قراءة في كتاب (بنية الكتابة في قصيدة النثر) لعلي لفتة سعيد

حيدر الأديب
ظل جانب واسع من نقد قصيدة النثر العربية مشدودا إلى سؤال الماهية: ما قصيدة النثر؟ أين تنتهي حدود النثر وتبدأ حدود الشعر؟ كيف تعوض غياب الوزن؟ وما علاقتها بالنثر الشعري والشذرة والقصة القصيرة؟ وقد أنتج هذا السؤال سجالا طويلا حول شرعية الجنس وتسميته، وأبقى عملية الكتابة نفسها في منطقة أقل حضورا؛ أي الطريقة التي تنتظم بها الكلمات والصور والأفعال والأزمنة داخل القصيدة، حتى تتحول من مادة لغوية مبثوثة إلى نص له نظامه الخاص.
في هذه المنطقة بالذات يضع علي لفتة سعيد كتابه (بنية الكتابة في قصيدة النثر: أساليب النص ومحمولات التأويل ـ العراق أنموذجا). إذ لا يبدأ من الدفاع عن قصيدة النثر، ولا يعيد محاكمة خروجها من الوزن، وإنما ينتقل إلى سؤال آخر: كيف تكتب هذه القصيدة نفسها؟ كيف يتحول الهاجس إلى صورة، والصورة إلى ملفوظ، والملفوظ إلى علاقة، والعلاقة إلى بناء يستدعي قارئا ويسلمه إمكانية التأويل؟
تكمن قيمة هذا التحول في أنه ينقل القصيدة من مجال التعريف الخارجي إلى مجال الفعل الداخلي. داخل الى تعريف ماهية الشعر وان لم يصرح به حيث القصيدة عنده بما أقامته من علاقات بين عنوانها واستهلالها ومقاطعها وخاتمتها، وبما استطاعت أن تنتجه من حركة داخل اللغة. غير عابئة بما فقدته من اوزان وهو الوتر الذي قطعه لفتة وكان محقا في قطعه ومن هذه الجهة يمكن النظر إلى الكتاب على أنه محاولة لإعادة الاعتبار إلى الصنعة الشعرية، بعد أن ارتبطت قصيدة النثر في بعض التصورات بفكرة الحرية المطلقة التي لا ضابط لها.

الكتابة بين الموهبة والصنعة
يربط المؤلف نشأة الشعر بثلاثة عناصر: الموهبة، والتجربة، والحرفة. الموهبة هي الاستعداد الأول، والتجربة هي ما يختزنه الشاعر من معرفة وقراءة وعيش ومراقبة، والحرفة هي القدرة على إدارة اللغة ووضع المفردة في موضعها. ويمنح هذا التصور الكتابة بعدا إنتاجيا؛ فالقصيدة لا تصل إلى صورتها الأخيرة بقوة الانفعال وحده، ولا تكفي النية الشعرية لإنتاج الشعر.
يستعيد المؤلف في تمهيده علاقته الأولى بالشعر في بيئة جنوبية كان فيها الشعر الشعبي والفصيح جزءا من الحياة اليومية. ويذكر سؤالا رافقه منذ البدايات: كيف يجد الشاعر شطره؟ وأين يختبئ الشعر؟ ومن هذه الحيرة انتقل إلى الاقتناع بأن فهم الشعر يستدعي فهم طريقة كتابته. سيرته هنا تشرح السبب الذي دفعه إلى اقتفاء أثر الصنعة داخل النصوص.
ومن أجل الوصول إلى هذا الأثر، يقترح مفهوم (بنية الكتابة) ويعرفه بمتابعة رحلة المبدع التدوينية، واستخراج الأدوات والأنساق التي نظمت المنجز. وهو يصرح أن المفهوم اجتراح لرؤية خاصة، وأنه لا يقدم منهجا يريد إلغاء المناهج المعروفة. كما يصف البنية الكتابية بأنها مصنع تدخل إليه المواد الأولية، ثم يعاد تنظيمها لتخرج في صورة نص قادر على مخاطبة المتلقي.
استعارة المصنع مهمة في فهم الكتاب. إنها تضع الشعر في منطقة العمل، وتربط جودة النص بكيفية إدارة عناصره. ويصير الشاعر، وفق هذا التصور، مسؤولا عن بناء القصيدة مثلما هو مسؤول عن رؤيتها. الفكرة الجميلة قد تضيع داخل نص مترهل، والصورة المدهشة قد تتحول إلى شذرة عابرة حين تنفصل عن بقية الجسد، والمفردة العالية قد تبدو غريبة حين لا تجد مكانها الضروري.
