
بقلم دكتورة / مريم المهدي
بعد تفشي فيروس “هانتا” المرتبط بسفينة الرحلات البحرية “إم في هونديوس”، عادت هذه العدوى النادرة إلى واجهة الاهتمام العالمي، مثيرة أسئلة أساسية حول طبيعتها، وطرق انتقالها، ودرجة خطورتها الحقيقية. وفي خضم ذلك ، تسارع دول عدة الزمن لتعقّب الركاب والمخالطين واحتواء بؤر الفيروس، في سباق صحي يعيد إلى الأذهان شبح جائحة كوفيد-19، وما رافقها من قلق عالمي واضطراب في أنظمة المراقبة الصحية.
أثار تفشي فيروس “هانتا” على متن سفينة الرحلات البحرية “إم في هونديوس” حالة استنفار صحي دولية، بعدما أعلنت منظمة الصحة العالمية في الثالث من مايو وفاة ثلاثة أشخاص، هم زوجان هولنديان ومواطنة ألمانية، على صلة بالتفشي المرتبط بالسفينة، قبل أن تؤكد في الخامس من الشهر ذاته تسجيل خمس إصابات مؤكدة مرتبطة بالسفينة منذ انطلاق الرحلة من الأرجنتين في أبريل الماضي.
وتسابق السلطات الصحية في عدة دول الزمن لتعقب الركاب والمخالطين واحتواء العدوى، وسط مخاوف من انتشار السلالة المعروفة باسم “أنديز”، وهي النوع الوحيد من فيروسات “هانتا” القادر، في حالات نادرة، على الانتقال بين البشر عبر المخالطة القريبة. وفي ميناء بجزيرة تينيريفي الإسبانية، بدأت الأحد عملية إجلاء نحو مئة من الركاب وأفراد الطاقم من السفينة، وفقا لما أعلنت وزارة الصحة الإسبانية.
* قصة ظهور فيروس ( هانتا ) مؤخرا ورعب كوفيد 19.. والذي لا يوجد له أي لقاح او علاج :
لم يقع في خلد أحد أن تتحول رحلة سياحية إلى كابوس غيب أرواحا وأعاد إلى أذهان الناس شبح جائحة كوفيد-19. بدأت القصة على متن سفينة الرحلات البحرية “إم في هونج ديوس” التي انطلقت من ميناء مدينة أوشوايا أقصى جنوب الأرجنتين، في الأول من أبريل ، في رحلة كان يفترض أن تكون مغامرة نادرة بين قارة أنتاركتيكا، ومجموعة من الجزر الأطلسية.
لكن، وبعد أيام، أصيب راكب هولندي مسنّ بأعراض بدت في البداية عادية تشبه الإنفلونزا، من حمى وصداع وآلام في البطن وإسهال، فاعتُبرت حالة عدوى عابرة لا تثير القلق. لكن خلال ساعات، تدهورت حالته بشكل مفاجئ وتوفي على متن السفينة، لتبدأ بعدها سلسلة من الإشارات المقلقة مع ظهور حالات مشابهة بين ركاب آخرين. في البداية ساد الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بعدوى محدودة داخل السفينة، غير أن تزايد الحالات وتنوعها بين جنسيات مختلفة دفع الطاقم الطبي للتدخل، قبل أن تكشف التحاليل ارتباطها بفيروس “هانتا أنديز”. لاحقا، تبيّن أن بعض الركاب كانوا قد غادروا السفينة إلى دول مختلفة قبل اكتشاف خطورة الوضع، ما حوّل الحادثة من مرض معزول إلى تفش معقد أوسع نطاقا، استدعى تتبعا واسعا للركاب والمخالطين في أكثر من دولة وإجراءات حجر صحي مشددة. وحتى الآن، سجّلت منظمة الصحة العالمية ست إصابات مؤكدة بفيروس “هانتا” من بين 8 حالات مشتبه بها، بما في ذلك 3 وفيات جراء هذا الفيروس المعروف والنادر، ولا يوجد له أي لقاح أوعلاج .
* في هذا السياق، أكدت المنظمة أنها تتوقع ظهور إصابات إضافية، لكنها لا ترى مؤشرات على ( خطر وباء ) عالمي مماثل لكوفيد، مشددة على أن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضا.

* ماهو فيروس هانتا وما أعراضه ؟ :
تنتمي فيروسات “هانتا” إلى مجموعة من العوامل المرضية التي تسبب أمراضا خطيرة تصيب الجهاز التنفسي والكليتين ، والتي وقد تؤدي إلى الوفاة. ولا يوجد حتى الآن لقاح أو علاج نوعي مضاد للفيروس ، فيما تقتصر الرعاية الطبية على علاج الأعراض ومواجهة المضاعفات فقط.
