” لا يوجد بلد واحد ، يخضع من خلال ميوله الفطرية ، و سرعة انطباعاته للمنتصر ، بمثل تلك الرغبة ، التي تخضع بها سوريا” .
*polibius

بقلم : حسني حنا
تتعرض سوريا اليوم إلى جولة واسعة من الصراع عليها ، تشترك فيه قوى عديدة . محلية واقليمية ودولية . ولما كان من الضروري لفهم أي موضوع فهماً صحيحاً – هو الاطلاع على تاريخه كما قال الفيلسوف أوغوست كونت August Conte فإننا سوف نتتبع موضوع الصراع على سوريا ، من خلال مراحله التاريخية ….
سوريا بمفهومها الجغرافي
كان اول من أطلق اسم ( سوريا Syria ) على تلك البقعة من الأرض ، الممتدة من سلسلة جبال طوروس شمالاً ، الى الصحراء العربية جنوباً ، ومن البحر المتوسط عغرباً الى نهر الفرات شرقاً ، هو المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوت Herodotu (القرن 5 ق.م ) وكان الشاعر اليوناني العظيم هوميروس Homer (القرن 8 ق.م ) قد أطلق على سوريا اسم (ارض الآلهة) وعلى شعبها اسم ( شعب الآلهة ).
وان ( سوريا ) بمفهومها الواسع، هي وحدة، لاسبيل الى انكارها. وقد ورد اسم (سوريا) في اقدم الخرائط والمدونات الجغرافية ، التي سطرها سترابون Strabon وبطليموس Ptolemy وكسينوفون Xenophon ووليم الصوري William of Tyre وغيرهم.
اهمية الموقع الجغرافي
تتمتّع سوريا بموقع استراتيجي هام بين ثلاث قارات، وهذا.الأمر جعلها جسراً لنقل المؤثرات الثقافية بين مراكز الحضارة، التي تفاعلت وتمازجت على أرضها، ولنقل البضائع التجارية ومعبراً للجيوش وميداناً للقوى المتصارعة والطامعة ، كما عرّضها للأخطار الخارجية التي أتتها من جميع الجهات، كما أن خصوبة أرضها، ووفرة مياها واعتدال مناخها جعلتها دائماً معّرضة لأطماع الدول والامبراطوريات المجاورة منها والبعيدة أيضاً : وقد أدى التمازج الحضاري على الأرض السورية، إلى إنتاج شعب يتمتع بالذكاء والحيوية و الابداع في جميع مجالات الحياة
سوريا والأطماع الخارجية
خلال تاريخ سوريا الطويل ، لم تعرف هذه البلاد الوحده إلا في ظل الحكم الأجنبي، وفي الألفين الثالثة والثانية قبل الميلاد، كانت هناك ثلاث امبراطوريات كبرى، ذات تأثير ونفوذ قوي على مسرح التاريخ (مصر. بابل والحثيون) وقد تبعتها ثلاث امبراطوريات كبرى ظلت على مسرح التاريخ حتى نهاية (القرن 4 ق.م) وهي الآشورية والكلدانية ودولة الفرس.
سوريا والامبراطورية المصرية
أدخلت سوريا في الامبراطورية المصرية في عهد الفرعون (أحمس) مؤسس الدولة الحديثة، الذي طرد الهكسوس من مصر وتوغل في سوريا ( حوالي 1520 ق.م) . وقد وطد تحتمس الثالث (1490 – 1436 ق.م) سيادة مصر على سوريا، بعد معركة مجدّو ( 1468 ق.م) .
وفي حملته الخاصة استولى على جزيرة أرواد ، والساحل الفينيقي ،كما احتل مدينة قادش.
وقد أظهر رمسيس الثاني (1301 – 1234 ق.م) جانباً من الروح الحربية، ووصل بحملاته إلى بيروت. وخلّد ذكرى حملته في نقش على صخرة قرب نهر الكلب في لبنان لا تزال موجودة الى الآن .