مستويات الكتابة وحركة القصيدة
يقترح المؤلف ستة مستويات يتابع حضورها داخل النصوص: التصويري، والإخباري، والتحليلي، والقصدي، والتأويلي، والفلسفي. ولا يقدمها على أنها مراحل إلزامية تمر بها كل قصيدة وفق ترتيب ثابت، إذ تظهر في التطبيقات متداخلة ومتفاوتة الحضور. قد تبدأ القصيدة من خبر أو مشهد، ثم تنتقل إلى صورة وتحليل، وقد يختلط القصد بالتأويل منذ الاستهلال، وقد يظهر المحمول الفلسفي في الخاتمة أو ينتشر في النص كله.
الأهمية النظرية لهذه المستويات لا تقع في تحويلها إلى وصفة جاهزة بقدر ما تسهم بفعالية في تنبيه القارئ إلى أن القصيدة تتحرك بين وظائف عديدة. الجملة قد تخبر، ثم تتجاوز الإخبار حين تدخل علاقة مجازية. الصورة قد تظل مشهدا حسيا، وقد تتحول إلى تحليل ضمني لعلاقة الإنسان بالعالم. والقصد لا يعلن دائما في عبارة مباشرة، فقد يتكون من انتظام المقاطع ومن الطريقة التي انتهى بها النص.
وقد قادت مرونة هذه المستويات المؤلف إلى الاقتراب من خصوصية كل تجربة. فلا نجده يضع النصوص كلها داخل تسلسل واحد تاركا لكل مجموعة أن تكشف الآلية الأشد حضورا فيها. وهذه المرونة أنتجت النتيجة الأعمق في الكتاب: قصيدة النثر لا تمتلك طريقة واحدة للكتابة، وكل تجربة تؤسس نظامها من العناصر التي منحتها لغتها الخاصة.
التأويل بوصفه جزءا من البناء
يحمل الفصل الأول عنوان (التأويل ومحمول المعنى) ويضم خمس تجارب تكشف اختلاف الطرق التي يفتح بها النص مجاله الدلالي.
في مجموعة جبار الكواز (ما أضيق الغابة! ما أوسع الظلال!) تتحرك الكتابة بين النفي والسؤال والمفارقة. النفي يتجاوز وظيفته النحوية الى ما يصنع موقفا من العالم، والسؤال يفتح للمتلقي منطقة يدخل منها إلى النص. وتتحول الخاتمة إلى مجال لإعادة توزيع المعنى، بحيث تنتهي القصيدة ولا ينتهي أثرها.
وعند عبد الزهرة زكي في (اليد تكتشف) تصبح اليد مركزا دلاليا تتفرع منه الحواس والذاكرة والكتابة والمكان. لا تتكرر اليد بصورتها المعجمية فقط او المرجعية، يمتد حضورها ويظهر في أفعال اللمس والخلق والاكتشاف والتكوين. ومن هنا تكشف القراءة أن المفردة المركزية تستطيع أن تؤدي وظيفة بنائية، فتنظم النصوص من الداخل وتصل بين صور متباعدة.
أما جواد الحطاب في (إكليل موسيقي على جثة بيانو) فيبني شعرية تقوم على المصادمة. العنوان نفسه يجمع الموسيقى بالجثة، ويضع الحياة والموت داخل تركيب واحد. ثم تدخل الوقائع التاريخية والسياسية إلى القصيدة، وتتعرض لإعادة صياغة تفقدها حيادها المألوف. يدفع الحطاب التاريخ إلى منطقة السؤال والسخرية والكشف، ويجعل من اللغة محكمة للواقع.
وفي (أشهق بأسلافي وأبتسم) لباسم فرات تتحول الذاكرة إلى طريقة في ترتيب القصيدة. المدينة والأسلاف والمنفى والطفولة لا تظهر كموضوعات مستقلة، لأنها تتشابك داخل زمن يستدعي بعضه بعضا. الحاضر ينفتح على الماضي، والمكان البعيد يستعيد المدينة الأولى، والابتسام يحمل داخله أثر الشهقة. هنا تؤسس الذاكرة حركة النص، وتصبح العودة بناء زمنيا لا حنينا معلنا فقط.
أما سالم محمد البناي في (الفجر وما تلاه) فيقدم التجربة الأقرب إلى انتقالات المستويات التي اقترحها المؤلف. يبدأ النص من الإخبار، ويتجه نحو التصوير والتحليل، ثم يكسب الخاتمة وظيفة كشف القصد. وتكشف القراءة أن القصيدة قد توزع معناها بين منطقة مشفرة وأخرى أقرب إلى الإفصاح، من دون أن تفقد اتصالها الداخلي.
