
أ.م.د. سهام عبد الباقى محمد
رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية بولاية منيسوتا الامريكية
المركز الرئيسي
في ذكري الإحتفال بنصر حرب أكتوبر المجيدة الخمسون،إنما نسترجع بطولات جيش وشعب دافع عن أرضه وعزته وكرامته حتى بلغ النصر ورفع رايته خفاقة على أرض سيناء الحبيبة لتروى عبر الأجيال قصة كفاح شعب مصر التى غيًرت تاريخ مصرنا الحديث بعد سنوات من المٌحاولة والكر والفر واجهت فيها مصر إسرائيل فى ثلاثة مواجهات عسكرية الأولى عام 1956 ( العدوان الثلاثي) ، والثانية عام 1967 المعروفة ب ( حرب الأيام السته) بينما الثالثة والأخيرة كانت فى أكتوبر 1973م، وما بين النكسة والنصر واجه المجتمع المصرى كثير من التحديات، والأزمات التى أسهمت فى إحداث بعض التغيرات فى الشخصية المصرية، والقيم المٌجتمعية، وفى صناعة الفن والسينما المصرية التى كان لا بد لها أن تجذب الجماهير فى هذا الوقت لتحسن من حالته المزاجية بأوامر القيادة العليا حينها . فعلى الجانب النفسى خيّم على المصريين حزن شديد بعد تلقى الجنود المصريين أومر قيادية بالإنسحاب من سيناء أبان نكسة 67 بعد أن استولت إسرائيل على حدود سيناء حتى شرق قناة السويس رغم ذلك ظلوا صامدين، واثقين بربهم وبعدالة قضيتهم، مٌلتفين حول قيادتهم العسكرية مٌمثلة فى الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” الذى هامت به جموع الشعب المصرى حباً وإجلالاً. ورغم تسلل اليأس إلى بعض المصريين من النصر على إسرائيل، ورغم التخبط النفسى الكبير الذى أصابهم لم يستسلموا لأحزانهم فقاموا بإطلاق بعض الفكاهات، والنوادر عن النكسة من قبيل الترويح عن النفس، فالمصرى معروف بروحه المرحة حتى فى أشد واقصى لحظات حياته لذا يقال عنهم (شعب ابن نكته) أى يسخر ويضحك من أحزانه وأوجاعه.
كما تغيرت بعض الأدوار الإجتماعية وخاصة ما يٌطلق عليها “الجندرية” والتي تتير بمرور الوقت بتأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فظهرت الفدائيات، وشاركت كثير من النساء فى العمليات العسكرية، والمظاهرات المٌطالبة بتحرير الأرض، وانخرطت كثير من المصريات فى منظمه الهلال الأحمر للتدريب على أعمال التمريض وتضميد جراح المٌصابين العسكريين والمدنيين اللذين إستهدفتهم هجمات إسرائيل أنذاك كما حققت المرأة فى القبائل السيناوية عديد من البطولات تمثلت فى عمليات التمويه لإخفاء أثر تحركات الجنود المصريين من خلال عمليات رعي الأغنام بعد انتهاء العمليات العسكرية. وضربت لنا السيدة “فهيمة” الحدى نساء سيناء، أكبر أمثلة الفداء حين قامت بإخفاء أحد الجنود المصريين فصنعت له حفرة فى خيمتها وضعت له فيها ما يلزمه من مأكل ومشرب حتى لا ينكشف أمره. لذا منحها الرئيس الراحل محمد انور السادات نوط الشجاعة من الطبقة الأولى لتكون أول سيدة يتم منحها هذا الوسام. وقامت السيدة “فرحانه” كذلك بدور استخباراتى خلف خطوط العدو فبرغم أميتها كانت تراقب القوات الإسرائيلية وترسم شكل أرقام ، وحروف الأهداف الإسرائيلية على الرمال حتى تحفظها ثم تمحو أثرها وتذهب للمخابرات الحربية وتعيد رسمها، كما تطوع كثير من السيناويات كفدائيات فى منظمة سيناء العربية التى أنشأتها المٌخابرات رغم مخالفة تلك الأعمال للأعراف السيناوية المٌحافظة التى حصرت المرأة فى بعض الأدوار المنزلية إلى جانب ممارسة الرعى لتثبت لنا القبائل البدوية أنه فى حب الوطن لا سبيل إلى ثقافة التمييز بين الجنسين.