ويعود اسم الفيروس إلى نهر “هانتان” الواقع بين الكوريتين ، حيث ظهرت إصابات واسعة بين الجنود خلال الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي. وتوجد أنواع متعددة من الفيروس تختلف بحسب المناطق الجغرافية والأعراض التي تسببها، إلا أن سلالة “أنديز” المنتشرة في الارجنتين وتشيلي تعد الوحيدة المعروفة بإمكانية انتقاله بين البشر.
وتبدأ أعراض الإصابة غالبا بعلامات شبيهة بالإنفلونزا، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات، قبل أن تتطور إلى مضاعفات خطيرة. وأكثر الأمراض المرتبطة بفيروس ( هانتا ) شيوعا هما متلازمة الرئة المرتبطة بالفيروس، المنتشرة في القارة الأمريكية، والحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية، المنتشرة في أوروبا وآسيا.
وفي هذا السياق فأن الفيروس لا يُعد مرضا واحدا بقدر ما هو(عائلة ) تضم عدة ( فيروسات ) مختلفة، شأنه في ذلك شأن عائلات فيروسية أخرى معروفة مثل كوفيد 19 الفيروس الخلوي التنفسي .إذ تنتمي جميعها إلى عائلات محددة تختلف خصائصها ودرجة خطورتها”.
* كيف ينتقل الفيروس ؟
تنتقل العدوى عادة من القوارض البرية المصابة، خصوصا الفئران والجرذان، عبر البول أو اللعاب أو الفضلات. ويمكن أن يصاب الإنسان عند استنشاق غبار ملوث بإفرازات القوارض أو نتيجة الاحتكاك المباشر بها. وتوضح السلطات الصحية أن خطر العدوى يزداد في المناطق الريفية والغابات والمباني المهجورة التي تشكل بيئة مناسبة للقوارض الحاملة للفيروس. وترجح ( منظمة الصحة العالمية ) أن يكون الزوجان الهولنديان قد أُصيبا بالفيروس خلال جولة سابقة في الارجنتين وتشيلي والأوروغواي قبل الصعود إلى السفينة ، ضمن رحلة لمراقبة الطيور في مناطق تنتشر فيها القوارض الناقلة للمرض. وتعمل السلطات الأرجنتينية حاليا على إعادة تتبع خط سير الزوجين، خاصة في منطقتي نيوكوين ميسيونيس المعروفتين بتوطن الفيروس، كما سترسل فرقا تقنية إلى أوشوايا لاصطياد القوارض وفحصها.
* استنفار دولي واجراءات مشددة :
دفعت طبيعة الرحلة الدولية وتوزع الركاب على عدة دول إلى إطلاق عمليات واسعة لتعقب المخالطين وفرض إجراءات وقائية. ففي هولندا، استقبلت السلطات ثلاثة ركاب جرى إجلاؤهم من السفينة لتلقي العلاج، اثنان منهم في حالة خطيرة. وفي جنوب أفريقيا، يتلقى بريطاني العلاج في العناية المركزة بجوهانسبرغ بعد تأكيد إصابته، بينما أكدت سويسرا إصابة راكب يخضع للعلاج في زيورخ . أما في ( بريطانيا ) ، فقد فرضت العزل المنزلي على عدد من الركاب الذين غادروا السفينة في جزيرة سانت هيلينا، فيما تواصل السلطات تتبع مخالطين آخرين. وفي الولايات المتحدة، أعلنت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية أن نتائج الفحوص أثبتت إصابة أمريكي من بين 17 شخصا تم إجلاؤهم من السفينة، فيما ظهرت أعراض طفيفة على راكب آخر لم تُؤكَّد إصابته بعد. كما يخضع رجلان في ( سنغافورة) للعزل والفحوص، بينما فرضت كندا الحجر الذاتي على ثلاثة أشخاص، أحدهم لم يكن على متن السفينة لكنه سافر على الرحلة الجوية نفسها مع راكبين كنديين.
فيما يرجح أن تقلع الرحلات الأخيرة . وسيخضع الركاب لفحوص فور وصولهم إلى بلدانهم ، على أن يُنقلوا إما إلى مستشفيات محلية أو مراكز حجر صحي أو إلى منازلهم للعزل الذاتي. كما ذكرت المسؤولة في منظمة الصحة العالمية ماريا فان كيركوف أن المنظمة أوصت بفرض حجر صحي مدته 42 يوما على جميع ركاب السفينة .
