
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@yahoo.com
مجرد مقدمة
*********
عندما أكتب عن ثورة يونيو الآن أو لو امتد العمر لسنة أخرى أو سنوات فأنا أكتب عن عظمة هذه الثورة التي أطاحت بمرسي ومن حوله الذين كانوا على بعد خطى من الخروج بمصر عن الحياة وإدخالها في متاهات تشوه تاريخها وماضيها وحاضرها؛ لكن لن يخرجني هذا عن أن الأخطاء التي حدثت وتحدث الآن وخاصة التي مست بشدة الطبقات المتوسطة والفقيرة وأخذتها إلى معيشة أقل ما يقال عنها أنها معيشة صعبة بكل المقاييس .
******************************
من تعاليم السيد المسيح له المجد،” ليس أحد يضع رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق وإلا فالملء الجديد يأخذ من العتيق فيصير الخرق أردأ “.
المعنى أو التفسير واضح كل الوضوح ، القديم له وضعه بحكم الزمن سواء كان هذا الوضع ذهب به إلى ألأسوأ ، او ذهب به إلى الأفضل ،الكثير من الأشياء بمرور الزمن أو بمضي الوقت كلما مر عليها الوقت تتحول إلى الأفضل والعكس صحيح يمكن أن تتحول إلى الأسوأ أو إلى الوضع الغير لائق ولذا اختار السيد المسيح مثله على الثوب أو القماش أو النسيج لأنه من المعروف أن الأنسجة بمرور الزمن تُبلى مهما حاولنا الحفاظ عليها ولذا من الصعب أن ترتق ثوباً قديماً بقطعة من قماش جديد وإلا سيزداد الثوب سوءاً ، مثال قد يكون تقريبي لما أود أن اتحدث عنه في هذه الفترة وهي فترة التحول الجذري منذ ثورة 30 يونيو وحتى الآن بالرغم من مرور سنوات تعتبر كثيرة ، نعم إذا أردنا التعبير الصادق يجب أن لا نخرج عن منطوق التحول الجذري أو التغيير من الأساس وإلا فلا داع لأن نستمر في قول التحول إلى ” مصر الجديدة ” ، وهي في الحقيقة ليست مقولة لكنها أمل تحول إلى جملة موسيقية في أفواه الجميع وأقصد جميع أولادها الذين يعشقونها ويغارون عليها ويريدون عزفها كمقطوعة موسيقية كاملة أو ثوب جديد تاقت نفوسهم ويودون أن يروا مصر تكتسي به مصر في الفترة القادمة لأنها وأقولها بمنتهى الأريحية بالرغم من مرور سنوات طويلة على ثورة 30 يونيو لم تخلع حتى الآن الثوب القديم، الحديث هنا ليس عن حضارتنا القديمة التي هي العطر الذي كلما تعتق زادت قوته ورائحته الجميلة لكن الحديث عن الثوب القديم البالي على جسد الوطن الذي لم ترتدي سواه طوال فترات الحكم الجائر الذي قسا عليها وعلى ابنائها قسوة ليست بالهينة، لن أحدد فترة زمنية أو كيف أو متى كان هذا الحكم الجائر فقد تحدثنا وتحدث غيرنا لدرجة وصلت إلى حد يطلق عليه ثرثرة ولا نحتاج إلى المزيد ويكفينا أن نقول ” عفا الله عما سلف ” ولنبدأ بدءاً حسناً من جديد ” . أعتقد أن هذه المقدمة قد توصلنا إلى حد ما إلى المفهوم أو المقصود بالثوب العتيق والرقعة الجديدة ، فالثوب العتيق الذي كانت تكتسي به مصر لا تخلو بقعة منه من السلبيات التي يصل التعبير عنها إلى القول بأنها سلبيات ممزقة ومميتة ولا يمكن استخدام الرتق فيها لأن الثوب كله سيتهلهل ومن يرضى لمحبوبته أن تتعرى ؟!! ، إن كل واحد من احبائها على استعداد أن يخلع عنه ثوبه ليسترها لكنها لن ترضى لأحد من أولادها أن يتعرى وتطلب ثوباً جديداً من العمل الإيجابي ككسوة تليق بها وبمكانتها ، الثوب الجديد من الإيجابيات هو الذي يضمن سترها بعد أن تهرأ ثوب السلبيات ولا يقبل أي رتق به يكون من شأنه كما قلت إزدياد الأمر سوءاً ويكفي ما وصلت إليه الأمور من سوء ولم تعد تتحمل المزيد ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نقول ” قدر الله ولطف ” فإذا كان قدر مصر وشعبها أن تواجه ويواجه هذا الكم الهائل من سوء الإدارة لأجيال وأجيال بل أخيراً تعدى إلى سوء الإدارة والخيانة معاً من خونة كانوا على وشك بيعها بشعبها إلا أننا نحمد الله على لطفه وألا نتهاون أمام هذا اللطف الإلهي الذي أعاد لنا مصر ومعها رجال على استعداد للتضحية بأرواحهم من أجلها ، وأن يضع كل واحد أمام عينيه السلبيات والإيجابيات ، يضع أمام عين السلبيات وما فعلته بمصر وهذا الثوب البالي وأمام الأخرى الإيجابيات وكيف ستصلح ما أفسده الزمان وتصل بها إلى مكانتها التي يجب أن تكون عليها كرائدة للشرق بصفة عامة وللدول العربية بصفة خاصة ، مصر الجديدة وثوبها القشيب . قد لا يتفهم البعض أو لا يعي المعنى المضبوط لكلمة ” السلبيات ” أو لكلمة ” الإيجابيات ” بالرغم من أنها تلعب دوراً كبيراً على كافة المستويات واعتباراً من الخلية الأولى للمجتمع وهي الأسرة ، كم من الأسر عانت من القصور في توجيه أبسط الأمور في حياتها وحياة أولادها وكثيراً ما وصلت إلى الفشل في ناحية محددة أو قد يمتد القصور إلى جميع الإتجاهات والوصول إلى الفشل التام مما يكون له أكبر الأثر على حياة هذه الأسرة وأولادها ، ولو بحثنا عن السبب الرئيسي في هذا القصور سنجد إصابة عائلها بالسلبية في مواجهة أي موقف أو مشكلة وعدم اتخاذ الإيجابية كعلاج ، خلية صغيرة في المجتمع تصاب بالفشل نتيجة السلبية ، فماذا سيكون الأمر لو أصبحت السلبية أو السلبيات الوباء الذي يسيطر على الدولة أو المجتمع بأكمله ودون نقاش ، النتيجة معروفة ولمسناها بل عايشناها بل وقعنا في جبها وكبلتنا قيودها ولن نرى النور أو نكسر هذه القيود إلا بالانتصار عليها بسلاح الإيجابية القهار . بالتأكيد لن أستطيع أن افرد في الحديث عن السلبيات التي تراكمت حتى شكلت جبلاً أمام أي محاولة للإيجابيات لأن هذه السلبيات عششت على كل مناح الدولة والشعب أيضاً وفي كل الدواوين والسلوكيات حتى تحولت إلى نوع من اللامبالاة الثقيلة وأصبح التعامل معها كتعامل غائب الوعي بفعل أي نوع من المخدرات مع الطريق الذي تاه عن أقدامه وبالمنطق البديهي لن يصل إلا إذا أتته الصحوة بأي طريقة وهذا هو لب الموضوع الصحوة التي أتت إلينا وكأنها منحة من عند الله لترشدنا إلى الطريق المضبوط وتفتح أمام أعيننا أبواب الإيجابيات في اتخاذ الحلول لأي مشكلة بدلاً من النظر إليها من باب السلبيات الضيق فنظن أن لا حل لها ونقف أمامها فاغري الأفواه مكتوفي الأيدي .
الكف الواحدة لا تصفق.
