
أجرى الحوار باستخدام الذكاء الاصطناعي الكاتبة الأستاذة مي رضوان السلوم
1. هل ترى أن كتابة التاريخ تشبه العمل العلمي من حيث بناء الفرضيات، أم أنها أقرب إلى فن تفسير الأدلة الناقصة؟
بالنسبة لي ومن خلال الزاوية التي أعكف فيها على إعادة قراءة بعض حوادث التاريخ هو أقرب إلى فن تفسير الأدلة الناقصة التي تكتمل معها ملامح صورة الحدث وتعيد له نبضه وما اختلج في عقول ونفوس صناعه في زمنه .
2. عندما تتعامل مع حدث تاريخي، ما الذي يأتي أولًا في منهجك:
الوثيقة أم السؤال؟
السؤال في البداية.. ما حقيقة ما حدث؟..وهنا يأتي دور الوثيقة وأحيانًا أوراق تاريخية متناثرة أجمعها من هنا وهناك ..يأتي بعد ذلك العودة للسؤال مرة أخرى على شاكلة : ما الداعي لهذا القرار وملابساته؟ وما هي معطياته؟ وما هي معطيات زمنه وتحدياته؟وهل لو كنت في مكان صانع القرار أو متخذه كنت سأتخذه بنفس الطريقة والأسلوب؟ ..أعتقد أنني بذلك قد جمعت بين محاولة التيقن من حقيقة الحدث التاريخي وسبر أغواره ثم محاولة فهمه في سياق زمنه واستخلاص عبر التاريخ منه..
3. هل تعتبر نفسك مؤرخًا يبحث عن الحقيقة، أم باحثًا يطرح أسئلة جديدة حول ما نعتقد أنه حقيقة؟
بالطبع أعتبر نفسي باحثًا يطرح أسئلة جديدة وأحب دائماً أن استعمل هذه التسمية..
الطريف أن هذه التسمية اقترحها علي أحد الصحفيين -الكبار اليوم – في بداياتي وقد ساءت علاقتي به بعد فترة حينما بدأ يلمح لي عن المقابل الذي ينتظره من هدايا عينية أو مقابل مالي نظير دعمه بالنصح لي وما أهون النصح وما أثقل مقابله!!
4. في العلم نميل إلى الاختزال، وفي التاريخ نميل إلى التعقيد؛ كيف توفّق بين هذين الاتجاهين المتعارضين في كتابتك؟
في مضمار العلم خاصة إن كان موجها للقارىء العادي غير المبحر في دهاليز العلم فالاختزال والتبسيط هو الاختيار الذي لا مفر منه خاصة أن العلوم قد اتسعت بشكل كبير وأصبحت روافدها متشعبة ومتدفقة من شتى المعارف والمباحث المتنوعة مع كثير من عدم التيقن الذي يستلزم أن يكون الكاتب مختصا فيما يكتب ويمتلك أدوات رشيدة في العرض والترجيح بين مئات الأدلة .. لذا فتقديم العلم بصورته الوفيرة الأولى وبشكله الحاد الجامد والمتنوع يؤدي إلى نفور قطاع كبير من القراء علاوة على أن قارىء اليوم وبطبعه يبحث عن الأسلوب المباشر والمختزل في الإجابة عما يختص بصحته أو ما يستهويه من أسئلة علمية يبحث عن إجابة مقتضبة لها .
أما التاريخ فتعقيده ينبع من تشابك خيوط حوادثه أوقاتاً وتنافرها في كثير من الأحوال و الأحيان بما يضفي على الحوادث الكثير من الغموض المضني والمشوق في نفس الآن ويجعل من البحث بين جنباتها تحدياً ممتعاً للباحث عن الحقيقة مثلي..
ونظراً لأن المضمارين العلمي والتاريخي كلاهما مساراً بحثياً بالنسبة لي استخدم فيهما أدوات المنطق والمقارنة والمقاربة فلا أجد تعارض إذاً وعلى هذا سرت ومستمر في مسيرتي..
