
دكتورة / مريم حنا
استشاري نظم زراعية
نحن أبناء البحث العلمي، ونعرف جيدًا أن الإدارة الناجحة لا تُبنى بالصدفة، بل تُبنى على أسس علمية ومعايير واضحة. لذلك نأمل أن يستمع المسؤولون في وزارة الزراعة إلى رأي الباحثين والمتخصصين، لأننا لا ننتقد من أجل النقد، وإنما نسعى إلى تطوير مؤسسة تمثل أحد أهم قطاعات الدولة، وهي وزارة الزراعة.
تعيين وكلاء وزارة الزراعة في المحافظات ليس إجراءً إداريًا عاديًا، بل هو قرار ينعكس بشكل مباشر على ملايين المزارعين، وعلى الإنتاج الزراعي، والإرشاد الزراعي، وتنفيذ خطط الدولة لتحقيق الأمن الغذائي. ومن هنا، فإن اختيار القيادات يجب أن يكون قائمًا على الكفاءة والإنجاز، لا على مجرد الترشيحات أو الأقدمية أو العلاقات الشخصية.
إن منصب وكيل الوزارة يحتاج إلى شخصية قيادية تمتلك رؤية واضحة، وسجلًا حقيقيًا من الإنجازات، وقدرة على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات، والتواصل مع الباحثين والمزارعين، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات عملية داخل الحقول. أما إذا كان الاختيار يتم دون النظر إلى هذه المعايير، فإن النتيجة ستكون استمرار المشكلات نفسها، وتراجع الأداء، وفقدان الثقة في قدرة المؤسسات على التطوير.
للأسف، يرى كثير من العاملين والمتابعين للقطاع الزراعي أن بعض القيادات التنفيذية لا تملك سجلًا واضحًا من الإنجازات التي تؤهلها لتولي مسؤوليات أكبر. فالمنصب القيادي لا ينبغي أن يكون مكافأة، وإنما مسؤولية تتطلب إثباتًا عمليًا للكفاءة. ومن حق المجتمع أن يتساءل: ما الإنجازات التي قدمها المرشح قبل أن يتولى هذا المنصب؟ وما خطته للنهوض بالقطاع الزراعي في محافظته؟
وفي الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى دعم الابتكار والتحول الرقمي وزيادة الإنتاج الزراعي، يصبح من الضروري أن تكون القيادات التنفيذية قادرة على مواكبة هذه الرؤية، وأن تكون مؤمنة بالبحث العلمي، ومتعاونة مع الجامعات ومراكز البحوث، وقادرة على استثمار الخبرات العلمية الموجودة في مصر.
كما أن عملية الاختيار ينبغي أن تكون أكثر شفافية، من خلال إعلان معايير واضحة للجميع، مثل الكفاءة الإدارية، والإنجازات الموثقة، والقدرة على القيادة، والخبرة الميدانية، والنزاهة، والقدرة على إدارة فرق العمل، وتقديم خطة تطوير قابلة للتنفيذ. وعندما تكون المعايير معلنة، يصبح الجميع على ثقة بأن الاختيار تم على أساس الاستحقاق.
إن القطاع الزراعي يواجه تحديات كبيرة؛ من ندرة المياه، والتغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وانتشار بعض الأمراض النباتية، وكل ذلك يتطلب قيادات تمتلك فكرًا جديدًا، وليس مجرد إدارة تقليدية للأعمال اليومية.
لسنا ضد أشخاص بعينهم، وإنما مع مبدأ التجديد وضخ دماء جديدة في المواقع القيادية. فكل مؤسسة تحتاج إلى تقييم دوري لقياداتها، ومن حق الدولة أن تستفيد من الكفاءات القادرة على تقديم أفكار مبتكرة وتحقيق نتائج ملموسة.
إن وزير الزراعة أمامه فرصة حقيقية لإرساء نموذج جديد في اختيار القيادات، يعتمد على الكفاءة والإنجاز والشفافية. وإذا تحقق ذلك، فسوف ينعكس أثره على المزارع والباحث والاقتصاد الوطني بأكمله.
ختامًا، فإن صوت الباحثين يجب أن يكون حاضرًا في صناعة القرار، لأن البحث العلمي ليس رفاهية، بل هو الطريق الحقيقي للتنمية. وكلما كانت معايير اختيار القيادات أكثر عدالة وموضوعية، كانت مؤسساتنا أكثر قدرة على تحقيق أهدافها وخدمة الوطن والمزارع المصري.
إذا أردتِ أن يكون المقال أكثر جرأة أو موجَّهًا مباشرةً إلى وزير الزراعة بصيغة “رسالة مفتوحة”، أستطيع إعادة صياغته بهذا الأسلوب مع الحفاظ على اللغة المهنية.
