
د. منى نوال حلمى
ما أكثر الناس، نساءً ورجالاً، الذين يعيشون، ويموتون… يُولدون ويختفون.. دون «بصمة»، تحمل إرثاً عبر الأزمنة، يدل على أن حياتهم، لم تكن حرثاً فى البحر. ما أقل النساء، والرجال، كل منهم يكتب بالحبر السرى، السحرى… «لا أقبل أن أعيش وأموت فى صمت، لن تغرقنى أدراج الرياح.. أنا منْ آمر الرياح، أن تأتى بما تشتهى السفن». واحد من هؤلاء الذين «صنعوا فارقاً» على كوكب الأرض، يعيش بيننا، كل يوم، كل لحظة… لا نستطيع أن نفعل أى شىء، بدون تجليات حضوره «المشع بالطاقة… نحن بدونه حرفياً، عجزة، معطلو القدرات، ومن ذوى الإعاقة، نستحق الشفقة والتعاطف. إنه العالم والمخترع، الأمريكى توماس أديسون ١١ فبراير ١٨٤٧ – أوهايو، ١٨ أكتوبر ١٩٣١ – نيو جيرسى.
«الأم» هى كل شىء. وفى حياة المخترع والنابغة أديسون، تتأكد هذه الحقيقة، مرة أخرى. فقد تسلمت أمه، رسالة من مدرسته، تصفه بالتلميذ الفاسد، البليد، الغبى، كثير الشرود، لا يتوقف عن الحركة، والفضول، لا يفهم، بطىء الاستيعاب، يبدو مختلاً
عقلياً، مضطرباً نفسياً، «كثير الأسئلة»، ولا فائدة من تعليمه، لذلك تقرر أن يُطرد من المدرسة. لكن الأم نانسى ماثيوز إليوت، كان لها رأى آخر، فى ابنها توماس، حيث قامت بتحريف الرسالة إلى: «ابنك عبقرى وهذه المدرسة متواضعة جداً بالنسبة له، من فضلك علميه فى المنزل». ولم يخيب ظن أمه، وقال عندما اكتشف حقيقة الرسالة: « أمى هى منْ صنعتنى.. كانت تحترمنى وتثق بى، وأشعرتنى أننى أهم شخص فى الوجود، فأصبح وجودى ضرورياً من أجلها، وعاهدت نفسى ألا أخذلها أبداً….. وفى مذكراته كتب: «توماس ألفا أديسون، التلميذ البليد، والطفل الغبى، أصبح بفضل أمه البطلة عبقرى القرن».
إن طفلاً موهوباً مثله، لابد أن يشعر بالملل، مع التعليم التلقينى للمدارس. إن «كثرة الأسئلة»، التى أدت إلى طرده من المدرسة، هى من دلائل الإبداع الكامن. من ناحية أبيه، فقد كان يشجعه على القراءة، بإعطائه مكافأة مالية، لكل كتاب يقرؤه.
ومنذ البداية، أظهر الطفل توماس، شغفاً هائلاً بعلوم الطاقة، والميكانيكا، والتجارب الكيميائية، والصناعية، والتكنولوجية. وقبل أن يكمل عامه العاشر، أسس فى قبو منزله أول مختبر لتجاربه.
«لم أفعل أى شىء فى حياتى بالصدفة، ولا أى من اختراعاتى حدث بالصدفة، كل ما أنجزته هو نتيجة العمل».
لم يكن يحب السهرات، والحفلات، يقضى تقريباً عشرين ساعة يومياً، فى مختبره، بين
تجاربه، وأبحاثه. ينام أربع ساعات يومياً فقط، ويرى النوم «مضيعة للوقت»، حتى أطلقوا عليه «عدو النوم». كان متسقاً مع كلماته: «العبقرية ١ ٪، موهبة فطرية، وإلهام بسيط، و٩٩ ٪ جهد، وتعب وعرق، وعمل مستمر… ليس فشلاً أن تسقط، الفشل هو أن تتوقف مكان السقوط».
فى سنة ١٨٧٧، بدأت رحلته مع الشهرة العالمية، حينما قدم اختراع الفونوغراف، الذى يقوم بتسجيل الأصوات، ثم استعادتها. وكان الفونوغراف حدثاً مبهراً، وأطلقت عليه الصحافة، لقب «ساحر المينلوبارك».. المينلو بارك، هى فى ولاية نيوجيرسى، حيث أسس
أديسون أول مركز ومختبر للأبحاث الصناعية.
فى ٢١ أكتوبر ١٨٧٨، عرض أديسون أكبر، وأهم، وأشهر، اختراعاته وهو المصباح الكهربائى المتوهج، الصالح تجارياً.
اخترع أيضاً آلة التصوير السينمائى، «الكينيتوسكوب»، لعرض وتسجيل الصور المتحركة، التى هى أساس صناعة السينما.
ومثلما شطب نابليون كلمة «المستحيل»، مسح أديسون كلمة «الفشل». فهو القائل: «أنا لم أفشل.. بل وجدت ١٠٠٠ طريقة لا تشغل الجهاز».
كان توماس أديسون، بدون مبالغة، الرجل الذى حمل البشرية إلى نور الحياة الحديثة،
انتصر على قيود الظلام.. رجل أضاء العالم، حول الليل إلى نهار، وتحدى غروب الشمس، وانطفاء الشموع.
يقال إن أم أديسون، كانت الدافع وراء اختراع المصباح الكهربائى. فقد مرضت، واحتاجت إلى جراحة عاجلة، لم تتم، لعدم كفاية الضوء، وكان الانتظار حتى يأتى النهار، يهدد حياتها. ومنذ تلك الليلة، وصورة المصباح لا تبرح خياله.
حصد أديسون أرباحاً هائلة، من اختراعاته. لكنه يرى أن «الثروة هى ما أنت عليه، ليس ما تملكه». وكان ينفق بسخاء من ماله الخاص، على الأبحاث والتجارب العلمية، وظل حتى رحيله، مؤمناً برسالته، قائلاً: «أنا فخور بنفسى لأننى لم أخترع شيئاً للتدمير».
أعتقد أنه يقصد، ألفريد نوبل ٢١ أكتوبر ١٨٣٣ / استوكهولم – ١٠ ديسمبر ١٨٩٦ سانريمو إيطاليا، الذى اخترع الديناميت ١٨٦٧، ليضمن موتاً أسرع، وأكثر فعالية، وأمناً.
فى ٢١ أكتوبر ١٩٣١، خرجت الآلاف لتوديع «الساحر»، الذى أنار حياتهم. طلب الرئيس الأمريكى حينئذ هربرت هوفر، أن تتم الجنازة، ومراسم الدفن، بإطفاء جميع المصابيح الكهربائية فى البلاد، لمدة دقيقة واحدة، تكريماً لأديسون «رجل الضوء».
وفى مقاطعة ميدلسكس، ولاية نيو جيرسى الأميركية، حيث عاش، وأقام، توجد بلدية أديسون، التى سميت على اسمه، تخليداً لاسمه، وذكراه.
خِتامه شِعر
«هو» لا ينقصه إلا شىء واحد هو ليس «أنت».








