
عـادل عطيـة
في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، اكتشف كريستوفر كولمبس جزيرة صغيرة تسمى جزيرة جاميكا. وكان جميع سكانها في ذلك الوقت من الزنوج السود. وبالطبع لم يكن اسمها جاميكا. إذ لم تكن لهذه الأراضي الجديدة أسماء معروفة، بل كان الرحالة يطلقون الأسماء على المواقع التي يستكشفونها، حسبما يلاحظونه من الملامح الخاصة، أو الظواهر المميزة لكل موقع يحلّون به.
في ذلك الزمن البعيد أطلق الأسبانيون على جزيرة جاميكا اسماً غريباً، إذ أسموها “أرض الناظرين إلى الخلف”..!
ففي تلك الأيام السالفة، كان المغامرون والقراصنة، وتجار الرقيق يذهبون إلى تلك الجزيرة النائية لصيد العبيد. ولم يكن أمام هؤلاء الجاميكيين البؤساء سوى الهروب إلى الجبال، تتبعهم فرق القناصة المسلحة، التي كانت تحملهم إلى العبودية والموت والعذاب، بعيداً عن الأهل والوطن. من أجل ذلك كان الخوف والفزع يملأ قلوب الهاربين، ويجعلهم ينظرون إلى الجبال بعين واحدة، ويراقبون القنّاصة بالأخرى.. عيونهم دائما خلف أكتافهم، يتقدمون إلى الأمام ورؤسهم متجهة إلى الوراء؛ فقد تعلقت العيون المذعورة بأشباح المطاردين الأشداء من وحوش تجار الرقيق الذين يتتبعونهم!
ومع أن تجارة الرقيق قد ذهبت إلى غير رجعة، إلا أن الأرض تكاد تكون كلها: “أرض الناظرين إلى الوراء”، فالمخاطر المتنوعة التي تطاردنا في كل موقع، وبكل سلاح، تسرق الطمأنينة من عيوننا، وتبدد أمننا وسلامنا، وتجعل خطانا قلقة، ورؤوسنا مضطربة، وأبصارنا زائغة، حتى صار الخوف ظلنا، وأصبحنا دائماً نتوقع الشر قادماً من وراء ظهورنا!…







