
بقلم بهجت العبيدي
مقدمة: في مديح العقل المتمرد وجوهر الرسالة
لا ينبثق الإصلاح الحقيقي في تاريخ المجتمعات من ترف فكري أو قرارات فوقية جافة، بل يولد دائما من رحم “الوجع الإنساني”؛ ذلك الأنين الخفي لضمير لم يعد يطيق رؤية “المقدس” يُختطف ليصبح قيداً، أو “الإيمان” يُستلب ليتحول إلى أداة للهيمنة والوصاية السياسية والاجتماعية. إن تاريخ الأديان، في تجلياته الإنسانية، هو قصة صراع أزلي بين “الرسالة” في نقائها الأول كينبوع تحرر روحي وأخلاقي، وبين “المؤسسة” التي تنشأ لحمايتها فتميل بفعل الزمن والسلطة إلى بناء السدود حولها حتى تحولها إلى منظومة ضبط وتحكم.
وهنا تبرز الحاجة إلى “العقل المتمرد” الذي يثور لاستعادة جوهر النبع الصافي من تحت ركام التراكمات البشرية. هذا المقال يسعى لتحليل “الوظيفة الإصلاحية الكونية” من خلال مشروعين استثنائيين فصلت بينهما القرون ووحدتهما الغاية: لحظة الراهب الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر، ولحظة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في القرن الحادي والعشرين.
أولاً: زلزال مارتن لوثر وتحطيم أصنام الوساطة
في القرن السادس عشر، واجه مارتن لوثر “كهنوتا صريحا” ممثلا في الكنيسة الكاثوليكية، التي تحولت إلى إمبراطورية مالية وسياسية تمارس “الابتزاز الروحي”. لقد تجلى هذا الفساد في أبشع صوره عبر “صكوك الغفران”، حيث تحولت الرحمة الإلهية إلى سلعة طبقية تُباع وتُشترى بناء على المسرحيات الدعائية التي كان يقودها أمثال “يوهان تتزل”، والتي أقنعت الناس بأن العملة حين ترن في الصندوق تقفز الروح من المطهر إلى الجنة.
أحدث لوثر انقلابا لاهوتيا عبر إعلانه مبدأ “التبرير بالإيمان وحده”، مؤكدا في أطروحاته الشهيرة أن التوبة القلبية الصادقة هي البديل الشرعي عن الوثائق الورقية، ناقلا الدين من المساحة العامة التي تسيطر عليها المؤسسة إلى المساحة الخاصة بالضمير الفردي. ولم يقف عند حدود التنظير، بل قام بخطوته العملية الأكثر ثورية وترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية العامية (1522)، كاسرا احتكار النخبة اللاتينية للفهم، ليعلن مبدأ “كهنوت الجميع” حيث أصبح كل مؤمن كاهن نفسه. ولم تتوقف أبعاد هذا الزلزال عند حدود الكنيسة، بل امتدت لتهز الحق الإلهي للملوك، وتحرر الاقتصادات الوطنية، وتصنع “أخلاق العمل البروتستانتية” التي أسست للحداثة الأوروبية.
ثانياً: الانسداد التاريخي في الفكر الإسلامي وصناعة “الدين الموازي”
إذا كان لوثر قد واجه كهنوتا صريحا يرتدي مسوح الرهبان، فإن الإصلاح في السياق الإسلامي يواجه تحديا أعقد يتمثل في “الكهنوت المقنع”؛ وهو الكهنوت الذي ينفي عن نفسه الصفة لفظاً ويمارسها فعلاً بفرض الوصاية على النص الإلهي، مما أنتج عبر القرون ما يمكن تسميته بـ “الدين الموازي” حيث تحجب الرواية البشرية الآية الإلهية.
ويتجلى هذا الانسداد في تقديم الروايات ظنية الثبوت على الآيات قطعية الصدور؛ فبينما يحدد القرآن عقوبة الزنا بمائة جلدة دون تفريق، جرى تعطيل النص لصالح روايات الآحاد لتشريع “رجم الزاني المحصن”. وكذا الأمر في قضية “قتل المرتد”، حيث اصطدم حديث “من بدل دينه فاقتلوه” (الذي قيل في سياق الخيانة العظمى زمن الحرب) مع المبادئ القرآنية المحكمة مثل “لا إكراه في الدين”. هذا الخلل ناتج عن “تأليه” الاجتهاد البشري والخلط بين “الفقه” كعملية عقلية زمنية وبين “الشريعة” الإلهية المتعالية، فضلا عن استخدام مفهوم “الإجماع” كأداة سياسية لإغلاق باب العقل وإسكات المعارضة، كما حدث تاريخياً في فتنة “خلق القرآن”.
ثالثا: مشروع علي الشرفاء واستعادة السيادة الإلهية
في مواجهة “بابوات التراث” وصكوك التكفير، يرفع المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي شعارا موازيا لشعار لوثر (Sola \; Scriptura)، وهو شعار “الخطاب الإلهي وحده”. ويمثل التمييز المنهجي بين “الخطاب الإلهي” الثابت والمنزه، وبين “الخطاب الديني” البشري المحكوم بالسياسة وأهواء الرواة، حجر الزاوية في مشروعه.