5. هل يمكن للتاريخ — برأيك — أن يُكتب بمنهج “قابل للدحض” كما في العلوم، أم أن السرديات التاريخية بطبيعتها مقاومة لذلك؟
التاريخ شأنه شأن باقي العلوم قابل للدحض والتفنيد ما دام هناك آراء متعارضة قائمة على أدلة جديدة تقدم صورا مختلفة للحقيقة.. والتاريخ بطبعه حمّال أوجه في كثير من حوادثه وعلينا أن نحيد ميولنا النفسية وأن نبتعد عن منطق النظرة الواحدة والشكل المسلّم به إن أردنا حقا أن نفهم التاريخ.. وفهم التاريخ هو الطريق لبناء مجتمع واعٍ يفهم من أين بدأ أجداده وما هي سقطاتهم التي أدت لفترات التردي في التاريخ حتى يعبر إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً.
6. ما الخط الأحمر المنهجي الذي لا تسمح لنفسك بتجاوزه، حتى لو كان سيجعل النص أكثر تشويقًا؟
لا أسمح لنفسي أن أجمح مثلما يجمح آخرون من كتاب القصة والرواية في عالم الجنس والسحر والخرافة.. وهي عوالم بخسة القدر تصنع الشهرة المؤقتة لكنها تفقد المكانة وتهدر الاحترام والأخلاق..
7. إلى أي مدى أثّرت خلفيتك العلمية في طريقة قراءتك للماضي؟
لقد جعلتني أفكر في التاريخ لأول مرة وأتحول من مقعد المتلقي الحافظ إلى مقعد الكاتب والباحث والمنقب والناقد وهي مهام أعتز بها ومثلت تحولاً جذرياً في مسيرتي في عالم الكتابة والتأليف وحياتي العملية بشكل عام .
8. هل تستخدم ما يشبه “التجربة الذهنية” عند كتابة التاريخ، أي تخيّل ما كان يمكن أن يحدث لو تغيّر عنصر واحد فقط؟
طبعا كثيراً ما استخدمت ذلك وتقمصت دور صانع القرار لو أحيط بي نفس المعطيات والتحديات والصعوبات وتخيلت نفسي في مصاف الرجل العادي وتأثير الواقع عليه وانعكاسه على حياته كما استخدمت السؤال ذائع الصيت ” ماذا يحدث لو!؟!” خاصة فيما قدمته من أعمال أتناول فيها التاريخ الإسلامي لأخذ بيد القارىء ونرقب معا كيف يمكن أن يتغير التاريخ كاملا بكبسة زر كما نسميها اليوم في عالم الكمبيوتر والهواتف الذكية..بخطوة بسيطة رشيدة من مفكر اعتلى مكانه المناسب أو تعديل واحد في قواعد اللعبة من رجل دين شريف قربه حاكم فالتف حولهما الشرفاء أو بجلسة ضمير واحدة هادئة مع حاكم قرر أن يجلس مع أحد العوام يبثه واقع الناس أو بإزاحة الطريق لرأي معارض لينفذ لصدر مجلس أحكمت أبوابه بين مؤيد ومنافق في غفلة من الناس..
كل هذا كان ممكننا ولا زال إن صدقت النوايا وحق القول بالاستفادة من حقائق التاريخ..
9. في رأيك، هل الخيال في الكتابة التاريخية خيانة للعلم، أم امتداد ذكي له؟
الخيال له دور في الكتابة التاريخية لكن داخل الروايات والقصص والمعروف أن بنيتهما تحتاج لهذا لاكتمال المشهد وملء ثغرات القصص غير المكتملة وربطها لكن لزاما ألّا يتخطى الخيال ذلك إلى السرد التاريخي الجاد في الكتب المتخصصة حتّى لا يختلط الأمر على الناس ويتسلل إليهم الاعتقاد في حقيقة بعض الشخصيات والوقائع التي ينتحلها العمل الدرامي والفني..