هذه التجارب توضح أن التأويل لا يأتي بعد انتهاء القصيدة. إنه يبدأ من اختيار العنوان، ومن وضع المفردة، ومن العلاقة بين البداية والنهاية. والكاتب لا يترك المعنى سائبا، بل ينظم شروط انفتاحه، فيما يتولى القارئ جمع العلاقات واستكمال ما تركته القصيدة في صورة إشارة.
السرد حين يدخل الشعر
يفتح الفصل الثاني سؤال السرد في قصيدة النثر. وقد أتاح غياب البنية الوزنية الصارمة للشعراء أن يستثمروا الأفعال والشخصيات والحوار والحكاية وانتقال الزمن. والسرد في هذه النصوص يكسبها حركة، ويجعل الصورة تدخل في علاقة قبل وبعد، أو يضع الذات أمام حدث وصراع ومصير.
في (عالم الملائكة) لهادي الربيعي تتكاثر الأفعال وتتحرك شخصية (نورندا) داخل فضاء يتسع للحبيبة والذات والعالم. ووضوح اللغة عند الربيعي على اعتبار ان النص يعتمد على تماسك الحركة وعلى القدرة على تحويل العبارة المباشرة إلى جزء من رؤية شاملة.
وفي (فصول التأويل) لعلي حسن الفواز تصبح مفردة (الكلام) مركزا للقصائد. والكلام جسد وذاكرة ومتاهة وهاجس، وتنتقل المفردة من تعريف إلى آخر، حتى تتحول اللغة إلى موضوع النص وأداته. تنشأ الكتابة من الدوران حول كلمة واحدة واستنزاف طاقاتها، فتتولد القصيدة من إعادة تعريف ما نستخدمه يوميا من دون أن نتوقف أمامه.
أما على الإمارة في (أماكن فارغة والركض وراء شيء واقف) فيقترب من السرد القصصي عبر الأفعال والصراع واليأس والفراغ. العنوان يختصر حركة لا تحقق وصولا؛ هناك ركض، فيما يظل الشيء واقفا. وتنسحب هذه المفارقة على القصائد، فتبدو الذات محكومة بمطاردة مستمرة داخل أمكنة فقدت قدرتها على الامتلاء.
ويقدم جمال جاسم أمين في (لا أحد بانتظار أحد) نموذجا يقوم على التكثيف ووحدة القصيدة. حيث نلاحظ العنوان ملتحما بالاستهلال والخاتمة مجردة عن جاهزية الحكمة سالكة مسرى النمو من من حركة النص. ويصبح الاقتصاد في اللغة جزءا من البنية، لأن القصيدة تحذف ما لا تحتاجه وتحافظ على صلتها بالبؤرة الأولى.
وفي (حياد المرايا) لمحمد درويش علي تدخل أدوات السرد بصورة أوضح: الراوي، والمروي له، والتكرار، والجملة الاسمية، والعناصر الدرامية. وتعمل المرايا على إظهار الداخل تحت دعوى الحياد، فيما تنبهنا القصائد أن الصورة لا تنقل الواقع كما هو الا وفق صيغ تختارها بعد إعادة تكوينها على مستوى الركيب والتأويل
ويضيف عبد الحسين بريسم في (قرط النعاس) بعدا دينيا وعائليا إلى السرد الشعري. يتجاور العنوان والإهداء والحكاية، وتظهر شخصيات الأب والأم والوطن والرموز الدينية ضمن مقاطع قصيرة. والتقطيع هنا يحول الحكاية إلى ومضات، ويمنع السرد من الاسترسال الذي يفقده توتره الشعري.
تظهر لنا هذه التجارب أن السرد ليس عنصرا وافدا على قصيدة النثر وإنه واحد من طرائقها في تنظيم الزمن وإدخال الصراع وتحويل الصور المنفردة إلى حركة. وقد يكتب الشاعر مشهدا قصصيا كاملا، وقد يكتفي بإشارة إلى حدث، أو بفعل يفتح زمنا داخل القصيدة. المهم أن تبقى الحكاية خاضعة لكثافة الشعر، وألا تتحول القصيدة إلى سرد عادي وزع على أسطر قصيرة.
