
صورة واحدة هزت قلوب كثير من البيوت. طفل صغير يجلس داخل منزله منهمر من البكاء يمسح دموعه بيده وأمامه كومة واجبات لا تنتهي. كلما حاول أن يبدأ شعر أن الوقت لا يكفي وأن التعب أكبر منه.
لم يعد البكاء سببه لعبة مكسورة أو حلوى يريد أن يشتريها. صار سببه الدراسة. أي طفولة هذه التي تبدأ بالدموع وتنتهي بالسهر؟ وأي تعليم هذا الذي يجعل الطفل يخاف من الكتاب بدل أن يحبه؟
نحن لا نريد أن نلغي التعليم. نحن فقط نريد أن نعيد للطفل حقه في أن يلعب وحقه في أن ينام وحقه في أن يعيش أيامه بلا خوف ولا ضغط. فإذا كان التعليم يسرق من الطفل ضحكته. فمن الأفضل أن نراجعه قبل أن نخسر أطفالنا.
- متى يضحك الطفل؟
لقد صار التعليم في المرحلة الإبتدائية عبئا يفوق الطاقة التي يحتملها جسد صغير وعقل ما زال في طور النمو. تحولت المناهج إلى كم هائل من المعلومات التي تكدس فوق بعضها دون أن تراعي الفارق بين عقل طفل في التاسعة وعقل بالغ قادر على الإستيعاب والتحليل. وصارت الواجبات اليومية أرقاماٌ لا تنتهي من الصفحات. وأصبحت التقييمات سباقاٌ لا يتوقف. حتى أصبح الطفل يقضي ليله بين الكراسة والقلم ثم يستيقظ في الصباح ليعيد الكرة من جديد. في وسط هذا الزحام ضاعت معاني كثيرة كان من المفترض أن يتعلمها الطفل قبل الحروف والأرقام. مثل معنى الراحة ومعنى اللعب ومعنى أن يكون له وقت يخصه وحده لا يشاركه فيه أحد.
- التعليم الحقيقي هو الذي ينمى العقل والفهم ويوقظ الفضول
إن التعليم الحقيقي لا يقاس بحجم الكتاب ولا بعدد الصفحات التي يحفظها الطالب. التعليم الحقيقي هو الذي ينمى العقل والفهم ويوقظ الفضول ويمنح الطفل أدوات التفكير لا أدوات الحفظ فقط. وعندما يتحول التعليم إلى ضغط نفسي مستمر فإن النتيجة لا تكون طالباٌ متفوقاٌ بل طفلاٌ مرهقاٌ يربط بين المدرسة والخوف. وبين التعليم والتعب. وبين البيت وواجب لا ينتهي. والأخطر من ذلك أن هذا الضغط لا يتوقف عند باب الفصل. بل يمتد إلى داخل الأسرة فيصبح البيت امتداداٌ للمدرسة. وتصبح الأم معلمة ثانية ويصبح وقت الأسرة كله مكرساٌ للمذاكرة حتى ينسى الجميع أن للطفل الحق في أن يلعب وأن ينام وأن يخطئ وأن يتعلم من خطئه.
- المستقبل لا يمكن أن يبنى على أطفال لا يملكون طاقة للإبداع
الطفل في هذه المرحلة العمرية يبني شخصيته ويشكل نظرته إلى نفسه والعالم من حوله. يحتاج إلى وقت فراغ يملؤه بالخيال. وإلى أنشطة رياضية وفنية تنمي جسده وفكره وإلى لحظات هدوء يفكر فيها دون أن يطالبه أحد بالإجابة فوراٌ. وعندما نحرم الطفل من ذلك كله بحجة التفوق والمنافسة والإستعداد للمستقبل. فإننا في الحقيقة نسرق منه الحاضر. وننسى أن المستقبل الذي نخطط له لا يمكن أن يبنى على أطفال مستنزفين لا يملكون طاقة للإبداع والتطور .
- الطفل يحتاج إلى وقت فراغ يملؤه بالخيال
ما نحتاجه اليوم ليس مزيداٌ من المناهج ولا مزيداٌ من التقييمات. بل نحتاج إلى مراجعة دقيقة تعيد للتعليم توازنه. مراجعة تبدأ من سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه.. هل ما نقدمه للطفل يناسب عمره وقدراته؟ هل نعطيه فرصة ليفهم قبل أن نطالبه بأن يحفظ؟ هل نترك له مساحة ليكون طفلاٌ قبل أن نطالبه بأن يكون طالباٌ مثالياٌ ليس من حقه أن يخطئ ويصيب؟ التعليم يجب أن يكون رحلة ممتعة لا سباقاٌ مرهقاٌ ويجب أن تكون المدرسة مكاناٌ ينتظره الطفل لا مكاناٌ لا يرغبه.
- الطفل الذي يبكي فوق كتبه يرسل رسالة “أننا أخطأنا الطريق”
صحة الأبناء النفسية ليست أمراٌ ثانوياٌ يمكن تأجيله إلى ما بعد الإمتحانات. هي الأساس الذي يقوم عليه كل تعليم وكل نجاح. الطفل السعيد القادر على النوم واللعب والضحك هو وحده القادر على أن يتعلم بحب وأن يبدع بصدق وأن ينفع نفسه ومجتمعه غداٌ. أما الطفل الذي يبكي فوق كتبه فهو يرسل لنا رسالة واضحة لا تحتاج إلى ترجمة معناها أننا قد أخطأنا الطريق.
آما آن الأوان أن نعيد للطفولة معناها. وأن نتذكر أن الغاية من التعليم ليست أطفال يحفظون. بل خروج إنسان سوي للمجتمع قادر على التفكير والعمل والعيش. وحين يعود للطفل حقه في أن يعيش طفولته عندها فقط يمكننا أن نقول إننا نربي جيلاٌ لا ينجح في الإختبارات فقط. بل ينجح في الحياة.