10. ما الفرق — من وجهة نظرك — بين الخطأ العلمي والخطأ التاريخي؟ وأيهما أخطر على وعي القارئ؟
الخطأ العلمي خطأ يتعلق بالمنهج وأدوات القياس والتجريب وتحليل وقراءة النتائج أما الخطأ التاريخي فهو خطأ ناتج من خلط لدى الراوي وكثير من صناع الأحداث يكتبون مذكراتهم بعد مضي وقت طويل على حدوثها مما يوقعهم في وهم الذاكرة والالتباس وهذا عيب في الساسة لدينا.. بعض الأخطاء التاريخية ينتج في أكثره من النقل دون تحري المصادر وثقلها وأهميتها فتجدي صناع محتوى اليوم ينقلون تحليلات ووقائع تاريخية من “بوستات” مجهولة على الفيس بوك ويحولونها إلى محتوى مرئي مما أدى إلى انتشار الأكاذيب التاريخية والقصص الملفقة بين أوساط الشباب.. وهذه هي نقطة الاختلاف الجوهري بين الخطأ العلمي الذي لا يلمحه إلا مختص عاكف على الدراسات العلمية و يتابعها بحكم الدراسة والاختصاص..والخطأ العلمي عادةً ما يصوب في دوائر البحث بين أهل الاختصاص قبل وصوله إلى عامة الناس أما الخطأ التاريخي فلا حاجب بينه وبين الناس لذا يسير كالنار في الهشيم بين العوام والبسطاء يصدقون ويتندرون بالغرائب والطرائف في مجالسهم وإن خالفت الحقيقة في كثير من الأحيان ..
11. هل ترى أن المؤرخ الجيد يجب أن يمتلك عقلية العالِم، حتى لو لم يكن عالمًا بالمعنى الأكاديمي؟
لابد وأن يكون لدى المؤرخ أو من يضطلع بهذه المهمة ملكة ” العالم ” المتبحر المطلع على كثير من العلوم والخبرات التي تؤهله ليكون مقدماًو حكما في الحوادث التاريخية التي يتناولها في أعماله..
12. هل تعتقد أن الحقيقة التاريخية واحدة، أم أنها تتعدد بتعدد زوايا النظر؟
بلا أدنى شك الحقيقة التاريخية تتعدد بتعدد زوايا النظر فنظرة بطل الحقيقة التاريخية ليست كنظرة الواقع عليه الحدث وليست كنظرة مراقب الحدث عن كثب في حينه وليست النظرة ذاتها بعد سنوات وبعد التقاط الأنفاس وهدوء المحيط والبواعث.
13. هل سبق أن غيّرت قناعتك التاريخية بعد الكتابة، لا قبلها؟
كثير ما غيرت قناعاتي بعد الكتابة وأثناءها وتمنيت لو أتيح لي أن أصدر طبعات ثانية من بعض كتبي لأقوم ببعض الاستدراكات والتعديلات التي تولدت لدي أهميتها مع طول الممارسة التاريخية وتغير بعض قناعاتي تجاه بعض الشخوص والأحداث.
14. أين تضع نفسك بين “التاريخ الرسمي” و”التاريخ الإنساني”؟
التاريخ الإنساني عندي في المرتبة الأولى أما التاريخ الرسمي فلدي معه مشكلة في عدم الاستساغة لأنه صادر من قمة هرم السلطة ومن صناع القرار الذين يزخرفون أزمنتهم بآيات الفخار والانتصارات والإنجازات البراقة وهنا سر أزمتى مع التاريخ المصري الفرعوني الذي كتب بعين واحدة هي عين السلطة دون أن نرى وجهة نظر الناس تجاه سياسة حكامهم وشكل حياتهم الحقيقي ..
15. هل تعتقد أن بعض الأسئلة التاريخية يجب أن تبقى بلا إجابة، حفاظًا على صدق المنهج؟
لا ينبغي أن يبقى سؤالا دون إجابة أو بلا محاولة للإجابة عليه ولو بشكل تقريبي.. نحن في هذا الكون منحنا العقل لتتولد داخله أسئلة لا تنتهي وأعمارنا في هذه الحياة ينبغي أن يكون مقياسها الأهم هو مقدار ما قدمناه من إجابات بشأن هذه الأسئلة وما تكبدناه من مشاق بحث في سبيل ذلك.. السؤال هو رسالة الحياة والعمل على الإجابة هو الطريق لمزيد من خطوات التقدم في مسارنا الحياتي..