الثيمة حين تتحول إلى طريقة
يحمل الفصل الثالث عنوان (مراحل القراءة من الفهم إلى التأويل)، وتظهر فيه البؤر النفسية والدلالية بوصفها قوى تنظم النصوص. وهنا يصل الكتاب إلى واحدة من أهم نتائجه: موضوع القصيدة لا يقف خارج بنيتها، فقد يتحول إلى طريقة في الكتابة.
في (تمرين في النسيان) لمنذر عبد الحر ان القلق ينسحب من المعنى النفسي ويتحول الى اشتغال يدخل في تقطيع المقاطع، وفي عودة الأسئلة، وفي انتقال الزمن، وفي التوتر بين الذاكرة والنسيان. هذا الاشتغال يزامن القصيدة بحركة القلق نفسه، وتصبح بنيتها ترجمة لطبيعة الشعور الذي تكتبه.
وفي (استدراك») لأحمد آدم تتحكم الخيبة في طريق القصيدة. يبدأ النص من تصوير أولي، ويعود إلى ماض تتراكم فيه الخسارات، ثم يصل إلى خاتمة تحمل نتيجة التجربة. يتيح هذا النموذج المؤلف فرصة لفحص مواضع النجاح والضعف داخل القصيدة نفسها، فيميز بين المفردة التي تخدم المسار والمفردة التي دخلت لإنتاج أثر منفصل.
أما ماجد موجد في (ما تساقط أو أوشك للشمس) فيصنع الدهشة من التشظي والتصادم. وتظهر في قراءته ملاحظة عملية شديدة الأهمية: المقطع الجميل لا يصنع بالضرورة قصيدة ناجحة. فقد تكون الجملة مدهشة وقابلة للاقتطاع، فيما تبقى علاقتها بجسد النص ضعيفة. وقابلية نقل المقطع إلى قصيدة أخرى من دون خسارة تكشف أنه لم يصبح جزءا ضروريا من بنائه الأول.
وفي (ما يتعطل من الأسئلة) لعمار المسعودي تتولى الأسئلة المعلنة والمضمرة قيادة النص. الريف والمدينة، النخلة والدخان، الضوء والخراب، كلها تتحرك داخل سؤال لا يحصل على جواب نهائي. ويصبح التعطيل نفسه جزءا من دلالة القصيدة؛ الأسئلة تظل مفتوحة لأن العالم الذي أنتجها لم يصل إلى حل.
أما نبيل الجابري في (التضاريس تنعطف جنوبا) فيجعل المفردة وحدة تكوين أولى. تتشظى الكلمات إلى أفعال وصور وعلاقات، وتظهر قدرة الشاعر على اختزال المشهد ووضع الكلمة داخل جملة تمنحها دلالة جديدة. وفي هذه التجربة تتقاطع مستويات المؤلف بصورة واسعة، من الإخبار والتصوير إلى القصد والتأويل والفلسفة.
وإذا جمعنا هذه النماذج، وجدنا أن القلق والخيبة والدهشة والسؤال ان كل واحدة منها تحولت إلى منطق ينظم النص. وهذه النتيجة تفتح بابا مهما في نقد قصيدة النثر: بنية الكتابة لا تنفصل عن نوع التجربة التي تحملها القصيدة. فالموضوع حين يرسخ في اللغة يغير إيقاعها، ويحدد طول الجملة، ويوزع الأزمنة، ويختار شكل الخاتمة.
الظواهر الكبرى في الكتاب
تنتظم التجارب المدروسة حول ظواهر تتكرر من دون أن تلغي اختلاف الشعراء.
أولى هذه الظواهر مركزية العنوان. إذا نجد المؤلف لا يعامل العنوان بطاقة خارجية، وإنما يراه جزءا من العملية الإنتاجية. بعض العناوين يختصر قانون المجموعة، مثل (اليد تكتشف) و(أشهق بأسلافي وأبتسم)، وبعضها يؤسس مفارقة تمتد إلى النصوص، مثل (إكليل موسيقي على جثة بيانو) و(أماكن فارغة والركض وراء شيء واقف).
الظاهرة الثانية هي الاستهلال. يراقب الكتاب ما إذا كانت القصيدة تبدأ بسؤال أو نفي أو فعل أو جملة اسمية أو خبر. البداية هنا اختيار يحدد درجة الحركة، ويكشف طبيعة العلاقة بين الشاعر وما يكتبه.
الظاهرة الثالثة هي الخاتمة. ففي عدد كبير من القراءات تصبح النهاية موضع جمع المعنى أو كشف القصد. والمهم في الخاتمة الناجحة أن تكون قد نمت من النص، لا أن تضاف إليه لتفسير ما سبق.