***************
الكف الواحدة لا تصفق ، تضرب الهواء فقط ، هذا كل ما يمكنها فعله ، الكفان يمكن أن يصفقا ، مجرد تصفيقة ، مصر لا يكفيها مجرد تصفيقة مهما كان المصفق ، لا تكفيها تصفيقه رئيس ، ولا رئيس وزراء ، ولا وزير ، ولا محافظ ، ولا مجلس الشعب ، ولا مجلس الشيوخ ، مصر لكي تنهض تحتاج إلى تصفيق الجميع شعباً وجيشاً وقادة ورؤساء ، لا يتخلف أحد ولا تتراخى كف ، تراخي الأكُف عن التصفيق معناه إننا لا نزال نغط في نوم السلبيات كما كنا وإننا لم نعرف بعد كيف ننقل أقدامنا على الطريق السليم كطفل تتعثر خطواته ويمكن أن ينكفيء في أي لحظة ، تصفيق الإيدي المجتمعة أو التراخي هو الذي سيحدد النجاح في الفترة القادمة أو الوقوف في مكاننا أو العودة إلى ما هو أشر من سلبيات الماضي التي لو تحدثنا عنها بالتفصيل لما أسعفنا الوقت ولا الصفحات ، سلبيات تحمل مبدأ أنا ومن بعدي الطوفان حتى لو غرق الوطن بما فيه ومن عليه ، وكما يقول الإيمان الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله ، يمكن أن نقول في هذا السياق ” الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم الالتفات والانتماء إلى وطنهم ” ، قد نكون جميعاً وقعنا تحت طائلة عدم وجود القدوة الحسنة التي تقود الوطن فانكمش كل واحد أو مجموعة على نفسها مفضلة السلبية على الإيجابية من مبدأ الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح ، نعم كل فئات المجتمع تحولت إلى السلبية المطلقة بدءاً من رجال الأعمال وقد أصبح لا هم لهم سوى المزيد من الربح وطمع الغرق في بحر الثراء دون أن يوفوا الوطن حقه من الضرائب والهرب من تأديتها بشتى وسائل المراوغة والتهرب وحتى الموظف الذي يذهب إلى العمل وفي نيته ألا يعمل متخذاً من مقعده في المكتب الحكومي وسيلة للراحة وشعاره في ذلك ” على قد فلوسهم ” ، وما بين رجل الأعمال المتهرب من تسديد ديونه والموظف الحكومي المتهرب من واجبه ، سنجد الضمير الغائب الذي يستبيح الرشوة والسلوكيات المريضة التي ترى في عرض الطريق وعاء للقمامة لتتحول الشوارع إلى تكدسات من القمامة ثم يتحدثون عن النظافة وهكذا عدد كما تشاء من أنواع من السلبيات والسلوكيات التي تعاني من أوبئة وليس أمراض . السلبيات قاتلة ولا غبار على قولي لأنها قتلت الإيجابيات ومزقت كل شرايين الأمل في النهوض بالمجتمع والدولة التي نستظل بسمائها ، حتى القلائل الذين حاولوا الصمود أمام جبروتها وصقيع اللامبالاة فشلوا وأصبحوا كمن ينفخ في قربة مثقوبة فتواروا وجلسوا في الظل . أعتقد الآن يجب أن تُبطل جميع حجج الجنوح إلى السلبية وقد هل علينا الفجر الجديد وبزغ نور الأمل وأصبح الجميع يتوقون إلى مستقبل أفضل لهم ولأولادهم ولأحفادهم ، في ظل وطن يحكمه قادة أقسموا أن يكون الوطن والشعب هو همهم الأول والأخير ، في ظل دستور جديد يعطي لكل ذي حق حقه في دولة مدنية تسير نحو الديمقراطية بخطوات واثقة ، يجب أن ينظر الجميع بنظرة إيجابية نحو كل شيء كبر أو صغر وألا يستهان بأي شيء فبأي منطق أو وجه حُرم من الحياء أصبح البعض يرون أمام أعينهم الاعتداء والتحرش على السيدات والفتيات وهم واقفون ينظرون بتبلد وكأنهم يشاهدون فيلماً سينمائياً يغرفون منه بكل حواسهم المناظر الافتراسية لحيوانات البشر الذين ضاعت رجولتهم ، أين ذهبت نخوة المصري ، كيف حولته السلبية في معالجة كل الأمور إلى مجرد خيال أمام الدفاع عن الشرف لأم أو اخت أو بنت أو زوجة ، أنفي وبشدة أن يكون تحت بند الجبن ، أبداً لم نكن جبناء ، لكن استسغنا نكهة السلبية وطعمها المقزز ، انهض أيها الشعب وقل للسلبية وداعاً واستقبل الإيجابية بصدر مفتوح للعهد الجديد أو مصر الجديدة
التفاهات لا تصنع مستقبلاً.