وفيما يخص الجنود المصريين فقد تملكهم الشعور بالخجل والعجز أمام شعب علًق علية أمال وأحلام النصر مما أدى إلى التراجع النفسى لرجال القوات المسلحة، لتزعزع ثقة الشعب المصرى فيهم أنذاك، ولم يقف الإحتقان والحزن أبان نكثة 67 إلى هذا الحد أنما إمتد للقيادة السياسية ليٌفاجىء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر جموع الشعب المصرى بقراره بالتنحى إستشعارًا لمسؤليته عن الهزيمه كرئيس للبلاد حتى خرجت جموع المصريين بالشوارع يطالبونه بالعدول عن قرار التنحى فاستجاب لهم، بينما إستمرت إسرائيل فى شن هجماتها على المدنيين وإطلاق الغارات. وعمل المجازر بمدن القناة الإسماعيلية، والعريش، وبور سعيد، وعلى قبائل سيناء لبث الفزع والخوف فى قلوب المصريين مما أثار غضب عارم فى كل فئات المجتمع المصري حكومة وجيشًا وشعبًا،خاصة بعدما استعرضت إسرائيل قوتها العسكرية بعد النكسة. لزعزعة ثقة الجيش المصرى فى إمكانياته العسكرية وقدراته الحربية وهز ثقة الشعب المصرى بجيشه.
وفى تلك الأثناء تغيرت خارطة الفن المصرى وأنتشرت الأفلام الكوميدية من أجل بث البهجه والسعادة إلى قلوب المصريين الحزينة، فبرزت على الساحة الفنية أفلام كوميدية لأن القيادة السياسية لم تسمح بإنتاج أفلام عن النكسة مما أجبر المنتجين إلى التعبير عن الأوضاع السياسية بصورة رمزية، كالحديث عن الأرض والظلم والإستبداد من هذه الأفلام ما تم إعتباره علامات فى الساحة الفنية كأفلام الأرض، شىء من الخوف، قنديل أم هاشم الذى كان يعكس إتجاه بعض البٌسطاء من المصريين نحو الدروشة أو الإيمان المٌطلق بكرامات الأولياء بعيدًا عن الأخذ بالأسباب المادية. فكانت الحالة الفنية ممثلة فى صناعة السينما، والغناء إنعكاسًا للقيم الجديدة والتغيرات التى أحدثتها النكسة بالمجتمع. فظهرت الأغانى الوطنية التى ألهبت حماس المصريين وتربع على عرشها الفنان “عبد الحليم حافظ”. بعدما قام بخلغ بدلته الكلاسيكيه ليرتدى زي الجندي المحارب، لينقل المصريين بصوته الرخيم القوى الى ساحات القتال، ظهرت أاني فدائي ، وعدى النهار-وحكاية شعب. كما فعلت كوكب الشرق السيدة “أم كلثوم” فأنشدت رباعيات النكسة، والله معك ، وقم واسمعها فأنا الشعب وهو نشيد يطالب الشعب بالبقاء خلف الزعيم . كما قدمت العديد من الحفلات خارج مصر وتبرعت بأجرها للمجهود الحربي ومن الشعراء الذين برزوا فى تلك الفترة الشاعر “عبد الرحمن الابنودى” بكلماته التى كانت كصوت طلقات المدافع وصيحات الجنود. ومثلما فرضت الهزيمة ثقافة الخذلان والتخبط فرضت ثقافة التخطيط لحرب أكتوبر ثقافة الأمل إيجابية وإنعكست ذلك على الحياة اليومية والساحة الفنية بعدما سمح الرئيس”السادات” بعرض الأفلام التى تناولت النكسة كفيلم “أغنية على الممر” الذى دارت أحداثة عن مجموعة من الجنود المٌحاصرين في الجبهة. وكان الفنانون يقومون بإقامة حفلات بالخارج والتبرع بإيردها لدعم الجيش المصرى وكانت كل الفئات الشعبية تقوم بدعم تسليح الجيش المصرى، وتضاعفت أعداد المتطوعين بالجيش المصرى، وأصبح الشعب المصرى قادر على الحديث عن هزيمته بل والتغني بها كما في كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي “وبلدنا عالترعه بتغسل شعرها جاها نهار مقدرش يدفع مهرها”، وينتظر نصر بات يراه وشيكا.واستمر الجيش فى إعداد العدة والتخطيط للنصر حتى حققه فى 6/ أكتوبر/1973 ليصبح هذا التاريخ علامة فارقة في تاريخ مصر وفى المنطقة العربية لتعود لمصر مكانتها وعزتها وتتوثق ثقتها بقيادتها وبقواتها المسلحة التى ضحضت كل المزاعم حول قوة لا تٌقهر قهرتها خراطيم مياه القناة ونسفت معه العدوان الاسرائيلى بسيناء لتمتزج اغانى النصر بزغاريد المصريات فرحة بقدوم أبنائهم الجنود، وفرحة تلقيهم نبأ أستشهادهم فداء للوطن، لتطوى مصر صفحة الحرب ولتفتح صفحة البناء والاعمار والتشييد، وإقامة مشروعات كبرى بسيناء حتى تم إستردادها بالكامل وعادت الملاحة إليها. ليثبت الشعب المصرى للعالم بأسره أن مصر رغم كل التحديات والمحن تكتب الكلمة الأخيرة وتنشر ثقافة المحبة والسلام وختامًا ألف سلامًا وتحية لبطل الحرب والسلام.