16. كيف تختار لغتك عند الكتابة: لغة الباحث أم لغة الراوي؟
الاثنان لدي يكتملان فملكات الباحث الجاد باعث له على النقد والقياس أما لغة الراوي فهي ريشته التي يسطر بها أفكاره ويصوغها في لوحة فنية مكتملة الأركان فيها العقل والمنطق والتشويق والعبرة في بوتقة واحدة.
17. هل ترى أن الأسلوب السردي قد يكون أحيانًا أصدق من العرض الأكاديمي الجاف؟
طبعا الأسلوب السردي هو روح النص ونبضه..يمنحه الدفء ويهبه المتعة في الانتقالات والسهولة في الفهم والاستيعاب.
18. ما الذي تخشاه أكثر عند الكتابة:
تبسيط مخلّ؟ أم تعقيد منفّر؟
التعقيد المنفر أكثر ما أخشاه وقد كان السبب الأساسي في هجومي على أحد عمالقة الأدب العربي في كتابي ” على مقهى الأربعين ” .. فما الحكمة أن اتلذذ بالبلاغة وحشو المحسنات البديعية داخل العمل فيما يتبخر جوهر الموضوع من ذهن المتلقي من فرط استعلاء اللغة وسطوة بلاغتها.. العمل الزاخر باللغة دون مضمون أو يطغى على المضمون هو عمل لا يمكن أن اعتبره عملا إبداعيا إلا إن كان عملا متخصصا في اللغة ذاتها ويتركز حولها..
19. هل تؤمن بأن القارئ شريك في بناء المعنى، أم متلقٍ يجب إرشاده؟
بالطبع شريك وشريك أساسي.. رأي القارىء جعلني أخصص أربعة كتب منفصلة للإجابة والتفاعل مع أسئلتهم وملاحظاتهم وأخذها بعين الاعتبار..هذه الكتب هي : “منافح الأيك في مساجلات النخب “- “نزهة الألباء في مطارحات القراء” -” الدر المنثور في مكنون جوهر العقول” – “شج رأس التاريخ”.. القارىء هو شريك أساسي للكاتب وبدون هذا الفهم يفقد الكاتب قاعدته الشعبية ويكون مصير كتبه الفقد والنسيان.
20. هل تكتب التاريخ لفهم الماضي، أم لإنقاذ الحاضر؟
الاثنان معا فبدون فهم الماضي لن ننقذ الحاضر ولن نرى المستقبل كما نحلم به.. فهم الماضي يعطينا دروس حقيقية عن إنجازاته وخطط تصحيحية جاهزة وموفرة من اخفاقاته نستعين بها في عدم تكرار الأخطاء .. فهم الماضي يجعلنا لا نسعى لتقديس الرموز بل التعامل معهم كبشر يخطئون ويصيبون.. فهم الماضي يشعرنا بقيمة وعظمة ذاتنا وأننا أصحاب إرث تاريخي ممتد ومستمر وقابل لإعادة البناء مرات ومرات مهما تعاقبت المحن والخطوب وتوالت النكبات ولكن عبر تجربة جديدة نحن أبطالها بفكر جديد وخطوات تلائم طبيعة الزمن وأدواته الفاعلة .
21. ما أكثر لحظة تاريخية تشعر أنها أُسيء فهمها علميًا وسرديًا؟
فترة حكم أسرة محمد علي باشا خاصة فترة حكم الملك فؤاد هذه الفترة تستحق تأريخا كاملا بشكل محايد فقد كانت وبحق العصر الذهبي للتعليم والثقافة في مصر والانفتاح على الغرب مع الحفاظ على الهوية المصرية الوطنية والدفاع عنها ضد أي تشويه ولقد كتبت عن هذه الفترة وقدمت حقائق تقدم لأول مرة عن فترة الملك فؤاد خاصة في كتابي ” هوامش على دفتر أحوال مصر “.. فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر هي الأخرى تستحق أيضا دراسة منصفة لرؤية الرجل واسهاماته وتاريخه الوطني.
