
بقلم الأديب والناقد : باسم أحمد عبد الحميد
الشاعر هو الإنسان الوحيد القادر على ترجمة المشاعر، والأحاسيس والمعاني، أكثر من أي إنسان على وجه الأرض، وماسمي الشاعر شاعراً، إلا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، لذا دائماً ما تجد الشعراء، يعيشون في غياهب الواقعية الجافة، ويظن الكثير انهم سعداء في حياتهم، لكن الحقيقة غير ذلك تماما، فترمومتر المشاعر لدى الشاعر، يرتفع لأعلى مؤشر، ربما لعبارة أو حتى كلمة لم ترق له، وكلمة أخرى تجعله يرقص فرحاً، ويود أن يشاركه الجميع هذه الفرحة كعصفور الكناري الذي لا يكف عن الغناء…
لذا فالتعامل مع الشعراء ياسادة على المستوى الاجتماعي، وحتى الأسري، حساس للغاية، لأن الشعر لغة القلوب، وترجمان المشاعر، ومرآة النفوس ، يستلهم الوحي والخيال، وينفذ إلى اعمق شيئ في الإنسان والطبيعة، ولكل شاعر لغة خاصة ومعجم لا ينافسه فيه أحد، كما البصمة، فحين أقرأ
أحس حفيف شعرك فوق وجهي
فتعرش في جبيني وردتان
على الفور ينطلق لساني أعرف الشاعر وأمه الذي اهداها هذه الأبيات، انه الشاعر الكبير احمد غراب، وحين أقرأ :
أنا ثمر على شجر اليتامى
وياكلني الوصاة وهم صيام
وأجد أن الاستعارات المكنية والصور الجمالية والكنايات تزاحمت بهذا الشكل العجيب ،
علي الفور يذهب عقلي وقلبي لشاعر العباسة الكبير محمود حسن
وأقسم بربي لو لم يكتب محمود حسن في حياته سوى العباسة، لاكتفى بها النقاد للحكم عليه بأنه شاعر فحل..
لماذا أقول أحمد غراب؟
لأن معلقة صدى البردة ، يجب ان تكتب بماء الذهب..
– لماذا أقول محمد ملوك؟
– لماذا أقول أسامة الخولي!
لأنهم مبدعون لهم بصمة خاصة بهم، ليسوا مقلدين أبدا ، حتى التناص في أشعارهم منعدم، لأنهم يعلمون أن المقلد ناسج لأكفان اللغة، وحفار لقبرها، والشاعر الحقيقي، هو أبو اللغة يناديها تأتي طواعية كما ينادي أولاده، فيقبلون يدية في كل مرة يهديهم فيها مما يجود به، اذن الشاعر مخترع، وليس بمكتشف، والمقلد لا يخلق ولا يكتشف، ويستمد كل ملامحه الباهته من معاصريه، وحين يجف الجدول، يلجأ لمحاكاة الذكاء الاصطناعي، الذي يضع أثوابه المرقعة التي اجتزها من أثواب الآخرين، في أعمال قد تصبيك بالتقيؤ حين قراءتها…
اما المبدعون أمثال ياسر أنور، ومحمد ناجي من مصر ، و وليد الشواقبة، وخالد الشاهري، عبد الحميد الرجوي من اليمن، وزهير سقلاوي، وساجي محمد القرعان من الأردن، وسارة زين الدين، وحنان فرفور من لبنان، وأجود مجبل، ومعتصم السعدون من العراق ، ومحمود سلطان، وعبد العظيم الأحول من مصر أيضا ، هم جميعاً الحصن الحصين للغة، وبطبيعة الحال، يوجد لدينا العديد من الشعراء المبدعين، سوف اعطيهم حقهم الأدبي في التقدير، لأنهم حافظوا على كلاسيكية القصيدة العربية، شعراً، وزنا، وقافية، مع التخلص من جمود الشعر وصوره التقليدية القديمة، فلم تعد المقدمة الطللية، أسلوباً في شعرنا العربي المعاصر، فتغيرت الاساليب، وزادت الصور، وتنوعت المعطيات، والتي أهدت للشاعر براحاً وارتياحاً، فزاد الأبداع، وأفرخ صوراً جديدة، لم نقرأها من قبل، لذا فأنا كنت متضامناً، ولازلت مع الشاعر الكبير محمود حسن حين قال: ( حطموا جمود الشعر)!!
بطبيعة الحال العبارة واضحة وأخشى أن تفهم حطموا أساسيات الشعر، بما يعتمد وزن وقافية ومعاني…
هو أراد أن يقول أعطوا لأنفسكم المجال للكتابة والإبداع، دون النظر للقديم ، مع الحفاظ على شكل ومضمون القصيدة العربية الرصينة…
لان القصيدة العربية السليمة، لها موسيقى، تطرب الأذن لسماعها، وتهتز الأجسام لأنغامها، واغلب الظن ان الشعر في بداياته، كان في ثوب الغناء، يترنم به الشاعر في وحدته، وتردد الجماعة في جدها ولهوها، وقد قيل :
الشعر موسيقى المجاهدين في سبيل المجد، وحداء المجتهدين في ركب الحياة.
وما نخلص إليه أن الشعر هو الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة، وهذا رأي جبران خليل جبران، لأن الشاعر على شفتيه وبين اصابعه، يكون الوسيط الأمين بين قوة الابتكار، واستجابة البشر، كما انه الواسطة بين عالم النفس، وعالم البحث، وما يفرزه عالم الفكر، إلى عالم الحفظ والتدوين…
هو المتعبد الذي يدخل هيكل نفسه فيجثو باكياً نادباً متهللأً، مصغياً مناجياً ، ثم يخرج وبين شفتيه ولسانه أسماء وحروف واشتقاقات جديدة لأشكال عبادته التي تتجدد في كل يوم، وانواع انجذابه التي تتغير في كل ليلة، فيضيف بعمله هذا وتراً فضياً إلى قيثارة اللغة، وعوداً طيباً إلى موقدها.
كل هذا الجمال يمكنك أن تراه في قصيدة لمحمود درويش، والبردوني، والزهاوي، ونزار قباني الذي كتب كل ألوان الشعر، بصوته الحر، وكتاباته الجريئة، شعراً ونثراً، وله نص نثري لا يقل عذوبة عن شعره، رهافة وعذوبة وأصالة وجمالأ، فضلاً عن جيشانه بالنغم الداخلي، وتماوجه بالصور والظلال، هذا النص وجدته من ضمن النصوص النثرية، بدولة سوريا الشقيقة بعنوان ( دارنا الدمشقية)
ومما جاء بالنص :
هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟!
بيتنا كان تلك القارورة!!
انني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ، ولكن ثقوا انني بهذا التشبيه، لا أظلم قارورة العطر، وإنما اظلم دارنا!!
ويستمر في الوصف بوابة صغيرة من الخشب، ويبدأ الإسراء على الأخضر والأحمر، والليكلي وتبدأ سيمفونية الظل والرخام..
الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت اقدامك، رعشرون صفيحة فل فب صحن الدار هي كل ثروة أمي، كل زر فل فيها يساوي صبياً من أولادها، لذلك كلما غافلناها، وسرقنا ولداً من أولادها بكت وشكتنا الي الله!!
ضمن نطاق هذا الحزام الاخضر ولدت، وجدتُ، نطقت كلماتي الأولى، كان اصطدامي بالجمال قدراً يومياً، كنت اذا تعثرت اتعثر بجناح حمامة، واذا سقطت أسقط في حضن وردة!!







