

ليس أصعب من أن تكتب عن شخصية تاريخية مثيرة للجدل، إلا أن تمنحها الحياة وتعيدها إلى زمن لا يشبه زمنها، هذا ما فعله محمد وجيه في روايته، ولكنه اختار أكثر الشخصيات في التاريخ إثارة للجدل، فمعظم من يعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية يختار من لديه قابلية للترميم، ولكن هنا اختار الحجاج بن يوسف الثقفي رجل التاريخ الذي عُرف بأنه السجان الذي قمع الوعي بالسيف، ليعود في عصر الخوارزميات.
وجدير بالذكر أن على رأس من استخدم ذلك الأسلوب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في إحدى أهم أعماله “هكذا تكلم زرادشت” عندما أعاد زرادشت مؤسس الديانة الزرادشتية رمزيًا ليعبر عن أفكاره _ ليس للحديث عن ديانته_ وقد عاد من عزلته بعد عشر سنوات ليشارك البشر حكمته، وقد سبق لنيتشه أن طرح فكرة الوعي التاريخي المفرط الذي يشل الحياة، وهي الفكرة التي نجدها هنا صدى ضمنيًا يفرض نفسه على الرواية منذ أن فُتح قبر الحجاج لاستعادته، ولكنها شخصية أجرأ من التي اختارها نيتشه، ولم تعد مهزومة كبطله زرادشت الذي لم يفهمه تلاميذه، فلقد جاء الحجاج في عصر تجاوز عصره بقرون، كانت تيمة رواية نيتشه قائمة على المقاومة والفشل والغموض، ولكننا هنا بصدد تيمة قائمة على الحسم والنصر واليقين.
يفتتح الكاتب روايته بإهداء يهاجم من استلوا خناجر أقلامهم للطعن في الحجاج؛ فيتضح أن الرواية منحازة قبل أن تبدأ الحبكة، وتعلن صراحة أن الحجاج مظلوم تاريخيًا.
ولهذا قررت أن تكون قراءتي اليوم محاكمة أدبية؛ فرواية عن سجان يستحق أن تُقرأ من منصة المحكمة لا من كرسي الناقد وحده.
* الغلاف يشهد ضد نفسه
انهزام مبكر للغلاف أمام السيطرة الرقمية
بمجرد تأمل الرواية من الخارج نجد تفاصيل تضم صورة لدكتاتور من الماضي، بقوة وجبروت كرسيه، يستند على حد سيفه اللامع، وفي عينيه توهج التكنولوجيا وبريقها، ولكنه لم يتخل عن ملامح المحارب الجاد الحكيم، تتقابل معه علامات التكنولوجيا الحديثة، بالأسفل ووجوه الشباب المتراصة داخل أزرق تقني متوهج، تجعلنا أمام ثنائية هي أساس الرواية، السيف مقابل الخوارزمية.
وهنا نجد مفارقة بصرية بين الغلاف والمتن، فهو مصمم بمنطق تسويقي لفئة الفانتازيا التقنية التي تناسب العصر الحالي وتجذب القارئ الحديث، رغم أن الرواية في مجملها تخوض حربًا كاملة ضد خوارزميات الحاضر التي تنتج واقعًا مزيفًا دون أي توقيع بشري؛ فتبدأ محاولة الكاتب لاستعادة الحبر من قبضة السيطرة الرقمية بانهزام رمزي مبكر، فالغلاف نفسه الذي استسلم لتلك السيطرة بوصفه أداة تسويق.
* استجواب العنوان وانقلاب الأدوار في مرآة القيامة
من الفاعل ومن المفعول؟
في مراوغة من الكاتب جاء العنوان يحمل مفارقة لفظية وبلاغية، حيث لفظ قيامة يحمل في الوجدان دلالات البعث والحساب، واقترانه بالسجان يخلق صدمة شعورية مبكرة، فهل السجان هو الفاعل الذي يصنع أفعال القهر ويحكم طقوس السجن؟ أم هو المفعول الذي يقع عليه القيامة رغمًا عنه، وتقع عليه طائلة الحساب؟
العنوان به تكثيف للمشهد، وانسجام يحمل جرسًا موسيقيًا يتناسب مع طبيعة الصراع النفسي والدرامي داخل الرواية، ويطرح العديد من التساؤلات، فهل أقام السجان القيامة بإرادته ويستطيع الإفلات من قبضتها؟ وهل يتحول الجلاد إلى متلقٍ لنتاج أفعاله؟
* العناوين عتبات نصية أم شذرات فلسفية؟
نجد كل فصل يحمل عنوانًا فلسفيًا يكمله شذرة مكثفة بطابع شعري أحيانًا، منفصلين عن سرد الرواية، بحكمة ناضجة غامضة بالقدر الكافي الذي يسمح بتأويلات متعددة، لو جُمعت وقُرئت منفصلة لأعطت ملخصًا عميقًا لمحتوى الرواية وهدفها النفسي والفلسفي، وأصبح الكاتب مطالبًا بشرح ما كتبه في بضع فصول، وهذا ما حدث بالفعل.
