
بقلم: حيدر الأديب / كاتب من العراق
تدخل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط طوراً تحكمه الرغبة في استعادة زمام المبادرة، بعد سنوات توزعت فيها القوة بين أطراف إقليمية ودولية وجماعات مسلحة فرضت حضورها على حساب الدولة. ومن يتابع خريطة التحركات الأميركية يلمس سياسة تنضج خلف ضجيج السلاح، غايتها إعادة ترتيب موازين المنطقة وتثبيت موقع واشنطن في مركز القرار الأمني والسياسي.
تنظر الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط بوصفه مساحة حيوية تتصل بأمن الطاقة والممرات البحرية وحماية الحلفاء والمنافسة مع الصين وروسيا. وفي هذه المساحة تتداخل الملفات الإيرانية والعراقية والسورية واللبنانية والفلسطينية، وتتحول كل أزمة إلى جزء من لوحة استراتيجية أوسع. لذلك يحمل التحرك الأميركي الراهن حسابات تتجاوز حدود المواجهة مع إيران، وتصل إلى شكل النظام الإقليمي الذي سيظهر خلال السنوات المقبلة.
تعرض الردع الأميركي خلال المرحلة الماضية إلى اهتزاز واضح. توسعت الفصائل المسلحة، وتعددت الهجمات على القواعد والمصالح، وازدادت قدرة إيران على تحريك جبهات متباعدة في وقت واحد. كما دخلت الصين إلى المنطقة عبر الاقتصاد والاستثمار والطاقة، وعززت روسيا حضورها السياسي والعسكري. تراكمت هذه التحولات حتى أصبحت واشنطن أمام ضرورة ترميم صورتها بوصفها القوة القادرة على حماية مصالحها وحلفائها.
من هنا يأتي التركيز على القوة السريعة والدقيقة. تمنح الضربات الجوية، والعمليات الاستخبارية، والسيطرة البحرية، والعقوبات المالية، واشنطن قدرة واسعة على إنهاك الخصم وتقييد حركته. وتحفظ هذه الأدوات حرية القرار الأميركي، وتخفض الكلفة البشرية والسياسية، وتسمح بتوسيع الضغط أو تخفيفه وفق تطورات الميدان.
تسعى واشنطن إلى دفع إيران نحو الانشغال بداخلها، وتقليص قدرتها على إدارة ساحات متعددة في المحيط العربي. وتشمل هذه الغاية البرنامج الصاروخي، وشبكات التسليح والتمويل، والنفوذ داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحضور في مياه الخليج والبحر الأحمر. ومن وجهة النظر الأميركية، يشكل انتشار هذه الأدوات منظومة متكاملة تتيح لطهران التأثير في قرارات عدة عواصم ورفع كلفة أي مواجهة مباشرة معها.
تقوم المقاربة الأميركية على تفكيك هذه المنظومة بالتدريج. يبدأ الضغط من مصادر التمويل والتحويلات المصرفية وطرق نقل السلاح، ويمتد إلى القيادات والمخازن والمواقع الحساسة. ومع كل ضربة تتسع المسافة بين إيران وحلفائها، وتزداد حاجة تلك القوى إلى الاعتماد على مواردها المحلية. وتراهن واشنطن على أن إضعاف حلقات الاتصال سيقود مع الوقت إلى انكماش النفوذ الإيراني داخل الحدود الوطنية لكل دولة.
يحمل هذا المسار خطراً كبيراً، لأن إيران تملك خبرة طويلة في امتصاص الضغط والبحث عن ساحات بديلة. وقد تختار طهران توزيع الردود على مساحات جغرافية واسعة، بما يربك الحسابات الأميركية ويرفع القلق في أسواق النفط والممرات البحرية. كما تستطيع استخدام الوقت لإعادة بناء بعض قدراتها، مستفيدة من علاقاتها مع روسيا والصين وشبكات التجارة غير الرسمية.
لهذا تحتفظ الدبلوماسية بمكانها داخل الاستراتيجية الأميركية. فالمفاوضات في العرف السياسي لواشنطن تأتي امتداداً لموازين القوة على الأرض. وكلما ارتفعت كلفة الصمود على الطرف الآخر، اقتربت لحظة الجلوس إلى الطاولة. وقد تتجه الإدارة الأميركية إلى عرض تسوية تشمل البرنامج النووي والصواريخ بعيدة المدى وأمن الملاحة ودعم الجماعات المسلحة، مقابل تخفيف العقوبات وفتح منافذ اقتصادية أمام إيران.
ستحاول طهران تجزئة الملفات، لأن جمعها في اتفاق واحد يضع معظم أوراق قوتها موضع التفاوض. وستتمسك بمساحة من النفوذ الإقليمي تمنحها ضمانة أمام أي ضغط مستقبلي. أما واشنطن فستدفع نحو اتفاق طويل الأمد يقيد قدرة إيران على استعادة نفوذها العسكري. وبين الموقفين ستنشأ مفاوضات قاسية، تتخللها جولات من التصعيد والتهدئة والرسائل المتبادلة.