الصراع المصري – الحثي على سوريا
كان أول ظهور للحثيين الذين أقاموا دولتهم في آسيا الصغرى وعاصمتها كركميش ، في عملية حربية كبرى نحو عام (1595 ق.م) حينما دخل ملكهم مرشلش الأول مدينة بابل ونهبها ، وكان قد دخل مدينة حلب وهدمها وسبى سكانها ، وقد بلغت هذه الدولة ذروتها في عهد الملك القوي شوبيلوليوما (1380 – 1355 ق.م).
استؤنف النزاع من أجل السيادة على سوريا بين المصريين والحثيين، وبالتالي على زعامة العالم. وفي معركة قادش المشهورة (1296 ق.م) وهي أول معركة موصوفة بدقّة في التاريخ ، لم يكن النصر الذي ادعاه رمسيس الثاني، على ملك الحثيين مواتالي نصراً مبيناً ، وهو الذي تمكّن بصعوبة من انقاذ حياته . بعدما فرقت المركبات الحربية الحثية القوية محاربيه، وقد اضطر بالنتيجة ، إلى الانسحاب من سوريا الشمالية والوسطى، وفي أول مشاهدة مذكورة في التاريخ، احتفظ الحثيون بشمال سوريا، بينما بقيت سوريا الجنوبية تحت حكم المصريين. وفي القرن الثاني عشر ق.م ، أصبحت سوريا خارجة عن نطاق الامبراطورية المصرية. وفي هذه المدّة وطد الحثيون أقدامهم في القسم الشمالي من البلاد.
سوريا وبلاد الرافدين
كان الملك الأكادي سرغون الأول ( حوالي 2250 ق.م) أول شخصية عظيمة في التاريخ السامي ، غسل أسلحته في البحر – كما جاء في أحد النصوص، وادعى السيطرة على جبال الأرز (الأمانوس) وأوصلته غزواته إلى شمال سوريا.
و خلفه نارام سين حوالي (2170 ق.م ) الذي أوصل حدود دولته حتى(غابة الأرز) ، وفي العهد الآشوري، وبعد انهيار الدولة الحثية، أصبح من مبادئ سياسة حكام بلاد الرافدين التوسع غرباً ، أي في سوريا. وقد غزا الملك الآشوري تغلات فلاسر الأول سوريا في العام (1094 ق.م) وحصل على ولاء المدن الفينيقية الساحلية ، ولما استرجع الآراميون من الأراضي كل ما احتله هذا الملك ، قام أحد خلفائه ، وهو ( آشور ناصر بال) بالزحف نحو سوريا الشمالية . ثم اتجه جنوباً ودخل لبنان. واصطدم نجله شلمناصر الثالث ( 859 – 853 ق.م) بتحالف دول سوريا ، بزعامة ملك دمشق الآرامي في معركة ( قرقر ) في وادي العاصي (853 ق.م) بدون نتيجة حاسمة ولم يتوقف الآشوريون عن الهجوم على سوريا والقضاء على محاولاتها في الاستقلال، كما فعل سنحاريب وأسرحدون و آشور بانيبال الذي فتح مصر، وأوصل الامبراطورية الآشورية وعاصمتها (نينوى) إلى أقصى حدودها.
وبعد سقوط (نينوى) عاصمة الآشوريين في سنة (612 ق.م) على يد ملك الكلدانيين نبوبولاصر ، ومساعدة (كي أخسار) ملك ميديا ، بدأ التساؤل من سوف يرث شرقي البحر المتوسط ؟! ولم يطل الحديث حول هذا الأمر. إذ أنّ القائد نبوخذ نصرّ ( 605 – 562 ق.م) ابن نبوبولاصر ألحق الهزيمة بفرعون مصر نيخو في كركميش سنة ( 605 ق.م) وأصبح الكلدانيون سادة سوريا الجدد .. وهنا بدأت الشعوب التي رزحت تحت وطأة الآشوريين – أعظم قوة عسكرية في ذلك الحين – تتساءل فيما إذا كان الوقت قد حان لتتمتع بحريتها !
