
بقلم سمير لوبه
لا يعرف أحدٌ من أين جاء، ولا لماذا اختار هذه المدينة الساحلية بالذات. رجلٌ طويل القامة، يرافق البحر خطاه، مائل الكتفين كمن يحمل ثقلًا على ظهره. بين أصوات الصيادين والنوارس ورائحة السمك بخفةٍ يطير، حين يمرُّ في الميناء تلتفت إليه العيون.
كان اسمه، أو على الأقل الاسم الذي اختاره لنفسه، “سواح”. لم يبح لأحدٍ باسمه الحقيقي، يبتسم دائمًا حين يسألونه:
– سواح؟ من أي البلاد؟
فيرد بصوتٍ منخفضٍ:
- من مكانٍ أبعد من أن يُسمَّى.
يعيش سواح بلا بيتٍ. ينام على مقعدٍ حجري عند حافة رصيف الصيادين ، وأحيانًا أخرى فوق سطح إحدى المراكب الراسية.
غريبٌ أنه لم يكن يملك شيئًا تقريبًا، سوى حقيبةٍ قديمةٍ بداخلها بقايا ملابسَ مالحةٌ وريشةُ طائرٍ بيضاءَ ضخمةٌ، لا تشبه ريش النوارس؛ فهي أطول.
احتضنته المدينة احتضان رمال الشط لموجةٍ جاءتها تحبو. يظهر سواح فجأةً ويختفي فجأةً، ثم يعود وكأن شيئًا لم يكن. نُسِجَت حوله أساطيرُ.
في مقهى قديمٍ يطلُّ على رصيف الصيادين، اعتاد الجلوس في الركن. لا يشرب سوى كوب شايٍ واحدٍ بدون سكر. وعندما يطلبون منه أن يحكي، يبدأ في رسم دوائرَ على الطاولة بسبابته، ثم يقول:
- هناك من كُتب عليه أن يظلَّ محلّقًا، لا يعود إلا ليرحل.
ينصت الصيادون له بجديةٍ، فهم أيضًا لوقتٍ طويلٍ لا يرون اليابسة إلا كخطٍ بعيدٍ يرتجف عند الأفق.
يجتاح الميناء في إحدى الليالي نوةٌ مفاجئةٌ. تصرخ الرياح، تلطم الأمواج السفن بعنفٍ، يركض الصيادون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وحده سواح ظلَّ واقفًا عند حافة الرصيف، يفتح ذراعيه على اتساعهما يستقبل الريح العاصفة. رآه الجميع يبتسم، والريشة البيضاء الكبيرة في يده يرفعها لأعلى .
تهدأ النوة فجأةً، كما بدأت فجأةً.
تمرُّ السنوات، وتعتاد مدينة الشتاء وجود سواح.
وذات مساءٍ ركب سواح البحر ولم يعد. بحثوا عنه، ولم يجدوا سوى حقيبته القديمة فارغةً.
بعد شهورٍ، وعلى المقهى يدَّعي أحد الصيادين أنه رأى طائرًا ضخمًا أبيضَ يحلق فوق مركب الصيد، بجناحين يمتدان أكثر من ثلاثة أمتارٍ، يراقبهم، ثم يختفي في الضباب. يقسم الصياد أنه نظر إليه بنفس عيني سواح.
لم يصدقه أحدٌ. لكن كلما جلسوا أمام رصيف الصيادين، يرفعون رؤوسهم، يبحثون في السماء عن طائرٍ ضخمٍ أبيضَ.
ولم يعرف أحدٌ، إلى يومنا هذا، هل رحل سواح أم عاد إلى أصله طائرًا بلا وطن؟!