*****************
إذا كان الطريق نحو المستقبل أطلقنا عليه ” خارطة المستقبل “، هل يا ترى بعد أن اعتمدنا وتوكلنا على الله واتخذنا خطوات نحو هذا المستقبل سنفسح مكاناً للتفاهات التي أصبحت سمة من السمات البارزة لتسير معنا ونتعامل معها وكأنها من الأبجديات ، وهل التفاهات يمكن أن تصنع مستقبلاً . من مقولة قد تبدو مضحكة عن التفاهة قد أكون ذكرتها في إحدى المقالات سابقاً ” ذهب الولد لأبيه يسأله أن يعلمه التفاهة فأجابه الأب قائلاً : شيء سهل تعالى في التافهة واتصدر وستصبح تافهاً بدرجة امتياز ” . بالتأكيد ونحن نتحدث عن السلبيات والإيجابيات والطريق نحو المستقبل أن نذكر كل موبقة كانت سبباً في الانهيار العظيم لكل المقومات في الفترة السابقة طالت أو قصرت لكنها أصبحت سمة في معظم السلوكيات وقد تكون من الجميع وعلى رأسها الإعلام ، مواضيع قد لا يكون لها أساس ومجرد إشاعات ، أو حادثة أو حوادث تافهة ويمكن أن تمر مرور الكرام ولا تترك أثراً حتى لو كان واهياً ، ثم نفاجأ بانها احتلت الأذهان وينبري لها الإعلام وفي لمح البصر تتضخم كالجبل ويتحول الحديث عنها كآية في الديانات أو كحقيقة يمكن أت تؤدي لكارثة والأغرب أنها كما خرجت في لمح البصر نجد أنها تختفي كلمح البصر أيضاً مخلفة وراءها كم هائل من البلبلة وعلامات الاستفهام التي قد تطير بالوسائل الحديثة إلى الخارج وتتحول إلى حدث وحديث في وقت نعلم فيه جميعاً أن هناك من يتربص لالتقاط أي شيء حتى لو كان تافهاً ليصنع من الحبة قبة كما يقولون بغرض الإثارة وتشويه جمال ما بعد 30 يونيه بمنطق عابوا على الورد لأنه أحمر الخدين ، حقيقة وكما قلنا لو عددنا السلبيات لن نجد متسعاً من الوقت أو الصفحات أيضاً لو عددنا مدى ما وصلت إليه الموضوعات التافهة في الفترة السابقة وللأسف حتى الآن التي لعبت دوراً وتأثيرات سيئة أيضاً لن يكفينا الوقت أو متسع الصفحات ، ومن على منبر الأمل في المستقبل وما نرجوه لمصر المستقبل الأفضل للأحفاد ننادي على كل فرد في المجتمع تفاعلوا مع الإيجابيات ولا تتجمدوا مع السلبيات ، تخلوا عن تفاهات القول والفعل حتى نُبكم تطاول الألسنة تماماً ، ما أحوجنا لبداية جديدة مشرقة تشمل جميع الجوانب والوجوه حتى نقول بكل جدارة ” أرفع رأسك فأنت مصري