وجاء الجواب الحاسم بتدمير نبوخذ نصّر مدينة اورشليم (القدس) في العام (586 ق.م ) و إخضاع الساحل السوري واحتلال مدينة صور (572 ق.م) وكان على سوريا الكبرى أن تحكمها بلاد الرافدين من جديد.
انقضى الحكم الكلداني في عام (538 ق.م) حين هاجم الفرس جارتهم بابل بقيادة ملكهم كورش Cyrus الذي وحد الميديين والفرس تحت حكم واحد . واحتل الفرس سوريا بعد ذلك ، التي أصبحت جزءاً من امبراطورية كبيرة ، قُدّر لها بعد ربع قرن من ولادتها أن تضمّ العالم الممتد من مصر والمدن اليونانية في آسيا الصغرى ، إلى البنجاب في الهند.
مملكة دمشق الآرامية والتحديات
تأسست مملكة دمشق الآرامية في أواخر القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وتطّورت فأصبحت مملكة كبرى ، متاخمة للآشوريين في الشمال والعبرانيين في الجنوب ، ويشير كتاب العهد القديم إلى هذه المملكة باسم آرام .
بدأت الصدامات بين هذه المملكة والعبرانيين في الجنوب في عهد شاول مؤسس المملكة العبرانية ( سفر صموئيل الأول 47:4) وقد قام الملك رصين Rezin بمحاربة العبرانيين طيلة أيام سليمان ( سفر الملوك الأول 11: 25) وقد أخذ بنحدد الأول ملك دمشق (879 – 843 ق.م ) من ملك يهوذا كنوزاً ثمينة . وجعل جلعاد في شرقي الاردن تحت السيطرة الآرامية (سفر الملوك الأول 15: 18 – 20).
وفي قرقر على نهر العاصي حارب بنحدد (رئيس تحالف الملوك السوريين) الغزو الآشوري، وتحت قيادته ( 60,000) جندي ، وكان على الآشوريين أن ينتظروا سنين عديدة ، قبل التمكن من اخضاع دمشق.
ويظهر وريث بنحدد واسمه حزائيل بمعنى (إيل قد رأى ) حوالي ( 805 ق.م) كأعظم محارب في التاريخ الآرامي ، صدّ هجمات الآشوريين ، وتوسع حتى سهل فلسطين الساحلي ، وقد انتهت هذه المملكة على يد الآشوريين في عام (732 ق.م )
سوريا بين الفرس واليونان
كان النزاع الفارسي – اليوناني بالنسبة للعالم أجمع ، المرحلة الأولى في الصراع بين الشرق والغرب ، ذلك الصراع الذي تابعه الاسكندر وبومبي ومعاوية وصلاح الدين.ومن بعد هم نابوليون واللّنبي .
وكان داريوس أول من بدأ النزاع مع اليونان ، لكن جيشه هُزم في معركة ما راتون سنة (490 ق.م) وكان الملك فيليب المكدوني ، قد وضع الخطط التحرير المدن اليونانية في آسيا الصغرى من سيطرة الفرس ، وبعدما قُتل اغتيالاً ، حمل ابنه الاسكندر المسؤولية .
بدأ الاسكندر هجومه على الفرس، والتقى بداريوس الثالث ومعه قطيع بشري يقرب من مائة ألف جندي من أبناء الامبراطورية الفارسية ، مختلفون في كل شيء . بينما كان لدى الاسكندر جيش صغير لا يتعدى (30) ألف جندي . وقد استطاع اليونانيون بمهارتهم العسكرية ، أن يقابلوا جيش الفرس ويهزمونه في معركة ايسوس issus عند خلیج اسكندرون في العام (333 ق.م) . و بينما هرب داريوس مع فلول جيشه نحو الشرق ، كان الاسكندر يتابع مسيرته الظافرة ، حيث أكمل احتلال سوريا ثم مصر قبل أن يتجه شرقاً للقضاء على الفرس.
