
بقلم خالد الحديدي
كثيرًا ما نتعامل مع فشل الإصلاح وكأنه حكاية أشخاص؛ يظهر رجل يمتلك رؤية مختلفة، يتحدث عن ضرورة التغيير، يحاول أن يفتح نافذة في جدار الواقع، ثم يجد نفسه وحيدًا في مواجهة مقاومة واسعة، فنقول بعد ذلك إن المجتمع لم يفهمه، أو إن خصومه أسقطوه، أو إن الزمن لم يكن مناسبًا له. لكن هذه القراءة، على بساطتها، تخفي سؤالًا أكثر أهمية: ماذا لو لم تكن المشكلة في المصلح نفسه، وإنما في البيئة التي ظهر فيها؟ وماذا لو كان المجتمع قادرًا على إنتاج شخص يدعو إلى التغيير، لكنه غير قادر في الوقت نفسه على إنتاج الشروط التي تجعل هذا التغيير ممكنًا ومستمرًا؟
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ عندما يعلن شخص عن فكرة جديدة، وإنما يبدأ عندما تكون هناك قابلية اجتماعية لاستقبال هذه الفكرة. أما إذا كان الواقع قد بنى حول نفسه شبكة من المصالح والعادات والمخاوف والتبريرات، فإن صاحب المشروع الإصلاحي لا يدخل إلى أرض محايدة، وإنما يدخل إلى عالم اعتاد توازنه، حتى لو كان هذا التوازن قائمًا على الخلل. ولهذا فإن مقاومة الإصلاح لا تأتي دائمًا من الذين يحبون الفساد أو الاستبداد بصورة مباشرة، وإنما قد تأتي من أشخاص عاديين يخافون من فقدان ما اعتادوه، أو من تغيير قواعد يعرفون كيف يعيشون داخلها وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الإصلاح قسوة: أن الإنسان قد يكره النتيجة التي أنتجها النظام القديم، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بالأدوات التي تعيد إنتاجها يشكو من الفوضى، لكنه يرفض القانون حين يقف في طريق مصلحته. يشكو من المحسوبية، لكنه يبحث عن واسطة عندما يحتاج إلى خدمة يرفض التخلف، لكنه يخاف من الأفكار التي تهز ما اعتاد عليه يريد مجتمعًا مختلفًا، ولكنه يريد أن يصل إليه من دون أن يدفع ثمن التغيير.
ولذلك فإن الإصلاح حين يتحول من كلام إلى فعل يبدأ في إزعاج الجميع تقريبًا، لأنه لا يطلب منهم أن يصفقوا لفكرة جديدة، بل يطلب منهم أن يتخلوا عن أشياء قديمة. وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الخلاف من خلاف حول الأفكار إلى صراع حول المصالح والمواقع والعادات. عندها لا يعود السؤال: هل الإصلاح صحيح؟ وإنما يصبح: ماذا سأخسر إذا حدث الإصلاح؟
ومن هنا يمكن فهم لماذا يتعرض أصحاب المشاريع الجديدة أحيانًا لحصار لا يبدو في ظاهره منظمًا، لكنه يؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها. تبدأ الحكاية بالتشكيك في الشخص بدل مناقشة فكرته، ثم اتهامه بالمبالغة، ثم تصويره باعتباره خطرًا على الاستقرار، ثم البحث عن أخطائه الشخصية، ثم إغراق فكرته في ضجيج جانبي حتى يفقد الناس القدرة على رؤيتها. وهكذا يتم التخلص من الفكرة دون الحاجة إلى الرد عليها.
