
بقلم: شحاته زكريا
ليست العلاقة بين إيران والولايات المتحدة مجرد خلاف سياسي تقليدي ولا حتى صراعا مفتوحا بالمعنى الكلاسيكي للحروب. إنها أقرب إلى لعبة حافة ممتدة تدار بوعي بارد وحسابات دقيقة حيث يقترب الطرفان من الانفجار دون أن يسمحا له بالحدوث الكامل. هنا لا تُقاس القوة فقط بما يُقال أو يُعلن بل بما يُخفى ويُدار في الظلال.. على مدار عقود لم تكن المواجهة بين واشنطن وطهران خطًا مستقيما بل مسارا متعرجا يتأرجح بين التصعيد والتهدئة. من أزمة الرهائن في نهاية السبعينيات مرورا بمحطات العقوبات الاقتصادية ووصولا إلى الاتفاق النووي وما تلاه من انسحاب أمريكي تتجلى حقيقة واحدة: لا أحد من الطرفين يريد حربًا شاملة لكن كليهما مستعد للذهاب بعيدا لإثبات أنه لا يخشاها.
اليوم تبدو المنطقة وكأنها مسرح مفتوح لهذا التوازن الحرج. فإيران التي رسخت حضورها الإقليمي عبر شبكة من النفوذ السياسي والعسكري تدرك أن قوتها لا تكمن فقط في قدراتها الذاتية بل في قدرتها على إدارة الاشتباك غير المباشر. في المقابل تعتمد الولايات المتحدة على مزيج من الضغط الاقتصادي والتحالفات الإقليمية والردع العسكري دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تعيد تشكيل المنطقة بشكل لا يمكن التنبؤ به.. لكن ما يجعل هذه اللعبة أكثر تعقيدا هو تغير طبيعة الصراع ذاته. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالسلاح أو العقوبات بل أصبح صراعا على النفوذ والشرعية والرواية. كل طرف يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره الطرف العقلاني الذي يتجنب الحرب بينما يُحمّل الآخر مسؤولية التصعيد. وفي هذا السياق تتحول التصريحات السياسية والرسائل غير المباشرة وحتى التوقيتات المدروسة للعمليات إلى أدوات تفاوض بقدر ما هي أدوات ضغط.. اللافت أن هذه اللعبة لا تدار فقط بين عاصمتين بل عبر شبكة معقدة من الفاعلين الإقليميين والدوليين. فكل تصعيد في نقطة ما ينعكس على نقاط أخرى وكل تهدئة تحمل في طياتها رسائل متعددة. وهنا يصبح الشرق الأوسط ساحة اختبار مستمرة ليس فقط للقوة بل لقدرة الأطراف على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى الفوضى الشاملة.. ورغم هذا التوازن الظاهري فإن المخاطر لا تزال قائمة. فلعبة الحافة بطبيعتها محفوفة بإمكانية الخطأ في التقدير. ضربة محسوبة قد تفسر بشكل خاطئ أو رد محدود قد يتطور إلى سلسلة من التصعيد غير المقصود. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح يصبح هامش الخطأ أضيق وتصبح كلفة الانزلاق أكبر.. من زاوية أخرى لا يمكن تجاهل البعد الداخلي في حسابات الطرفين. ففي إيران يشكل الصمود في وجه الضغوط الخارجية جزءا من شرعية النظام.بينما في الولايات المتحدة تخضع القرارات المتعلقة بإيران لحسابات سياسية داخلية معقدة تتأثر بالانتخابات وتوازنات القوى وضغوط الحلفاء. وهكذا لا تصنع السياسات فقط في غرف العمليات بل أيضا في ساحات الرأي العام.. ومع اقتراب المنطقة من محطات مفصلية تبرز تساؤلات جوهرية: إلى متى يمكن استمرار هذا التوازن الهش؟ وهل يمكن لهذه اللعبة أن تبقى تحت السيطرة إلى ما لا نهاية؟ أم أن لحظة ما ستأتي يختل فيها الميزان وتنزلق الأمور إلى ما هو أبعد من الحسابات؟
ربما تكمن الإجابة في طبيعة هذه العلاقة نفسها. فهي ليست صراعا من أجل الحسم بقدر ما هي صراع من أجل إدارة التوازن. كل طرف يدرك حدود القوة وحدود المخاطرة ويسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة. وفي هذا الإطار، تصبح الحافة ليست مجرد نقطة خطر بل مساحة للمناورة.. غير أن التاريخ يعلمنا أن اللعب على الحواف لا يمكن أن يستمر إلى الأبد دون ثمن. فكل جولة من التصعيد تترك أثرا وكل مرحلة من التوتر تعيد تشكيل المعادلات. ومع تراكم هذه التحولات قد نجد أنفسنا أمام واقع جديد تختلف فيه قواعد اللعبة وتتغير فيه موازين القوى.. في النهاية تبقى العلاقة بين إيران والولايات المتحدة مثالا حيا على تعقيد السياسة الدولية في عصرنا. فهي ليست مجرد مواجهة بين خصمين بل شبكة من التفاعلات التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والأمن بالإعلام والمصالح بالمبادئ. وفي قلب هذه الشبكة تستمر لعبة الحافة لا تنتهي لكنها أيضا لا تبقى كما هي.. وبينما يترقب العالم ما ستؤول إليه هذه المواجهة الصامتة يبقى السؤال الأهم: هل يتعلم الطرفان من دروس الماضي أم أن التاريخ سيعيد نفسه ولكن هذه المرة بكلفة أكبر؟
حتى الآن لا يبدو أن هناك إجابة حاسمة. فقط لعبة مستمرة… على حافة لا تعرف الاستقرار.







