت الواقعة اليوم إلى طريق مسدود بين الغضب والعجز. أولياء الأمور اكتشفوا أنهم مدينون بملايين لم يستفيدوا منها وأن أسماءهم تلطخت في سجلات البنوك وأن مستقبلهم المالي أصبح رهينة. بعضهم يعيش في رعب من الحجز على الراتب أو الممتلكات.
القصة لم تعد قصة مدرسة ونقود. صارت قصة وطن صغير انهار فيه ميزان الثقة. صارت دليلاٌ على أن الخطر لم يعد يأتي من الشارع بل يأتي من داخل المؤسسات التي من المفترض أن تحمينا. صارت سؤالاٌ كبيراٌ من يحاسب من وكيف يمكن لستمائة أسرة أن تستفيق فجأة لتجد نفسها في سجن ديون لم تصنعه يدها.
- ليست قضية فردية بل جريمة جماعية منظمة
حتى الآن لا أحد يعرف أين ذهبت الأموال ولا من وقع ولا من استفاد. الملفات مغلقة والأبواب موصدة والأصوات ترتفع شيئاٌ فشيئاٌ. لكن الخوف أكبر. الخوف من أن تمر هذه الواقعة كما مر غيرها وتدفن تحت بند قضية فردية بينما هي في الحقيقة جريمة جماعية منظمة.
ثلاثمائة وتسعة عشر مليوناٌ ليست مجرد رقم. هي بيوت انكسرت وأحلام تأجلت وأطفال دفعوا ثمن جشع الكبار. وهي أيضاٌ جرس إنذار لكل أب وكل أم أن الورقة التي توقعها اليوم قد تصبح غداٌ حكماٌ بالسجن المالي عليك.
فإلى أين وصلنا ؟ وصلنا إلى لحظة يجب أن نختار فيها إما أن نصمت فنخسر كل شيء أو أن نتكلم فيكسر الصمت ظهر العصابات.