22. هل ترى أن الذاكرة الجماعية أقرب إلى العلم أم إلى الأسطورة؟
لا يمكن أن أصدر حكما قطعيا أجعل فيه الذاكرة الجماعية علما أو أسطورة… ذلك أن لكل واقعة أو حدث أو موقف أو حكمة أو قصة يتناولها العامة و تتردد في المجالس -متى تواترت- حتى وإن اختلفت في التفاصيل والاسماء وحتى التواريخ تبقى ذات أصل مفقود لا يمكن إهماله أو اتهامه بالخرافة وتجاوزه هكذا .. والسبيل في قراءة الحكايات الشعبية وما تتداوله الذاكرة الجماعية من حكايات أن يكون الطرح مصحوبا بمطرقة العلم الذي يهدي ويرشد ويفند..لابد وأن يكون لدى المثقف ذكاء في احترام ثقافة العوام الخاصة وطقوسهم فإن تعالى عليهم فقدهم..وقد عملت على وضع بعض الحكايات الشعبية في سياق علمي مقبول مرارا في كثير من كتبي ومنها على سبيل المثال قصة أبو الخير الكليباتي في كتابي “بلوغ المرام في أحداث ووقائع رمضان “.
23. ما السؤال التاريخي أو العلمي الذي لا يزال يقلقك حتى الآن؟
لا يوجد سؤال معين يقلقني ولكن توجد أحمال من أسئلة حائرة تبحث عن إجابات شافية تريح العقل وتهدي القلب وتستقر مع النفس .. بدأت أطرق أبواب بعض من هذه الاسئلة الحائرة في كتابي “تاريخ حائر بين بان وآن “ولكنها كانت اسئلة في محراب التاريخ تبقى هينة إذا ما قورنت بأسئلة دينية حائرة راودتني لسنوات طويلة وكنت في إحجام عن تناولها.. كتاب “أوراق مطوية ” كان أحد المحطات التي تمردت فيها على هذا الاحجام أو حتى أكون صادقا تماما دفعتني الظروف أن أخرج مباحثه الدينية للعلن.. ومن قبل هذه المحاولة قدمت أيضا كتاب ” صفحات من التاريخ الإسلامي دروس وعبر ” طرحت فيه رؤية مختلفة للفتوحات الإسلامية عبر زيارة عقلية ومنطقية لمحراب هذا التاريخ و محطاته الشائكة .
24. هل هناك “فشل بحثي” كان نقطة تحوّل إيجابية في مسيرتك؟
أنا أصارع الفشل طوال حياتي..هو رفيق دربي رغم أنفي..لا يغادرني ليس في البحث فقط بل في كل الشئون لدي..والحمد لله رب العالمين دائما وأبدا على واسع فضله وعنايته .. الفشل بصفة عامة ليس نقمة بل معينا على التماس طرق جديدة وإعادة المحاولات بشكل جديد وأساليب مختلفة والبحث عن كل ما هو مبتكر .. وأنا معك ربما يحدث هذا التحول الإيجابي في مساري وأحدثك عنه يوما..
25. متى تشعر أن الشغف بالمعرفة يتحول إلى عبء؟ وكيف تتعامل مع ذلك؟
حاليا يراودني هذا الشعور وسط صخب من الأعمال الكثيرة والدراسة بعد عودتي واستقراري بمصر مؤخرا.. في السابق كنت لا أجد معضلة في ترتيب الوقت وإن ندر فأجمع المواد الخاصة بكتبي وأرتبها وأعمل عليها.. اليوم أجد نفسي لا اتمتع بهذه الرفاهية فالمادة العلمية تكدست لدي ولا أجد بصيصا ولو ضئيلا من الوقت لأعمل على قراءتها وغزلها في نسيج واحد.
26. لو طُلب منك تلخيص منهجك كله في جملة واحدة، فماذا تقول؟
“الطريق نحو المستقبل يتحقق بمزيج فكري يجمع العلم والدين والتاريخ فإذا اجتمعت هذه العوامل تبدأ الرحلة نحو المستقبل ومعها حتما سنجد الطريق”..