*التحقيق في الهوية الأدبية للمتهم
حين ينهض السجان من قبر التاريخ؛ من الذي يملك مفاتيح السجن؟
من الصفحة الأولى للرواية تجد أنك تحتار في اختيار جنس روائي واحد تصف الرواية به، فهي في البداية تستدعي التاريخ، ثم تستثمر الخيال العلمي، وتتحرك في فضاء التشويق والإثارة والصراع السياسي الدولي، بشكل يحمل من الفانتازيا ما يجعلها تقترب إلى عقل القارئ المحب لهذا النوع وما أكثرهم هذه الأيام، وتجعل من المعلومات العلمية والتكنولوجية شكلًا مبسطًا في سياق الدراما.
*مرافعة الدفاع الأولى
من يملك الحقيقة ومن يملك حق صياغتها؟
الفائز في الماضي هو من كتب التاريخ، وكل تاريخ عدّله وشكّل محتواه من يملك قدرة وحق تشكيله وتحويره، حقيقة لا يمكننا إنكارها وقد عاصرناها بأنفسنا في أعوام ماضية اختلطت فيها الحق بالباطل، وهنا يطرح الكاتب سؤاله الضمني، ما المانع أن يكون الحجاج قد ظُلم؟ وما الدليل أنه ظالم؟
ومن هذا المنطلق انطلق الحجاج الذي عاد من الماضي محملًا بإرث شديد التعقيد، ليقرأ تاريخه بنفسه داخل الكتب ويندهش من صورته التي استقرت فيها، وبدأ في مواجهة مع عالم اختلف عن عالمه؛ ليكتشف أن أشكال القمع القديمة لم تختفِ وإنما تبدلت أدواتها، ومنذ تلك اللحظة أصبح الحجاج جزءًا من بناء تخيلي يحاول تصليح حاضر ليس له، بتكنولوجيا لا يعرف عنها شيئًا، ويتحول إلى حامل لأفكار الكاتب، وكلما تقدمت الأحداث أصبح أكثر فأكثر القائد الذي يمتلك الإجابات والحسم والقدرة على المواجهة، في مقصد رمزي استطاع الكاتب أن يُبقي على ازدواجية الحجاج التاريخي والحجاج المتخيل حاضرة معًا، وأصبح الدفاع عن صورته في هيئة تصحيح الواقع وإعادته لأصله.
* الشهود على منصة الإدلاء
بين القوة القديمة والقوة الحديثة
اجتمعت شخصيات الرواية بين قوتين لا تتصارعان، الحجاج بما يملك من خبرة عسكرية وسياسية واستراتيجية، ويوسف الذي استحضره من الماضي وما يملكه من تكنولوجيا ومعرفة بخوارزميات العصر الحديث، لتكون الرواية نتاج تزاوج سيف الماضي وقوته والمفتاح الرقمي.
جاءت شخصيات الرواية الثانوية والمساعدة بفكرها وعلمها للبطل الأساسي في الرواية بلا مساحة إنسانية مقصودة تخدم الفكرة، ويوسف الذي بدأ الخطة، وتحولت الشخصيات إلى منظومة متكاملة لمواجهة الخصم المعلوم المجهول، كان صوت الحجاج هو الشخصية الوحيدة التي لها صوت مميز، يتحكم في الأحداث بنبرته الخطابية الواضحة، ويشكل حوارات الأبطال وطبيعة تحركاتهم، فجاء الحوار بلغة فصيحة تراثية مهجنة بمصطلحات رقمية معاصرة.