لكن أخطر ما في الأمر أن المجتمع قد يعتاد قتل الفكرة قبل أن تولد يصبح الجديد مريبًا لمجرد أنه جديد، ويصبح المختلف متهمًا لمجرد أنه مختلف، ويصبح السؤال نفسه مصدر إزعاج؛ لأن السؤال الجاد لا يغير الإجابة فقط، بل يكشف أحيانًا أن السؤال القديم كان جزءًا من المشكلة ولعلنا لا نحتاج إلى الذهاب بعيدًا في التاريخ لكي نرى هذه الآلية وهي تعمل أمام أعيننا فقد عرفنا في حياتنا الثقافية نماذج كثيرة لمصلحين ومفكرين حاولوا أن يفتحوا في جدار المألوف نافذة للسؤال، فكان نصيب بعضهم المواجهة، وبعضهم الإقصاء، وبعضهم النفي، وبعضهم القتل. طه حسين لم يُقتل جسديًا، لكنه خاض معارك قاسية مع بنية فكرية لم تكن مستعدة بسهولة لأن تقبل أن يصبح العقل أداة في قراءة التراث ومحمد عبده واجه مقاومة شديدة من القوى التي رأت في الإصلاح تهديدًا لما استقر من أفكار ومصالح أما فرج فودة فقد دفع حياته ثمنًا لفكره وموقفه، بينما تعرض نصر حامد أبو زيد للإقصاء وانتهى به الأمر إلى مغادرة وطنه. واختلاف مصائر هؤلاء لا يلغي وحدة السؤال الذي يجمعهم: ماذا يحدث عندما يحاول العقل أن يراجع ما تعود المجتمع على اعتباره نهائيًا؟
في هذه اللحظة يبدأ قتل الفكرة وقد لا يحتاج الأمر إلى سلاح يكفي أحيانًا أن نحاصر صاحبها، أو نشوه صورته، أو نضعه في خانة لا يستطيع الخروج منها، أو نحول النقاش من أفكاره إلى شخصه، أو نجعل المجتمع يخاف من مجرد الاستماع إليه وحين تفشل هذه الوسائل، قد تنتقل المواجهة إلى مستويات أكثر قسوة.
ولهذا ينبغي أن نميز بين الاختلاف والإلغاء فالاختلاف ضرورة لأي مجتمع حي، أما تحويل الاختلاف إلى وسيلة لإسكات المختلف فليس دفاعًا عن الحقيقة، وإنما خوف منها والمجتمع الذي لا يستطيع أن يختلف مع الفكرة إلا بمحاولة إسكات صاحبها يكشف عن عجزه عن إنتاج الحوار، وعن خوفه من أن تؤدي الفكرة إلى إعادة ترتيب ما استقر في داخله وقد يكون أكثر ما يثير الأسى أننا كثيرًا ما نكتشف قيمة المصلح بعد أن يصبح آمنًا علينا نحتفي بطه حسين بعد أن أصبح جزءًا من التاريخ، ونقرأ محمد عبده باعتباره واحدًا من رواد الإصلاح، ونتذكر نصر حامد أبو زيد بوصفه صاحب مشروع فكري كبير، ونتحدث عن فرج فودة بعد أن أصبح موته واقعة تاريخية؛ لكن السؤال الذي ينبغي أن يطاردنا هو: كيف تعاملنا مع أفكار هؤلاء وهم أحياء؟ فالمجتمع لا يُختبر بعد رحيل مفكريه، وإنما يُختبر في الطريقة التي يعامل بها المختلفين وهم بين ظهرانيه.
ومن هنا فإن قتل النخب ليس بالضرورة أن نقتل أصحابها؛ فقد نتركهم أحياء ونقتل قدرتهم على التأثير، أو نقتل مشروعهم، أو نقتل المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها أفكارهم وقد يكون هذا أخطر من قتل الفرد نفسه، لأن قتل الفرد ينهي حياة إنسان، أما قتل المشروع فيعيد المجتمع إلى النقطة التي حاول ذلك الإنسان أن يخرجه منها ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يفقد مصلحًا، وإنما أن يفقد قدرته على إنتاج المناخ الذي يحمي الإصلاح فالشخص يستطيع أن يبدأ الطريق، لكنه لا يستطيع أن يحمل الطريق كله على كتفيه إذا لم تتحول الفكرة إلى وعي عام، وإلى مؤسسات، وإلى قانون، وإلى تعليم، وإلى سلوك اجتماعي، فإنها تظل معلقة بإرادة صاحبها فإذا غاب، غابت معه، وإذا حوصر، حوصرت، وإذا هُزم، عادت الأشياء إلى مكانها القديم.
