
لم يعد الخليج العربي كما كان. ذاك البحر الذي كان ينبض بالهدوء وتجارة اللؤلؤ ثم بالنفط الأسود، صار اليوم مرآة لكل قلق العالم. موجته لم تعد تحمل السفن فقط، بل تحمل أيضا الشائعات والتهديدات والخوف من غد لا أحد يعرف ملامحه.
– السعودية بين الهيبة والرياح العاتية
في السعودية يقف القرار على مفترق صعب. بلد بحجم قارة، يمتلك أكبر احتياطي نفطي ويحلم باقتصاد لا يعتمد على بئر. يبني مدناٌ في الصحراء ويستقبل العالم في ملاعبه وفعالياته.
وفي نفس الوقت يجد نفسه في خط النار الأول. كل توتر في الإقليم يبدأ باسمه وينتهي بحدوده. ليس لأنه يريد الحرب ولكن لأن موقعه وثقله يجعلان منه طرفاٌ لا يمكن تجاوزه.
السعودية تتحرك اليوم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تفرض هيبة تجعل الآخرين يحسبون لها ألف حساب. وإما أن تنجرف مع رياح لا تعرف إلى أين تقود.
– الكويت واحة الأمان في مواجهة العاصفة
أما الكويت فالحكاية مختلفة لكنها لا تقل وجعاٌ. بلد صغير في المساحة كبير في التاريخ. تعود على أن يكون واحة الأمان وسط العواصف. اليوم هذه الواحة تتعرض لريح قوية.
الكويت لا تملك صحراء واسعة تخفي فيها مشاريعها ولا جبالاٌ تحميها. لديها بحر مفتوح وموقع جغرافي يجعلها في منتصف كل المعادلات. إقتصادها ما زال يتنفس من أنبوب واحد اسمه النفط.
وصناديقها التي بنيت لأجيال قادمة صارت اليوم تفتح لتسد عجز الحاضر. البرلمان يتشاجر والحكومة تترنح والمواطن يسأل سؤالاٌ بسيطاٌ ولا يجد إجابة: إلى متى سنظل نعيش على أعصابنا ؟
– لعبة عض الأصابع ومضيق يتحكم في العالم
السبب في كل هذا ليس سراٌ. المنطقة دخلت في لعبة عض أصابع لا أحد يعرف من سيصرخ أولاٌ. هناك من يريد أن يثبت وجوده، وهناك من يريد أن يحمي مصالحه. وهناك من يرى في عدم الإستقرار ورقة ضغط.
النتيجة أن مضيقاٌ ضيقاٌ اسمه هرمز صار يتحكم في إقتصاد العالم كله. ناقلة تتأخر يوماٌ فيمر سعر النفط في السماء. مسيرة تسقط في مكان ما فتهتز بورصات العالم.
– الكويت والإفلاس.. حقيقة أم وهم؟
وما يتردد حول الكويت: هل تتجه نحو الإفلاس ؟ الإجابة بإختصار لا.
الكويت لا تتجه إلى الإفلاس ولكنها تتجه إلى طريق متعب لو لم تغيره. فكرة الإفلاس تعني أن الدولة لا تملك شيئاٌ ولا تستطيع أن تدفع ولا أن تقترض ولا أن تواجه يومها وهذا غير موجود في الكويت.
الكويت تملك مدخرات ضخمة جمعتها عبر عقود من أجل الأجيال القادمة وهي تستثمر في كل أنحاء العالم وهذه المدخرات هي الدرع الذي يحميها من أي صدمة.
– أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
إذن أين المشكلة ؟ المشكلة أن الدولة تعتمد على مصدر واحد فقط وهو النفط. وعندما ينخفض سعره أو يضطرب الخليج يتأثر الدخل مباشرة.