يقوم مشروع الشرفاء على “إعادة ترتيب الهرم التشريعي” بجعل القرآن هو “المهيمن” والمختبر الحقيقي للحقيقة. ويدعو إلى منهجية واضحة: عرض كل المرويات على كتاب الله، فما وافقه قُبل، وما ناقضه رُفض مهما بلغت صحة سنده، لأن صحة السند لا تبرر فساد المتن إذا اصطدم بالقيم الكلية كالعدل والرحمة. إنها دعوة لـ “التوحيد المعرفي” لتحطيم وثنية الرواية وتوحيد مصدر التلقي لإنقاذ الأمة من تيه الصراعات المذهبية، وأنسنة المقاصد ليتحول القرآن من كتاب طقوس جافة إلى “دستور حياة إنسانية” يرتكز على الحرية والمسؤولية الفردية والتعايش.

رابعا: فقه “الإنسان الكوني” وهندسة العقل الجديد
ينتقل الشرفاء بالخطاب الإسلامي من “فقه الانغلاق” الذي يقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، إلى “فلسفة الانفتاح الكوني” القائمة على جعل “الكرامة الإنسانية” أصلا تشريعيا أسمى؛ فالآدمية تسبق أي تصنيف عقدي مصداقا لقوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم”. وبذلك، يتم نزع سلاح الإكراه وتأسيس حرية الضمير، ليتحول الدين من هوية قتالية إلى قيم أخلاقية أساسها البر والقسط.
وفي سبيل هندسة عقل جديد، يطرح المشروع بيداغوجيا “التفكر” في مواجهة الحفظ الصم، ليكون الإيمان قناعة عقلية لا عدوى اجتماعية بالوراثة. كما يسعى لترسيخ سيكولوجية “الأمان الروحي” القائم على الحب والرحمة بدلا من ثقافة الترهيب والذنب، وبناء “المناعة الفكرية” التي تؤسس للمواطنة العالمية وتنظر للمرأة كشريكة كاملة في ميزان القرآن، وتحول المسلم إلى مواطن كوني يحمل رسالة إعمار لا غزو.
خامسا: أدوات الثورة المعرفية ومصير الإصلاح بين المشروعين
يكشف لنا التاريخ عن توازٍ مدهش في أدوات الانتشار؛ فبينما اعتمد لوثر على المطرقة كرمز علني، والمطبعة كـ “إنترنت القرن السادس عشر” لنشر كتيباته الشعبية باللغة العامية كاسرا احتكار الكنيسة، يستخدم الشرفاء أدوات العصر الرقمي بكفاءة: من الكتاب كبيان تأسيسي فكري، إلى الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية (كموقع رسالة السلام) ووسائل التواصل والفضائيات التي خلقت فضاءً عاماً تفاعلياً كسر “بوابة” المعرفة الحصرية.
لكن المفارقة تكمن في مسار التنزيل؛ فحركة لوثر اضطرت للتحالف مع السلطة السياسية وتحولت تدريجيا إلى مؤسسة بديلة (الكنيسة البروتستانتية) وضعت أرثوذكسيتها الخاصة، بل ووقفت ضد ثورة الفلاحين لحماية وجودها، ليصبح الإصلاح عندها بمثابة تقديم “وجهة جديدة” وخريطة بديلة. أما مشروع الشرفاء، فيتميز بقوة “اللا-مؤسسة”، إذ لا يطرح نفسه كمذهب جديد بل كـ “منهج تفكير” متاح للجميع؛ إنه يقدم للناس “بوصلة” (القرآن كمهيمن) لتصحيح مسارهم بأنفسهم دون استبدال سلطة فقهية بأخرى، متفادياً فخ التقديس المعاكس.
خاتمة: نحو ميثاق “الإنسان المستعاد”
إن معركة الإصلاح لم تكن يوماً بين نص صحيح ونص محرف، بل بين نص حي يخاطب الإنسان وسلطة ميتة تستخدم النص للاحتكار. وحين يسبق القانونُ الضمير تضيع الإنسانية، أما حين تسبق الأخلاقُ التشريع يستعيد الدين نبضه الأخلاقي.
يكشف لنا هذا الترحال الفكري أن الداء واحد وهو استلاب إرادة الإنسان باسم الله، وأن الدواء واحد وهو تحطيم الأوثان البشرية والعودة للنص المؤسس. ومن هنا، ننتهي إلى ضرورة إعلان ميثاق عالمي لـ “الإنسان المستعاد” يقوم على أركان ثلاثة: قدسية الحياة وتجريد العنف من الدين، سيادة الضمير وحرية الاعتقاد، وشمولية العدل والمساواة. ويبقى السؤال المصيري قائماً: هل يملك العقل العربي والإسلامي الشجاعة الكافية للهجرة من سجون المرويات إلى فضاء القرآن، ليكون الضمير هو المحراب، والعدل هو القبلة، والإنسانية هي الهوية الجامعة؟
