
د. علي زين العابدين الحسيني
لا يزال هذا الحياء يلازمني منذ عرفت نفسي في مقاعد الدراسة. وأنا أعبّر بالحياء بدلًا من الخوف أو الفزع؛ لأن الأمر عندي لم يكن خوفًا من الناس بقدر ما كان حياءً منهم، وترددًا في أن أتقدم أو أزاحم أو أطلب لنفسي شيئًا. فلم أكن أتقدم في مجلس، ولا أزاحم أحدًا على مكان، وكنت وأنا في عداد الطلبة لا أجيب عن أسئلة المدرسين إلا إذا طلبوا مني الإجابة. كنت أجد في التقدم إلى الناس شيئًا يثقل على نفسي، وأرى أن الأولى أن أبقى حيث أنا، وأن أترك المجال لغيري.
ومضت السنوات، ولم يتغير الحال كثيرًا. كبرت، وتغيرت أشياء كثيرة في حياتي، لكن هذا الطبع بقي كما هو. أحب العزلة والانزواء بعيدًا عن الضجيج، ولا أجد نفسي في المجالس الكبيرة خصوصًا تلك التي تكون مملوءة بالأساتذة والكبار، ولا أحب أن أكون في مقدمة الصفوف، ولا أجد راحة في أن ألفت الأنظار إليّ. وإذا رأيت جمعًا من الناس أعرفهم، انقبض قلبي، وتأخرت عنهم، ولا أُقدم عليهم إلا بعد مشقة على النفس، وربما وقفت طويلًا أفكر: هل أتقدم؟ هل أسلم؟ هل أجلس؟ هل أشارك؟ ثم ينتهي الأمر بي في كثير من الأحيان إلى أن أبقى بعيدًا.
ولست أقول هذا مدحًا لنفسي، ولا أزعم أن هذا الطبع كله فضيلة؛ فقد كان له أثر واضح في حياتي، وفوّت عليّ حظوظًا كثيرة من الدنيا. رأيت أناسًا ربما كانوا أقل مني في الإمكانيات، وأقل علمًا أو تجربة، لكنهم عرفوا كيف يتقدمون، وكيف يعرضون أنفسهم، وكيف يطلبون، وكيف يفتحون لأنفسهم الأبواب، فحصلوا من الدنيا على ما لم أحصل عليه. ولم يكن ينقصني في كثير من الأحيان شيء مما عندهم، سوى تلك الجرأة التي تدفع الشخص إلى أن يطرق الباب، وأن يعرّف الناس بنفسه، وأن يطالب بمكانه.
ومع ذلك، فأنا هكذا؛ لا أحب أن أتخذ الناس وسيلة لنفعي، ولا أحب أن تكون معرفتي بأحد طريقًا إلى مصلحة أطلبها لنفسي. أحافظ على عدم المساس بكرامتي بطلب شيء من أحد، فلا أطلب من أحد شيئًا، وإذا طلبت فإنما يكون الطلب لغيري، في حين أني قد أكون أحوج من هذا الغير. نعم أجد مشقة شديدة في أن أمد يدي لنفسي، بينما يهون عليّ أن أفعل ذلك من أجل غيري.
وربما كان هذا من أكثر الأشياء التي لازمتني طوال حياتي: أنني أستطيع أن أتكلم عن حاجة غيري، وأن أسعى في أمر غيري، وأن أطلب له ما لا أطلبه لنفسي. أما إذا تعلق الأمر بي، فإن شيئًا في داخلي يمنعني، ويقول لي: دع الأمر، ولا تطلب، ولا تتقدم، ولا تجعل نفسك موضعًا للسؤال.
ومع مرور الأيام، بدأت أرى بعض آثار هذا الطبع بصورة أوضح. فما يؤلمني أحيانًا أن كثيرًا من أساتذتي ومن عرفتهم قديمًا، ربما يأتي إليهم من عرفهم منذ شهور، فيكون أكثر إقدامًا، وأكثر حضورًا، وأكثر قدرة على الظهور، فينال مكانة ظاهرة عند هؤلاء الأساتذة. ثم يخيّل للناس أنه من طلابهم القدامى أو من خاصتهم، وهو لم يعرفهم إلا منذ فترة قصيرة، وقد يكون أصل معرفته بهم عن طريقي.
ولا أقول هذا حسدًا لأحد، ولا أرى أن الإنسان يستحق مكانة لمجرد قدم معرفته، فالمكانة لا تُقاس دائمًا بالسنوات، وربما كان من جاء بالأمس أنفع وأقرب وأحسن أدبًا ممن عرف منذ أعوام. وإنما الذي يؤلمني أحيانًا أنني أرى أثر الإقدام في غيري، وأعرف أنني لو كنت أملك شيئًا من هذه الجرأة لكان لي حضور مختلف، ولربما عُرفت أشياء عني لم يعرفها الناس؛ ليس لأنني أريد الشهرة، وإنما لأن الإنسان لا يمكن أن يُعرف بما عنده إذا ظل دائمًا بعيدًا عن الناس.
ومع ذلك، لا أريد أن أغيّر نفسي حتى أصبح شخصًا آخر. لا أحب أن أزاحم أحدًا، ولا أن أتكلف الحضور، ولا أن أجعل علاقاتي بالناس وسيلة إلى الوصول. ولا أحب أن أعيش في ظل الأساتذة، مهما بلغت منزلتهم في نفسي. أحب الصالحين، وأجلّ أهل العلم، وأعرف لأهل الفضل فضلهم، وأنتفع بهم وأحفظ لهم مكانتهم، لكنني لا أحب أن أعيش في جلبابهم، ولا أن تكون شخصيتي امتدادًا لشخصياتهم.
أريد أن أكون كما أنا، وأن يكون لي طريقي وشخصيتي، وأن أعرف الناس بي من خلال ما أقدمه. أحب أن يكون انتسابي إلى العلم انتسابَ طالبٍ إلى العلم، وليس انتسابَ شخصٍ إلى اسم شيخ، وأحب أن يكون تقدير الناس لي لما عندي، ولا تقاس العلاقات بناء على قربٍ من هذا أو ذاك.
ربما أحتاج فقط إلى شيء من التوازن؛ ألا أجعل الحياء سببًا في ضياع حقي، وألا أجعل العزة ذريعة إلى الانزواء، وألا أطلب لنفسي ما لا يليق أن أطلبه، لكنني في الوقت نفسه لا أختفي حتى لا يراني أحد. فالحياء فضيلة، والاستغناء عن الناس عزة، لكن الإنسان قد يظلم نفسه إذا جعل من فضيلته حجابًا يحول بينه وبين كل فرصة.
هكذا كنت، وهكذا سأكون، مع محاولة أن أتعلم كيف أقترب حين ينبغي الاقتراب، وأتقدم حين يكون التقدم حقًا، وأتكلم حين يكون الكلام لازمًا، من غير أن أفقد ذلك الشيء الذي أحببته في نفسي: ألا أعيش متكئًا على أحد، وألا أستمد قيمتي من قربٍ من أستاذٍ، ولا من مكانةٍ عند شخص، وإنما أكون كما أنا، بما عندي، وبما أستطيع أن أقدمه، وبما أنتجته من آثارٍ.