27. في عصر الذكاء الاصطناعي، ما دور المؤرخ والعالِم الإنساني؟
الذكاء الاصطناعي لا يصلح مؤرخا وإن لعب هذا الدور وأطلق له العنان في ذلك فسوف يكون هناك خلط وتشويه وأقولها وأراهن على المستقبل كحكم والسبب في ذلك أن الذكاء الاصطناعي يقوده روبوت مصنوع ليس ابن البيئة التي يتحدث عنها ولم يشهد الحدث ولا مقدماته ولا شهوده ولا تداعياته ولا يفهم طبيعة الأوطان وخصوصية كل وطن وتركيبة مجتمعاته وموروثاته.. هذا الخليط وغيره هو الوطن والمنفتح على كل هذا هو المؤرخ الحقيقي الشاهد والباحث أما الروبوت دمية بلا وطن تستثمر المعارف المطروحة بلا روح وليست حكما عليها خاصة حينما تتعلق المسألة بالتاريخ ومصائر الأوطان.
28. هل ترى أن مسؤولية الكاتب اليوم هي تفسير المعرفة، أم الدفاع عنها؟
طبعا تفسير المعرفة وإدخال وسائل للتجديد فيها وإجراء اصلاحات بها حتى وإن طالت الجوهر في بعض الأحيان- ما عدا الدين بطبيعة الحال- وما دون ذلك معارف بشرية متقلبة والدفاع عن ثباتية المعارف كالجبال هو ضرب من ضروب الجمود الذي يغلق باب الاجتهاد ويجعل المداد الإنساني في الأزمنة اللاحقة لا طائل منه ولا عنوان له في مسيرة اختزلت بموروثات من أزمنة سابقة وبجهود مجموعة من الرواد أصبحوا في الحاضر أصناما تعبد لا سبيل للاجتهاد معهم ولا طريق لنقدهم ولا تخطئتهم على بعض أفكارهم التي قد لا تتماشى مع المعاصرة ولا تنسجم مع الحقيقة والواقع ..
29. ما “الضريبة الأخلاقية” التي يجب أن يدفعها من يمتلك المعرفة؟
أن ينشر هذه المعرفة وأن يبدع في تقديمها بشتى السبل ومتى امتلك المبدع رسالة أخلاقية ورؤية تضعه على مشارف المستقبل -حتى وإن لم يدركه – فحري به أن يكون مشاركاً فيه بشكل مباشر أو غير مباشر وأن يتوقع أن غداً أفضل وبناؤه سيكون حصاد تشاركي لكل من مر بهذا الوطن وزرع فكرة وسقاها ..استبطء أو أهمل أو نسى أو تعجل..شهد أو لم يشهد ثمرتها فالكل سيكون حاضراً على مسرح المستقبل بإذن الله.
30. لو أسستَ “معهدًا للمستقبل”، ما التخصص الذي سيجمع بين العلم والتاريخ في رأيك؟
ستكون وجهتي في الطرح استحداث تخصص يجمع العلم والتاريخ والدين ويمزجها جميعا بالأخلاق.. أعتقد أن كتاباتي فيها شكلاً من أشكال الطريق لهذه الغاية وتجسيد عملي لها..
31- ما هو العمل المشترك الذي تعتز به في مسيرتك الإبداعية؟
بلا شك المجموعة القصصية “رقائق من المعارف ” التي قدمتها مع حضرتك – أستاذة مي السلوم – كانت عملا متميزا بإجماع النقاد الذين أطلعوا عليها وقد استغرقت منا كما تذكرين أوقاتاً ليست بالقليلة في الشحذ الذهني وتبادل الآراء حول الموضوعات ومدى تناسب المادة العلمية مع الشريحة العمرية المقدمة لها واعتز بنصائحك القيمة في ضرورة استخدام اللغة الحوارية بكثرة مع النشء لأنها تشكل وعيهم وتنفذ إلى عقولهم بشكل متسلسل إذا أخذت شكل البناء التدريجي التفاعلي ..
