
جمال رشدي
تتجه الأنظار في المرحلة الحالية إلى احتمالات اتساع رقعة المواجهة الدائرة حول إيران، وما إذا كانت ستظل محصورةً في إطار الضغوط العسكرية والسياسية الحالية، أم أنها ستتحول إلى صراع إقليمي أوسع قد تنخرط فيه قوى أخرى في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا.
الواقع الجيوسياسي يشير إلى أن صمود إيران حتى الآن أمام الضغوط العسكرية المفروضة عليها خلق حالةً من الارتباك النسبي في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية. فالتقديرات التي كانت تراهن على إضعاف سريع لقدرة طهران على المواجهة لم تتحقق بالسرعة المتوقعة، بل على العكس بدأت تظهر مؤشرات على قدرة إيران على امتصاص الضربات وإدارة الصراع بنَفَس طويل.
وفي خضم هذه المعادلة، ظهرت تقارير إعلامية أمريكية تتحدث عن دعم استخباراتي روسي لإيران يتضمن معلومات حول تحركات القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة، بينما تشير تقديرات أخرى إلى تحركات صينية غير مباشرة لدعم الاقتصاد الإيراني وتوفير بعض الاحتياجات الفنية وقطع غيار الأسلحة.
هذه المعطيات تعزز المخاوف داخل واشنطن من الانزلاق إلى مستنقع استنزاف طويل قد يضر بمصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
ومن هنا قد تتجه الولايات المتحدة إلى تغيير أسلوب إدارتها للصراع، بالانتقال من موقع الطرف المنخرط بشكل مباشر إلى موقع الطرف المحرك للأحداث من الخلف.
أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في محاولة دفع بعض دول الخليج للدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، بما يفتح جبهة إقليمية واسعة تستنزف الطرفين معًا وتعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
لكن في حال عدم تحقق هذا السيناريو، قد تلجأ واشنطن إلى خيارات أخرى أكثر تعقيدًا، مثل تحريك قوى كردية داخل إيران وعلى حدودها، بالتزامن مع تحركات محتملة من جانب أذربيجان، الحليف الوثيق لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بهدف زيادة الضغط العسكري على طهران ومحاولة كسر حالة الصمود التي أظهرتها حتى الآن.
عند هذه النقطة تحديدًا قد تدخل تركيا على خط الأزمة بشكل مباشر. فأنقرة تنظر بحساسية شديدة إلى أي تحركات يمكن أن تمهد لقيام كيان كردي مستقل في المنطقة، سواء في شمال العراق أو شمال سوريا أو حتى داخل الأراضي الإيرانية. ومن ثم فإن أي سيناريو يتضمن توظيف الورقة الكردية عسكريًّا قد يدفع تركيا إلى التدخل سريعًا لمنع تحوُّل هذه التحركات إلى مشروع سياسي يهدد أمنها القومي.
إضافة إلى ذلك، تدرك تركيا أن أي محاولة لإسقاط إيران أو تفكيكها لن تكون نهاية المخطط، بل قد تكون بدايته. فبعد إزالة ما يُنظر إليه كـ«عقبة إقليمية كبرى» في إيران، قد تتجه الأنظار إلى قوى إقليمية أخرى مؤثرة مثل تركيا ومصر، وهو ما يجعل أنقرة تنظر إلى ما يجري باعتباره جزءًا من عملية إعادة تشكيل أوسع لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
ولهذا السبب قد لا تنتظر تركيا أن تكون مجرد رد فعل على تطورات الأحداث، بل قد تسعى لأن تكون طرفًا فاعلاً في معادلة الصراع، بهدف إحباط أي مخطط قد يؤدي إلى تفكيك التوازنات القائمة في المنطقة أو فتح الباب أمام مشاريع جيوسياسية جديدة تهدد أمنها ومصالحها الاستراتيجية.
وفي عالم السياسة الدولية، كثيرًا ما تتحرك الدول الكبرى والإقليمية ليس فقط دفاعًا عن حاضرها، بل أيضًا لمنع تشكُّل مستقبل قد يفرض عليها معادلات لم تخترها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم لماذا قد تتحرك تركيا مبكرًا إذا شعرت بأن خرائط المنطقة يجري رسمها من جديد على وقع الحرب.
