
بقلم دكتورة / مريم المهدي
لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، في كل المجالات ، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام ، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم ، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه ، أو يتخاطف جهده ، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب الغنائم الباردة.
فقد تابعنا مؤخراً ، حكماً قضائياً نادراً في العالم العربي حصل في مصر هذه الأيام حيث استدلت محكمة النقض المصرية الستار على قضية شغلت الأوساط الثقافية والقانونية برفضها الطعون المقدمة من وزيرة الثقافة جيهان ذكي ,لتؤكد بذلك ان الحكم الصادر ضدها من المحكمة الاقتصادية في دعوي التعدي علي الملكية الفكرية , وتعود تفاصيل القضية الي اتهام موجه من الكاتبة الصحافية والروائية سهير عبد الحميد التي أقامت دعوى ضد الدكتورة جيهان زكي اتهمتها فيها بنقل أجزاء كاملة من كتابها البحثي «اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر» في كتاب صدر للدكتورة جيهان زكي بعنوان «كوكو شانيل وقوت القلوب… ضفائر التكوين والتخوين»، وذكرت سهير عبد الحميد في دعواها وعبر أحاديث صحافية أن نسبة النقل من كتابها تصل إلى 50 في المائة، وقالت إن الدكتورة جيهان زكي ذكرت اسمها مرتين في المراجع، و«لكن هذا لا يعطيها الحق في نقل أجزاء كاملة من كتابي»، وأشارت إلى أن «اللجنة التي شكلتها المحكمة أثبتت وقوع اعتداء على حقوق الملكية الفكرية لكتابي، ولم تكتف المحكمة بالحكم بحذف الأجزاء المقتبسة، بل قضت بإعدام كتاب الدكتورة جيهان زكي وتغريمها 100 ألف جنيه.
وقضى حكم النقض المؤيد للحكم السابق بإلزام وزيرة الثقافة بدفع تعويض 100 ألف جنيه لصالح الكاتبة المدعية، بالإضافة إلى سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق، وعدم إتاحته للبيع أو التداول، بعدما أثبت تقرير اللجنة الثلاثية لخبراء الملكية الفكرية وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة تطمس الحدود بين العملين، وتنال من الطابع الإبداعي للمصنف الأصلي وأثار الحكم القضائي جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي بمصر، وأثار اختيار الدكتورة جيهان زكي، عضو مجلس النواب وأستاذة الحضارة المصرية القديمة والباحثة في مركز البحوث العلمية بجامعة السوربون في فرنسا، لمنصب وزير الثقافة جدلاً في حينه، نظراً لوجود قضية متداولة صدر فيها حكم ضدها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكتاب المذكور.
بالرغم من أنه من قواعد الترشح لمجلس النواب ألا يكون هناك حكم باتّ على المرشح، ولو كانت القضية متداولة لا يؤخذ بها، موضحاً أن الوزيرة كانت عضواً في مجلس النواب بلجنة الثقافة ولها التقدير،«من المفترض أن تقدم الحكومة اختيارات بلا شوائب، لأنها تخاطب الرأي العام، ومن قواعد الثقة احترام القانون وأحكام القضاء؛ لذلك كنت أتمنى من الوزيرة أن ترفع الحرج عن الحكومة وتستقيل، لتفادي الجدل واللغط حول موقعها». وبالفعل فقد تقدمت الوزيرة باستقالتها وتم قبولها.
* قيمة هذا الحكم القضائي وكيف نحمي الملكية الفكرية للمبدعين ؟ :
قيمة هذا الحكم أنه لم يلتفت لكون الحكم ضدّ وزيرة، وليس أي وزيرة، بل وزيرة ثقافة، وقيمته أيضاً في مغزى الرسالة الراقية التي ينشرها بين مجتمع الإبداع. السؤال الآن، كيف يمكن حماية المبدعين، من روائيين ومؤرخين وباحثين في القضايا الاجتماعية والفكرية، من لصوص السوشيال ميديا ؟! حيث كمثال تجد شخصاً سطحياً زاعق الصوت أو ناعم الملمس، على قناته في «يوتيوب» أو «تيك توك» أو «سناب» أو «إكس» أو «فيسبوك»، يحاضر على الناس، ويقول… ويقول ، وهو مجرد «حرامي» سرق جهد غيره ، من دون أدنى إشارة له أو قطرة من حياء.
