
بقلم: بهجت العبيدي
إن افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد إضافة معمارية أو حدث ثقافي عابر يضاف إلى سجل منجزات الدولة الحديثة، بل هو أشبه بلحظة تاريخية فارقة، تمثل عودة الذاكرة الوطنية من رحلة اغتراب طويلة إلى ذاتها الأولى، إلى ذلك العمق الحضاري الذي شكّل، عبر آلاف السنين، ملامح الشخصية المصرية، وملأ وعيها الجمعي بالإحساس الدائم بالعظمة والخلود. منذ اللحظة الأولى للإعلان عن افتتاحه، بدا واضحا أن ما يحدث لا يخص فئة من المهتمين بالآثار أو النخبة الثقافية وحدها، بل هو حالة وجدانية شاملة امتدت إلى كل بيت، وإلى كل قلب ينبض على أرض مصر، حيث خرج المصريون من اختلافاتهم الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية، ليتوحدوا حول رمز جامع يمثلهم جميعا: حضارتهم. إن اللافت في هذا المشهد هو أن الاحتفاء بالمتحف لم يقتصر على الدعوة لزيارة المكان أو متابعة نشرات الأخبار، بل تعدّى ذلك إلى تفاعل رقمي مدهش، حيث لجأ الملايين إلى برامج الذكاء الاصطناعي لتوليد صور شخصية لهم بالزي الفرعوني، وكأنهم يسعون – بوعي أو دون وعي – إلى إعادة الاتصال بسلسلة النسب الحضاري الممتدة من أجدادهم القدماء إلى حاضرهم المعاصر.
وهنا يكمن لب الجدل الذي يمحوه طوفان البهجة الشعبية، فالصور التي ملأت وسائل التواصل لم تكن مجرد موضة، بل كانت تعبيرا عميقا عن انبعاث الهوية، وإعلان انتصار للوعي التاريخي على ضيق الأفق. لقد ذابت تماما – حيث لم يلتفت إليها الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري- هذه الأصوات التي اعتادت تشويه هذه اللحظات، وتلك التي لطالما نظرت إلى الآثار والتاريخ الفرعوني باعتباره “وثنية” أو “محرّمات”، متجاهلة عن عمد أن الحضارة المصرية القديمة هي المستودع الأول لعلوم الدنيا وآدابها. إن هذا الوعي الجديد لم يعد يقبل التفسير الاختزالي الضيق؛ بل يدرك أن ما تركه الأجداد ليس مجرد تماثيل وطقوس دينية، ولكنه المنهج العلمي المؤسس الذي سبق عصره بآلاف السنين. فالحضارة المصرية لم تكن مجرد طقوس دينية؛ بل كانت مدرسة عالمية متقدمة، تُعنى بالإنسان والحياة المدنية بقدر عنايتها بالخلود والآخرة.
لقد تجسدت عبقريتهم في العلوم المنهجية بشكل مذهل، ففي الطب قدموا للعالم بردية إدوين سميث الجراحية التي تصف 48 حالة إصابة بترتيب تشريحي دقيق، وفي الهندسة أتقنوا بناء الأهرامات التي لا تزال لغزا معماريا، وفي الفلك ابتكروا التقويم الشمسي الذي ما زلنا نعتمد على أساسياته حتى اليوم. ولم يقف إبداعهم عند حدود العلم الصارم، بل بلغ ذروته في الفنون والآداب، حيث وُلدت فنون القصة القصيرة والحكمة الأخلاقية. وتتأكد هذه الروعة الفكرية في تعاليم بتاح حتب (منذ حوالي 2400 ق.م)، حيث نجد لغة حضارية تحث على التعقل والفضيلة، فمن كلماته الخالدة: “لا تكن فخورا بمعرفتك، واستشر الجاهل والحكيم. فإن الإنسان لم يولد حكيما.” و “الاستماع هو الأحسن، لأنه يولد التعاطف… والإله يحب الصاغين، ويكره من لا يُصغِي.” إن هذا التركيز على الحوار والإصغاء والتواضع هو دليل على حضارة تقيس التقدم بالعقل والذوق الرفيع، وليس بنظرة عقائدية ضيقة لا ترى في الهرم سوى رمزا دينيا، وتتجاهل أنه أعظم إنجاز هندسي وإبداع فني وأخلاقي لآلاف السنين. لقد قرر الوعي الجمعي للأمة المصرية أن يُنهي تلك الجدالات العقيمة، ويحتضن تاريخه بكل ما فيه من نور وعلم وفن وخلود.
إن المتحف المصري الكبير ليس فقط الأكبر في العالم من حيث المساحة أو عدد القطع الأثرية – إذ يضم كنوزا مثل مجموعة توت عنخ آمون الكاملة – بل هو تجسيد لفلسفة معمارية وثقافية تمزج بين عبقرية المصري القديم وإبداع المصري الحديث. ففي هندسته الباهرة وموقعه الاستراتيجي بالقرب من أهرامات الجيزة، نرى تزاوجا بين الماضي والمستقبل، بين الحجر المنحوت والزجاج المصقول الذي يعانق ضوء الألفية الثالثة، ليتحول إلى بوابة حضارية تربط بشكل بصري ورمزي بين أعظم رموز الخلود في العالم، ويؤكد أن الهوية المصرية ليست جامدة، بل هي كيان حيّ قادر على امتصاص ما يمر به من حضارات، ثم إعادة صياغتها وفق روحه الخاصة. إن المصري، حين يحتفي بالمتحف، لا يحيي ماضيا بعيدا فحسب، بل يعلن انتصار الحاضر، ويؤسس لجسر من الوعي يربط بين الأهرام وبين المستقبل. لقد نجح المتحف في أن يكون أيقونة للهوية، لأنه أيقظ في قلوب البسطاء إحساسا عميقا بالانتماء، وأعاد صياغة العلاقة بين المصري وتاريخه، لا على أنها مادة دراسية جامدة، بل كحكاية مستمرة يكتبها الشعب بنفسه. وهكذا، لم يعد المتحف مجرد بناء ضخم على أطراف الجيزة، بل أصبح مرآة كبرى تعكس وجه مصر الحقيقي: ذلك الوجه الذي يجمع بين الأصالة والتجدد، بين الإيمان والخلود، بين الحجر القديم الذي قنن الجراحة والأدب، والعقل المعاصر الذي شيّد المتحف ووظف تكنولوجيا العرض الحديثة.
إن المتحف المصري الكبير يمثل إعلانا صريحا بأن الحضارة المصرية القديمة لم تكن مجرد صفحات تاريخية، بل هي كتاب مفتوح للمعرفة والابتكار، من المنهجية الجراحية في بردية سميث إلى عمق الحكمة في تعاليم بتاح حتب. هذا الصرح الحديث لا يهدف فقط إلى عرض التحف، بل إلى تأكيد استمرارية الإرث الذي بدأ على ضفاف النيل. إنه يُحوّل تاريخ مصر من حكاية الماضي إلى منصة الانطلاق نحو المستقبل، مؤكدا أن العظمة ليست إنجازا عابرا، بل هي صفة متأصلة متجددة في الوعي المصري.