وبعد موت الاسكندر في بابل في العام (323 ق.م) اقسم قوّاده امبراطوريته. وكانت سوريا من نصيب القائد سلوقوس ( 312 – 200 ق.م) وعاصمتها مدينة أنطاكية.
الرومان يدخلون سوريا
في العام (64 ق.م) اصبحت سوريا ولاية رومانية موحدة ، وظلت عاصمتها أنطاكية .
جرّد الرومان عدة حملات ضد الفرس (الفرتيين) الطامعين بالعودة الى سوريا . وقد أدّى ذلك الى انسحاب الفرتيين من سوريا كلها. لكن الفرس قاموا بعد ذلك بغزونة كبرى على سوريا (40- 38 ق.م) أدت الى اخراج الرومان منها باستثناء صور، إلا أن الامبراطور اوغسطوس Augustus أول اباطره الرومان (27 ق.م – 14م) عمل على استعادتها.
وفي عهد هذا الامبراطور ولد السيد المسيح.
عودة الخطر الفارسي
في عام (540) زحف الملك كسرى أنو شروان على شمال سوريا وأشعل النار في حلب، وسار إلى انطاكية ، التي نهبها المهاجمون، كما تجددت المنازعات بين البيزنطيين والفرس ، وقد كان لها أثر كبير في إضعاف الطرفين ، مما سهّل دخول العرب الغزاة إلى المنطقة وتجريد الامبراطورية البيزنطية من أفضل أقاليمها، والقضاء على الامبراطورية الفارسية.
سوريا والعصر العربي
كانت فارس وبيزنطة أهم دولتين تتمعان بقوة عالمية . وتتصارعان على النفوذ في سوريا وبلاد النهرين وفي عام (628) استرجع الامبراطور البيزنطي (هرقل) سوريا من الفرس ، بعد أن اجتاحها خسرو الثاني (611 – 614 ) وأعمل فيها الدمار والنهب اینما توجه ،وروّع اهلها بالقتل والأسر، ودمركنيسة القيامة في القدس بعدما نهب ما فيها من كنور وتحف ، ومنها خشبة الصليب وفي عام (629) – انتصر هرقل على الفرس، وفي (14) أيلول من ذلك العام واسترجع خشبة الصليب .
وبعد عام من وفاة ( النبي محمد ) ثم للعرب اعداد العدة لغزو البلدان المجاورة . وفي عام (633) كانت طلائع (الفتح ) قد وصلت الى سوريا واجتاحت جنوب فلسطين ودخلت دمشق في (10 أيلول / سبتمبر)
واستمر الصراع على سوريا بين البيزنطيين والعرب براً وبحراً. واستمرت الصلات العدائية المتبادلة بين الطرفين طوال العهدين الأموي والعباسي ، حيث كان النصربين المّد والجزر.
طلائع العصور المظلمة
بعد حوالي قرن من قيام الامبراطورية العربية الاسلامية، تفككت الدولة من تلقاء نفسها ، بعد خمود حركة الفتح . وبسبب تباين الشعوب والبيئات والمطالب والأهداف، وتنائي الاقطار. وقامت دويلات عديدة مثل الحمدانيين والفاطميين والسلاجقة و الأيوبيين والمماليك ، وتعرضت سوريا لغزوات الفرنج والمغول، وصارت مثل الكرة التي تتقاذفها الأيادي.
وعقب حكم المماليك وحكمهم السيئ الذي يتحدى الوصف. قامت سلطة الأتراك العثمانيين في أوائل القرن (16) وعندها وبعدها ، خيم على سوريا ظلام طويل شامل ، امتد على مدى أربعة قرون كاملة حتى أوائل القرن العشرين.
واخيراً نخلص الى القول، أن السوريين عاشوا مغلوبين على أمرهم ، وسط اطماع الآخرين وصراعاتهم ،التي ما زالت قائمة الى اليوم.