وهنا ربما يكون التعبير الأدق ليس أن المجتمعات تقتل مصلحيها، وإنما أنها تقتل شروط الإصلاح من حولهم قد تسمح للمصلح بأن يتكلم، لكنها لا تسمح لفكرته بأن تتحول إلى قوة وقد تحتفي به بعد موته، وتضع صورته في الكتب، وتطلق اسمه على الشوارع، وتقول إنه كان سابقًا لعصره، بينما تتجنب السؤال الأكثر إزعاجًا: لماذا لم يكن عصره قادرًا على الاستماع إليه وهو حي؟ إن الاحتفاء بالمصلحين بعد رحيلهم قد يكون أحيانًا طريقة مريحة للتخلص من مسؤوليتنا تجاه أفكارهم فمن السهل أن نمجد شخصًا غائبًا، لأن الغائب لا يطالبنا بتغيير شيء أما أن نأخذ فكرته على محمل الجد، وأن نعيد النظر في عاداتنا ومؤسساتنا ومصالحنا، فذلك أمر آخر
فالمشكلة في النهاية ليست أن المصلح قد يكون وحيدًا، وإنما أن المجتمع نفسه قد يكون قد تعود على أن يعيش من دون مشروع وحين يظهر مشروع حقيقي، يبدو غريبًا؛ لأنه لا يطلب تحسين الحياة القديمة، وإنما يطلب تغيير الطريقة التي تُدار بها الحياة
ولهذا فإن المجتمعات التي تريد الإصلاح لا تحتاج فقط إلى مصلحين، وإنما تحتاج إلى إنتاج الإنسان القادر على قبول الإصلاح. تحتاج إلى تعليم يعلم الفرد كيف يسأل، وثقافة لا تخاف من الاختلاف، ومؤسسات تحمي الفكرة من قوة الأشخاص، وقانون لا يتغير بتغير أصحاب النفوذ، ووعي اجتماعي يفهم أن الإصلاح ليس هجومًا على الماضي وإنما محاولة للخروج من أخطائه فالمجتمع قد لا يكون فقيرًا في العقول، وإنما فقيرًا في المساحة التي تسمح لهذه العقول بأن تعمل وقد لا يكون عاجزًا عن إنتاج الأفكار، وإنما عاجزًا عن حماية أصحابها من الخوف والتشويه والإقصاء ولذلك فإن مأساة الإصلاح ليست دائمًا في موت المصلح، وإنما في أن يموت السؤال الذي حمله معه وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: هل نحن نريد الإصلاح فعلًا، أم أننا نريد فقط أن نشعر بأننا نريده؟ فالفرق بين الأمرين كبير الرغبة في الإصلاح قد تكون مجرد أمنية، أما الإصلاح الحقيقي فهو استعداد للتغيير، والتغيير يعني أن يدفع المجتمع ثمنًا من عاداته ومصالحه وأفكاره ومسلّماته ولهذا لا يقاس استعداد المجتمع للإصلاح بعدد الشعارات التي يرددها، وإنما بقدرته على تحمل الأسئلة التي تهدم راحته، وبقدرته على حماية المختلف، وباستعداده لأن يراجع نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالمراجعة.
وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يعود المصلح استثناءً غريبًا يظهر ثم يختفي، وإنما يصبح جزءًا من حركة أوسع عندها لا يكون مصير الإصلاح مرتبطًا بمصير فرد، لأن الفكرة تكون قد خرجت من رأس صاحبها إلى وعي الجماعة وهذا هو الفارق بين مجتمع ينتظر المصلح ومجتمع يصنع شروط الإصلاح؛ الأول يعلق آماله على الأشخاص، فإذا غابوا عاد إلى ما كان عليه، أما الثاني فيبني مناخًا يجعل الإصلاح ممكنًا حتى من دون أبطال. وفي النهاية، قد لا تكون مأساة المجتمعات أنها لم تنجب المصلحين، وإنما أنها كثيرًا ما أنجبتهم ثم تركتهم يواجهون وحدهم كل ما يجب أن تواجهه الجماعة بأكملها وربما لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا ليس: أين المصلح؟ بل: هل نحن مستعدون أصلًا لأن نعيش في مجتمع لا يخاف من المصلحين؟







