
بقلم: حسين الذكر
يوم 4- 10 -1994 يوم حزين تكتنفه ذكرى جرح معمق لا يوصف بالكلام ولا يفهم بالقراءة والاستماع فان الدنيا كتاب عصي على الانسان فهمه وسيظل بعيد عنا مهما بلغنا من علم ادركنا فيها درجة العليم .. وبلغنا من العمر عتيا ..
كل ما اتذكره بطريقي للتسجيل في مدرستي ( الابتدائية المحمدية ) في مدينة الحرية .. ان والدي ( رحمه الله ) ساقني قسرا الى إلادارة وكنت ارتدي دشاشة بازة .. لم يستطع دفع نصف دينار رسم الدراسة .. وبعد توسل وتوسط المعاون تم تسجيلي على ان يسدد المبلغ قبل امتحانات نصف السنة .
لم يحكي ابي شيء من ذاكرته ونقلا عن اجداده الا احداث وحكايات الم متراكم منذ قرون ينخر اوصال وطن مستباح ما بين عناوين تتغير واسماء تصنع واخرى ترقع ..
رحم الله أبي الذي غادرنا منذ ثلاثة عقود .. وقد حط في العاصمة بغداد بعد الحرب العالمية الأولى مهاجرا اليها من الجنوب حيث الحضارة والقيم والأخلاق والشيم والرجولة والدين … التي احالها الاستعمار واذنابه الى اقطاعيات تستعبد الناس .. مما اضطر الملايين لترك اهليهم واراضيهم وذكرياتهم بحثا عن الحرية .
ما اذكره عن والدي انه كان رجلا لا يقرا ولا يكتب لكنه يحفظ القران بصدره لم يؤذِ ولم يتخاصم مع احد طوال حياته لم يخن ولم يشغله من توافه الدنيا شيء .. ظل مواطنا صالحا لم يعرف من بغداد التى قضى عمره فيها الا العمل والبيت ودور العبادة .. كل ما لحق أولاده واحفاده من فضل وخير هو من فضله والوالدة بعد فضل الله . ..
في أيام العسكرية والضيم الثمانيني كلما عدت مجازا الى اهلي ليلا وجدته قائما يصلي لم اره بغير ذلك المنظر الخاشع المهيب في اول الليل او غسقه او فجرا ..
كنت قد تسرحت من الجيش وتزوجت وبسبب كبر العائلة ومشاغلها ومصاعب الحياة وضنكها حدث زعل بيني واخوتي مما جعلني اغادر البيت مستاجرا دار اخرى وقد مرض ابي ولم استطع زيارته في بيت اهلي بسبب خلافي القديم ثم نقل والدي الى مشفى الكاظمية التي كتب الله لي بها فصلا فجيع لاحقا من عمري بعد مرض ورحيل ولدي واعز خلق الله على قلبي .. فزرته هناك وكان شبه فاقدا للوعي وكانت امي تجلس بجواره فقبلت يده وقدمه وخرجت ابكي مريرا .. بعد ذاك بيومين انتقل الى جوار ربه ولم اكن من ضمن مشيعيه .. فبكيت بكاء مريرا وحزنت حزنا شديدا ما زل راسخا حد الالم ..
و ها قد دارت الدنيا دورانها ومرت عقود ثلاث كما تغيرت الاحوال والادوار كما هو حال دنيا لا يوجد فيها جزء ساكن .. بعد كل ذلك الفراق والحزن والاستذكار .. ما زلت اشعر بان كل قبلة لقدم والدي هي اقدس وافضل من عباداتي .. كما كنت اكتب واردد لاحقا حتي في منشوراتي الصحفية قائلا : ( ما اجمل الولد بين كنفي والديه ) .. تلك محطة لا يشعر بها الانسان الا بعد فقدها .. رحم الله والدي وامي واخي واختي وولدي .. وجميع من سبقونا الى عالم صائرين اليه لا محالة ..
( فللموت فينا سهام غير مخطئة .. ومن فاته اليوم سهم لم يفته غدا )
نسال الله المغفرة والرحمة والقبول .. ونسالكم الفاتحة والدعاء .