وفي نفس الوقت المصروفات كبيرة: رواتب وتوظيف ودعوم مستمرة ولا يوجد إصلاح حقيقي يغير المعادلة. والأخطر أن الخلاف السياسي بين الحكومة والبرلمان يعطل أي قرار صعب مثل فرض ضرائب أو فتح الدين العام أو خصخصة بعض القطاعات.
النتيجة أن الحكومة صارت تسحب من المدخرات لتغطية المصروفات اليومية. هذا لا يسمى إفلاساٌ هذا يسمى “أكل من الرصيد”. والرصيد كبير ويكفي سنوات طويلة لكنه ليس بلا نهاية.
– متى يصبح الخطر حقيقياً؟
يصبح الخطر حقيقيا إذا استمر الحال سنوات دون تغيير. إذا بقينا نصرف أكثر مما نكسب ولم نفتح أبواب دخل جديدة ولم نوقف النزيف. حينها سيأتي يوم نجد فيه السيولة ضعيفة والثقة مهتزة ونحتاج أن نستدين ولا نجد من يقرضنا بسهولة.
والخلاصة: الكويت غنية ولكنها تدير ثروتها بطريقة لا تصلح للمستقبل. ليست مفلسة لكنها تحذر نفسها. الإنقاذ ليس في مزيد من السحب بل في قرارات شجاعة تأجلت كثيراٌ.
إذا اتفق الجميع على الإصلاح وعملوا بسرعة ستبقى الكويت من أغنى وأأمن الدول. وإذا بقينا نؤجل ونختلف فالعاصفة القادمة لن ترحم أحداٌ.
– سؤال بلا إجابة.. إلى متى؟
السؤال الذي يطرحه الجميع ولا يجرؤ أحد على الإجابة عنه هو: إلى متى سيستمر هذا؟
الحقيقة أن التوتر لن ينتهي ببيان ولا بقمة ولا بإتفاق يوقع ثم يرمى في الأدراج. سيستمر طالما أن هناك من يرى في الخليج ساحة لتصفية حسابات لا علاقة لها بالخليج.
سيستمر طالما أن النفط ما زال هو الدم الذي يغذي الجميع. سيستمر طالما أننا نؤجل الحديث عن المستقبل ونعيش فقط ردة الفعل.
– خيط نور وسط الضباب
لكن وسط هذا الضباب هناك خيط رفيع من نور. الخليج أثبت من قبل أنه قادر على النهوض من الرماد. الكويت قامت بعد الغزو. والسعودية غيرت وجهها بالكامل في سنوات قليلة. الشعوب هنا عنيدة ولا تعرف الإستسلام.
الأزمة الحالية قد تكون هي الصفعة التي توقظ الجميع. صفعة تقول لهم: كفى إعتماداٌ على غيركم. كفى تأجيلاٌ للإصلاح. كفى إنتظاراٌ لأن ينقذكم أحد.
الإستقرار لن يعود بهدوء أمريكي أو بتهدئة إيرانية. سيعود عندما يقرر أهل الخليج أن أمنهم بأيديهم. عندما تتحول مليارات الصناديق من شراء أصول في الخارج إلى بناء صناعة وتعليم وتكنولوجيا في الداخل. عندما يصبح الحديث عن الوحدة الخليجية ليس شعاراٌ في القمم بل خطة عمل على الأرض.
فى الأخير:
وإلى ذلك الحين سيبقى الخليج يعيش بين خبرين. خبر عن توتر جديد وخبر عن أمل جديد. والفرق بينهما شخص واحد فقط يقرر أن يبدأ بنفسه. أن يكون صادقاٌ في عمله. أن يبني بدلاٌ من أن يهدم. أن يفكر في وطن بعد عشرين سنة وليس في راتب الشهر القادم.
البحر ما زال هناك. والنفط ما زال في باطن الأرض. والرجال ما زالوا موجودين. وكل ما نحتاجه هو أن نتذكر أن العواصف لا تدوم. وأن من يزرع اليوم أمناٌ سيحصد غداٌ وطناٌ.