يرتبط المسار الآخر للفعل الأميركي بإعادة تنظيم العلاقة مع دول الخليج. تريد واشنطن من حلفائها تحمل مساحة أكبر من المسؤولية الأمنية، عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير منظومات الرصد والإنذار المبكر، وربط الدفاعات الجوية، وتبادل المعلومات الاستخبارية. وستبقى الولايات المتحدة ممسكة بالتكنولوجيا والقيادة والغطاء السياسي، فيما تتولى الدول الإقليمية جانباً أكبر من التنفيذ والتمويل.
يفتح هذا التوجه الباب أمام قيام شبكة أمنية إقليمية تضم دول الخليج وإسرائيل ضمن مستويات مختلفة من التنسيق. وتطمح واشنطن إلى تحويل التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي إلى جزء من منظومة ردع واسعة في مواجهة إيران. وتواجه هذه الرؤية عقبة سياسية عميقة تتمثل في القضية الفلسطينية، حيث يضغط استمرارها على الحكومات العربية ويحد من قدرتها على الذهاب بعيداً في التعاون العلني.
تدرك الولايات المتحدة أن أي نظام أمني إقليمي يحتاج إلى غطاء سياسي يخفف الاحتقان الشعبي ويمنح الحكومات مساحة للحركة. لذلك ستبقى التسوية الفلسطينية حاضرة في الحسابات، حتى حين يتراجع حضورها في الخطاب اليومي. فاستقرار المنطقة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة واشنطن على الموازنة بين تحالفها مع إسرائيل وعلاقاتها الواسعة مع العواصم العربية.
ويظهر العامل الصيني في خلفية كل هذه التحركات. تعتمد بكين على نفط المنطقة وأسواقها وموانئها، وتعمل على توسيع حضورها الاقتصادي والتكنولوجي. وتريد واشنطن الاحتفاظ بقدرتها على التأثير في الطرق التي تصل آسيا بأوروبا وأفريقيا. الخليج، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، وباب المندب، تتحول جميعها إلى مفاصل في المنافسة الدولية المقبلة.
ستسعى الولايات المتحدة إلى إدارة المنطقة بانتشار عسكري مرن وقواعد قادرة على الحركة السريعة وشبكة واسعة من الحلفاء. ويمنحها هذا النموذج فرصة توجيه موارد أكبر نحو آسيا، مع الاحتفاظ بمفاتيح التأثير في الشرق الأوسط. ويصبح الحضور الأميركي قائماً على التحكم بالمجال البحري والجوي والمعلوماتي والمالي، وهي مجالات تمنح واشنطن وزناً يفوق حجم قواتها الموجودة على الأرض.
في قلب هذه الصورة يقف العراق. موقعه وثروته النفطية وحدوده مع إيران وتنوع قواه السياسية تجعله نقطة حاسمة في أي ترتيب إقليمي جديد. وتنظر واشنطن إلى العراق بوصفه الممر الذي يمكن أن يتصل عبره النفوذ الإيراني بالبحر المتوسط، كما تنظر إليه بوصفه دولة قادرة على التحول إلى عامل توازن إذا نجحت مؤسساتها في تثبيت سلطتها.
ستركز السياسة الأميركية تجاه بغداد على ملف السلاح، وحماية البعثات والقوات الأجنبية، وإصلاح النظام المصرفي، وضبط حركة الدولار، وتأمين قطاع الطاقة، وتقليص اعتماد العراق على إيران. وتملك واشنطن أدوات مؤثرة في هذه الملفات، تبدأ من العلاقة الأمنية وتصل إلى الاحتياطي المالي والتعاملات الدولية والمؤسسات الاقتصادية.
وسيواجه العراق ضغطاً متزايداً لحسم موقعه داخل المعادلة الجديدة. المطلوب عراقياً صياغة موقف وطني يحفظ العلاقة مع الولايات المتحدة، وينظم العلاقة مع إيران، ويمنح القرار الأمني للدولة. كما تملك بغداد فرصة لتوسيع شراكاتها العربية والدولية وتحويل موقعها الجغرافي إلى جسر اقتصادي وسياسي، عوض تحوله إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل.
يتجه الفعل الأميركي، في صورته الأرجح، نحو مزج القوة بالتفاوض، والضغط العسكري بالأدوات المالية، والحضور المباشر بأدوار الحلفاء. وستعمل واشنطن على إضعاف مصادر التهديد، ثم فتح باب التسويات وفق الشروط التي تنتجها موازين القوة الجديدة. وقد تستمر هذه السياسة زمناً طويلاً، لأن إعادة تشكيل الإقليم تحتاج إلى تراكم سياسي وأمني يتجاوز نتائج أي جولة عسكرية.
المشهد المقبل سيمنح الدولة القادرة على قراءة التحولات فرصة لحماية مصالحها، وسيضع الدولة المنقسمة أمام أثمان ثقيلة. فالولايات المتحدة تتحرك وفق رؤية ترتبط بمكانتها العالمية، وإيران تتحرك وفق حسابات النفوذ والبقاء، ودول المنطقة تبحث عن الأمن والاستقرار. وبين هذه المشاريع يحتاج العراق إلى مشروعه الخاص، لأن موقعه في النظام الإقليمي المقبل سيتحدد بقدرته على اتخاذ القرار، وحماية سيادته، وإدارة علاقاته من موقع الدولة.