وقالت الحكومة الإسبانية إن الركاب الإسبان سيظلون في المستشفى طوال فترة الحجر الصحي البالغة 42 يوما، في حين ذكرت الحكومة الفرنسية أن الركاب الفرنسيين سيدخلون إلى المستشفى 72 ساعة، على أن يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم للعزل الذاتي 45 يوما أخرى . وفي ( اليونان ) ، قال مسؤولون إنه تم وضع الراكب اليوناني الذي تم إجلاؤه في الحجر الصحي بمستشفى جامعة اتكون العامة في أثينا، وسيبقى 45 يوما.
* إجراءات فرنسية هي الأشد في أوروبا :
أظهرت الفحوصات إصابة فرنسية من الركاب الذين تم إجلاؤهم من السفينة بالفيروس وفقا لما أعلنت وزيرة الصحة ستيفاني ريست ، ومن أصل الفرنسيين الخمسة الذين أُعيدوا إلى باريس ووُضعوا في الحجر الصحي، ذكرت الوزيرة متحدثة لإذاعة فرانس إنتر الإثنين أن حالة امرأة “تدهورت للأسف هذه الليلة” و”أظهرت الفحوصات إصابتها” وقد تقرر أن يعقد رئيس الوزراء سيبا ستيان لوكورونو اجتماعا جديدا بعد بهذا الشأن.
من جانبه، أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن المنظمة تعمل مع الدول المعنية لتعقب المخالطين ومراقبة المعرضين للفيروس بهدف الحد من أي انتشار إضافي.
وتحسبا لأي تطورات وتجنبا لسيناريو كوفيد-19 اعتمدت باريس مبكرا حزمة إجراءات صحية مشددة لمواجهة خطر انتشار فيروس هانتا، إذ أصدرت الحكومة مرسوما ينص على عزل جميع الركاب القادمين من السفينة “إم في هونديوس” فور وصولهم، ووضعهم تحت المراقبة الطبية المباشرة، بما في ذلك نقلهم إلى مستشفى بيشا في باريس. كما أكدت وزارة الصحة الفرنسية تسجيل 22 حالة مخالطة داخل البلاد ، مع إخضاع كل شخص خالط مصابا أو يُشتبه في تعرضه للفيروس لإجراءات حجر صحي أو عزل إلزامي، بحسب درجة الخطورة وظروف الاتصال. وحددت السلطات مدة الحجر أو المراقبة الصحية بما قد يصل إلى 42 يوما، تماشيا مع توصيات منظمة الصحة العالمية، نظرا لفترة حضانة الفيروس التي قد تمتد لأسابيع.
وزيرة الصحة أوضحت أن هذه الإجراءات التي تعد “الأشد في أوروبا” تهدف إلى قطع سلاسل العدوى في بدايتها ومنع أي انتقال محلي محتمل، مؤكدة أن الهدف الأساسي هو حماية الصحة العامة واحتواء الوضع بأسرع وقت ممكن.
* الركاب المتبقيين لم يظهرعليهم اي اعراض :
أعلنت شركة “أوشن وايد إكسبيديشنز” للرحلات البحرية، المشغلة للسفينة، أن 30 راكبا من 12 جنسية على الأقل، غادروا السفينة خلال توقفها في 24 نيسان/أبريل في جزيرة سانت هيلينا البريطانية. وقالت إن الركاب المتبقين لا يظهرون أي اعراض. “أبلغت منظمة الصحة العالمية الدول الـ 12 التي نزل رعاياها في سانت هيلينا. وهذه الدول هي كندا، الدانمارك، وألمانيا، وهولندا، ونيوزيلندا، وسانت كيتس ونيفيس، وسنغافورة، والسويد، وسويسرا، وتركيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة”. كما أعلنت المنظمة أن الأرجنتين سترسل نحو 2500 مجموعة اختبار للفيروس إلى خمس دول.
ولكن الاهم والمطمئن ان ماريا فان كيركوف مديرة قسم الوقاية والتأهب في وجه الجوائح والأوبئة في منظمة الصحة العالمية اعلنت، إن تفشي فيروس هانتا على سفينة سياحية، “ليست بداية وباء. ليست بداية جائحة”. وتسعى المنظمة التابعة للأمم المتحدة إلى طمأنة الرأي العام الدولي مع مخاوف من انتشار الفيروس على نطاق عالمي، مشيرة إلى أن خطر تفشي الوباء “منخفض”.