بينما يمكن رصد كتاب أو فيلم أو أغنية مسروقة، فهذه منتجات تحت سقف مؤسسات معروفة، مثل وزارات الإعلام أو الثقافة أو مجالس الفنون والتراث، لكن كيف يمكن محاصرة ومحاسبة «حرامية» السوشيال ميديا، الذين يكسبون من وراء هذه اللصوصية مالاً وتقديراً حتى من بعض الجهات الرسمية أحياناً , كما ان السطوعلى إبداعات وكتابات ومؤلفات الآخرين، ليست ظاهرة حديثة بل قديمة، و الدكتور رشيد الخيون الباحث المتمكّن له كتابٌ رائع في عنوانه ومضمونه حول هذه المشكلة، اسمه «لصوص الأموال والنصوص – في التراث العربي الإسلامي»
من هنا حتما يجب أن تبتعد مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الحكومة عن الشبهات والأقاويل التي توجه رسائل سلبية للمواطن وفقد الثقة لمن يفترض فيهم أنهم قدوة ، : فهناك جهات تمر عليها الأسماء المرشحة لمناصب، ولو كانت هناك خصومة بين المرشح للمنصب وشخص آخر، أنأى بنفسي كجهة اختيار بحيث لا أسمح للشخص محل الاختيار بأن يستقوي على خصمه، ويجب مراجعة المعايير الحقيقية التي يتم من خلالها اختيار المسؤولين، خصوصاً الوزراء المسؤلين عن حماية ورعاية المواطن كل في موقعه ومجاله ، وأن يتم الاختيار بطرق شفافة لسد الأبواب التي قد ينفذ منها البعض للتشكيك في مؤسسات الدولة.

* ماهي الملكية الفكرية ؟
تشير الملكية الفكرية إلى إبداعات العقل البشري مثل الاختراعات والمصنفات الأدبية والفنية , والتصميمات والشعارات والعلامات التجارية والصناعية والأسماء المستخدمة في التجارة وهي لها قانون وحقوق قانونية تمنح المبدع سلطة التحكم في استخدام أعماله، وتكفل له عوائد مادية وأدبية نظير جهده.
1. حقوق المؤلف (حقوق النشر)
تحمي هذه الحقوق المصنفات الأدبية والفنية مثل الكتب، والموسيقى، والأفلام، والبرمجيات، واللوحات الفنية. وتضمن لصاحبها الحق في منع الآخرين من نسخ أو استخدام عمله دون إذن
2- الملكية الصناعية
تهدف إلى حماية الابتكارات التي تخدم قطاعي الصناعة والتجارة وتشمل براءات الاختراع: تحمي المنتجات أو العمليات التقنية الجديدة وتقدم لها حلولاً مبتكرة
العلامات التجارية: تحمي الشعارات، أو الأسماء، أو الرموز التي تميز سلع أو خدمات شركة عن غيرها في السوق
الأسرار التجارية: تحمي المعلومات السرية ذات القيمة التجارية (مثل الوصفات أو استراتيجيات العمل
أهمية الملكية الفكرية
تساهم قوانين وأنظمة الملكية الفكرية في إرساء توازن بين مصالح المبتكرين والمصلحة العامة، مما يشجع على الابتكار وخلق بيئة ملائمة لازدهار الأعمال الإبداعية والصناعية والاقتصادية
الاطار القانوني الأساسي والفعلي لحماية الملكية الفكرية في مصر هو القانون رقم 82 لسنة 2002 . ويُنظم هذا القانون كافة حقوق المبدعين ويغطي الملكية الفكرية من خلال أربعة كتب رئيسية:
الكتاب الأول: ينظم حقوق المؤلف والحقوق المجاورة (الأدبية والمالية).
الكتاب الثاني: يختص ببراءات الاختراع، ونماذج المنفعة، وتصميمات الدوائر المتكاملة.
الكتاب الثالث: يُعنى بحماية العلامات التجارية، والبيانات الجغرافية، والرسوم والنماذج الصناعية.
الكتاب الرابع: يختص بحماية الأصناف النباتية (الأسرار التجارية والمنافسة غير المشروعة).
* حماية الابداع والملكية الفكرية ليست ترفا :
وفي هذا الصدد ترى الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيس «مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة» أن الحكم الصادر في النزاع المتعلق بحقوق الملكية الفكرية يجسد مبدأً قانونياً بالغ الأهمية، وهو أن حماية الإبداع ليست ترفاً تشريعياً، وإنما التزام دستوري وقانوني يهدف إلى صون الحقوق الأدبية والمالية للمؤلفين.وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية القانونية، يميز قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 بوضوح بين الاقتباس المشروع الذي يتم في الحدود التي يجيزها القانون ولغرض مشروع مع احترام حقوق المؤلف، وبين النقل الذي يمس جوهر المصنف، أو ينال من أصالته». وتابعت: «هذا الحكم يؤكد أن حماية الملكية الفكرية تطبق على الجميع دون استثناء، وهو ما يعزز الثقة بمنظومة العدالة، ويبعث برسالة طمأنة إلى المبدعين والباحثين بأن حقوقهم تجد الحماية القضائية المقررة لها».