الظاهرة الرابعة هي المفردة المركزية. اليد، والكلام، والقلق، والسؤال، والمرايا؛ كلها كلمات تتحول إلى محاور تنتظم حولها الصور والمقاطع.
الظاهرة الخامسة هي تداخل الشعر والسرد. القصيدة تستعير الفعل والحكاية والشخصية والحوار، ثم تعيد صياغتها داخل منطق التكثيف والصورة.
الظاهرة السادسة هي مشاركة المتلقي. النص لا يقدم كل شيء، ويترك للقارئ مهمة وصل الإشارات وتكوين محمول المعنى. التأويل، وفق هذا الكتاب استجابة لما بنته القصيدة من علاقات.
الظاهرة السابعة هي حضور المحمول الفلسفي. والمؤلف يرى أن القصيدة الجديدة تتجاوز وصف الحالة إلى إنتاج رؤية. والفلسفة وفق منطق الكتاب لا تعني تحويل الشعر إلى مقولات، وبقدر ما تعني قدرة النص على جعل التجربة الفردية سؤالا يتصل بالإنسان والزمن والموت والذاكرة والوطن.
الأهمية النظرية والعملية
تتمثل أهمية الكتاب النظرية في أنه غيّر موقع السؤال. بدلا من البحث الدائم عن تعريف قصيدة النثر، اتجه إلى طرائق بنائها. كما أكد أن وحدة الجنس لا تعني وحدة الكتابة، وأن لكل شاعر نظاما ينشأ من طبيعة تجربته وعلاقته باللغة.
وقد أنتج الكتاب، من خلال تطبيقاته، تصورا يتجاوز المستويات الستة: كل قصيدة نثر تكتب قانونها من داخلها. لا يوجد قالب سابق يضمن الشعرية، ولا توجد سلسلة ثابتة تبدأ بالصورة وتنتهي بالفلسفة. قد تكون المفردة هي المركز، وقد يكون السرد، أو السؤال، أو الذاكرة، أو التصادم، أو القلق.
وتقع أهميته العملية في الأسئلة التي يعلم القارئ أن يوجهها إلى النص: ما وظيفة العنوان؟ لماذا بدأ الشاعر بهذا السطر؟ ما الذي يربط المقاطع؟ هل التكرار ضرورة أم زيادة؟ هل السرد ولد شعرا أم حول النص إلى حكاية عادية؟ هل الخاتمة نتيجة أم تفسير؟ وهل الجملة الجميلة جزء لازم من القصيدة أم قطعة قابلة للنقل؟
هذه الأسئلة تفيد الناقد في بناء قراءة قريبة من النص، وتفيد الشاعر في مراجعة اختياراته. الكتاب لا يقدم وصفة لكتابة قصيدة النثر، لكنه يقدم لنا وعيا متكاملا بما يدخل في صناعتها. وبعد قراءته يستطيع الشاعر أن يرى نصه بعين أخرى، ويفحص ضرورة كل كلمة ومقطع وعلاقة.
الكتاب بوصفه مشروعا مفتوحا
لا تنتهي قيمة الكتاب عند ما أنجزه في صفحاته. مفهوم (بنية الكتابة) قابل للتوسع نحو دراسة المسودات، والحذف، والاستبدال، وكسر السطر، والبياض، والإيقاع الداخلي، وعلامات الترقيم، وتحولات القصيدة بين صيغتها الأولى والنهائية. ويستطيع هذا المشروع أن يتحول إلى دراسة أوسع لصناعة قصيدة النثر حين يربط النص المنشور بتاريخ تكوينه.
أما ما أنجزه علي لفتة سعيد هنا فهو تأسيس السؤال وجمع مادة عراقية متنوعة واختبار عدد من الآليات داخل ست عشرة تجربة. وقد كشفت هذه المادة أن قصيدة النثر العراقية لا تنتظم داخل صوت واحد، وأن اختلاف الشعراء لا يقتصر على الموضوعات، لأنه يمتد إلى هندسة اللغة، وحركة الزمن، وطريقة بناء الصورة، وموقع القارئ.
بدأ الكتاب بحثه عن (بنية الكتابة)، وانتهى إلى نتيجة أكثر اتساعا: هناك بنيات للكتابة، بعدد الطرائق التي استطاع الشعراء أن يجعلوا بها اللغة ضرورة داخل القصيدة. ومن هذه الزاوية يغدو الكتاب دراسة في تعدد الصناعة الشعرية، وفي القدرة التي تمتلكها قصيدة النثر على ابتكار شكلها كلما دخلت تجربة جديدة.