* مرافعة الدفاع الثانية حول اللغة والبلاغة
فخامة الحجاج أم عبء الفصحى المنسية؟
اختيار مفردات فخمة رصينة جاء متسقًا ومقصودًا مع الشخصية التاريخية التي عادت من عصر مختلف المفردات، فكانت لغة ملحمية، خطابية، عالية النبرة، مناسبة لطبيعة الرواية وفكرتها وحرب البعث والخلود، حملت صورًا جميلة وخاصة مع تزاوج المعجم القديم بالمعاصر وتقنياته، في تكوينات نادرًا ما نجدها في روايات الفانتازيا، ولكنها كانت دائمًا مرتفعة النبرة، مما جعل الشخصيات رموزًا تشكلت مع فائض القوة الخطابية والبلاغية، وتُحسب للكاتب براعته في توظيف الأدوات البلاغية التقليدية كالسجع المتوازن والطباق، كأداة بناء للجملة لا كزخرفة عابرة، وهي مهارة نادرة لا يمتلكها الكثير.
تميزت الرواية بتشكيل كامل مناسب متقن وملفت، فمعظم الروائيين المعاصرين لا يشكلون النثر إطلاقًا، لكننا هنا بصدد كاتب روائي هو شاعر في الأساس، معتاد على ضبط كل مقطع صوتي، يخشى أن يُقرأ نصه بوزن خاطئ، فكانت بصمة مميزة ملفتة للانتباه، ولا نندهش عندما نعلم أن الكاتب هو المدقق والمراجع الوحيد لروايته.
كما هو الملفت كثرة استخدامه للتناص القرآني وخاصة في الجمل الخطابية، كمحرك للجملة لا فقط للمشاهد التاريخية، وهذا يثري البلاغة بلا شك ويزيدها ثقلا.
* لائحة اتهام الحبكة وزيف الميتاسرد
معارك متتالية في حبكة تتبنى “نظرية المؤامرة”
عبر ثلاثين فصلًا متتابعة، اتخذت نمطًا محددًا، تهديد تقني، تفسير علمي، تشفير مطول، خطاب تحريضي، مواجهة تُحسم بحل تقني، يناسب أفلام الخيال العلمي لهوليود، التي تتبنى كشف الحقيقة وتغيير الواقع والعودة به إلى ما كان عليه قبل التكنولوجيا الرقمية ومستحدثات العصر، مما يجعل الرواية تقترب أيضًا من روايات دكتور أحمد خالد توفيق، وقد غُذيت بمفردات علمية وتقنيات مكثفة، وأحيانًا إغراق معلوماتي واضح، بجانب المغامرة الشعبية في الدفاع عن الحق.
غير أن استبدال السرد التاريخي المضلل تدريجيًا بسرد صحيح يكتبه الكاتب كيقين مؤكد يُبعد النص عن جوهر الميتاسرد الحقيقي الذي يفترض مساءلة أي سرد تاريخي، ليستقر بدلًا من ذلك على استبدال يقين بيقين آخر لا محل للشك فيه.
* النطق بالحكم
بين قيامة السجان وقيامة الوعي
تفردت الرواية في محاولة توحيد ثلاث لغات لا تلتقي عادة في اللغة المعاصرة، فهنا نجد لغة الحكمة الصوفية، ولغة الخطابة الدينية الكلاسيكية ذات السجع القرآني الواضح، واللغة التقنية الرقمية المعاصرة، وهي محاولة جريئة من كاتب ذي فكر واضح.
فرواية قيامة السجان رواية لا تكتفي باستدعاء شخصية تاريخية ولكنها تستدعي أسئلة بين الماضي والحاضر، هل تغيرت أدوات السيطرة أم تغير شكل السجن فقط، ما وجه الشبه بين الدم والحبر، والسيف والكلمة؟
وعندما نصل إلى محتويات الرواية “الفهرس” الذي رفض الكاتب كتابته بلغة معربة، ستجد في العناوين تدرجًا وتصاعدًا واضحًا للفكرة في عالمها داخل المتن حتى تصل إلى النهاية وهي
قيامة الوعي
وندرك أخيرًا أن القيامة التي أرادها الكاتب لم تكن قيامة رجل من قبره بقدر ما كانت محاولة لإيقاظ الإنسان من سجن اعتقد على مر العصور أنه حياة، غير أن السجان الذي أراد إيقاظ الوعي، لم يجرؤ على إيقاظ القارئ من يقينه هو، فبقيت القيامة نصف مكتملة، بعثًا بلا حساب.
رفعت الجلسة








