حوار مع الكاتبة السورية رؤى مسعود جوني

حاورها: حاتم عبد الهادي السيد
تأكيد الهوية والانتماء للأوطان يبدأ بأدب الأطفال.
يمثل ادب الأطفال الأنموذج المثال لتشكيل هوية وثقافة وتوجهات الأجيال نحو القيم والاحلاق الفاضلة التي ترسخ الهوية، وتشكل عجينة الحياة في المجتمع العربي الذي يسعى للمحافظة على الأصالة، عبر ظلال المعاصرة، ويستشرف لما بعد الحداثة، ويتشاكل مع التقنيات التي أنتجتها التكنولوجيا والحاسوب والإنترنت وتطبيقاته المتعددة، ومن هذا المنطلق كانت أهمية وخطورة أدب الطفل، ولقد توجهنا للتحاور مع الكاتبة السورية رؤى مسعود جوني الكاتبة التي توجهت للكتابة للطفل عبر عشرات القصص المترجمة والمؤلفة ومنها قصص ( النافذة السحرية، السمكة لونا، الدب الصغير، الغزال ناي، الصديقان، نمور الكسلان..) ، واكتبت كذلك عن أدب الطفل مقالات نقدية وتاريخية وبحثية، بالإضافة لكتابتها مقالات كثيرة تختص بالقيم التربوية للطفل .
-بداية: تبدو الكتابة للطفل من الأمور الصعبة فهل هي كذلك؟
=نعم تعتبر الكتابة للطفل من أكثر أنواع الأدب صعوبة برأيي من ناحيتين:
الأولى المسؤولية الكبيرة التي يتحملها الكاتب حين يتوجه لعقول تتفتح ويبدأ تشكلها بما تحمل من رؤى وقيم وأخلاقيات سترافقه عبر حياته كلها فيما بعد، وكما يقال (العلم في الصغر كالنقش في الحجر) وهذا حرفيا ما يجب على كاتب أدب الطفل فهمه، أما كمترجم فعليه أيضا مسؤولية نقل القيم التي تناسب مجتمعاتنا وعدم فتح الباب عل مصراعيه لرياح قيم غريبة عنا وعن أخلاقيتنا التي تشربناها.
ومن ناحية ثانية: لأدب الطفل خصائص مختلفة عن أدب الكبار، ورغم ما قد يظنه الآخرون هو أدب صعب من حيث إيصال فكرة عبر أقل عدد من الكلمات المبسطة الجذابة التي يستوعبها الطفل دون إطالة وصور معقدة، خصوصا في ظل عناصر الجذب الكثيرة المنتشرة التي يمكن ان تبعد الطفل عن القراءة وتشتته.

كيف بدأت رحلتك مع هذا العالم العجيب، المدهش، الساحر؟
= القصة دائما تبدأ في الطفولة، الطفل بطبعه يمتلك خيالا واسعا، ورؤية خاصة لما حوله من أمور وأحداث لا تشبه الكبار بأي شكل، لذلك غالبا ما نستغرب إجابات الطفل حين نسأله عن رأيه في أي موضوع، فنرانا نضحك أحيانا من كلامه أو نوبخه بسبب طريقه تفكيره.
بالنسبة لي طفولتي كانت مشبعة بالخيال والقصص، فبالإضافة لخيالي الواسع ورؤيتي الخاصة لما يجري حولي، نشأت في بيت أدبي فوالدي الشاعر والأديب مسعود جوني لذلك كانت مائدة الأدب حاضرة دوما في المنزل، القصص، الشعر، جو الأدباء أحاديثهم وحضورهم وسهراتهم لم تنقطع يوما، بالإضافة لأني كنت أرافق والديّ في أغلب الأمسيات والسفريات التي كانت تجري في اللاذقية أو خارجها، وكنت لا أقرأ قصصا منفردة على فترات، بل كانت المجموعات القصصية تأتيني كاملة، فأنكب على قراءتها وتلخيصيها، كل ذلك في فترة طفولة مبكرة.
في العاشرة كانت تجربتي في الكتابة فكتبت أول مجموعة قصصية للأطفال، وكنت أكتب مذكراتي اليومية بناء على نصيحة والدي رحمه الله كي أحفز نفسي على الكتابة بشكل مستمر.
لكني تأخرت كثيرا في النشر نتيجة ظروفي العائلية والمهنية والدراسية، رغم أني لم أتوقف أبدا في أي مرحلة عن القراءة والكتابة، لكن لم أبدأ النشر وإرسال أعمالي للمجلات ودور النشر، إلا منذ بضعة سنوات فقط، بتشجيع من عدة كتاّب سوريين وعرب.
-كتبت العديد من المقالات والدراسات التربوية والتعليمية عن أدب الطفل، كما ترجمت العديد من القصص الأجنبية إلى اللغة العربية، فماذا تفيد الكتاب الموجهة للطفل لدينا كعرب؟
=لطالما كانت الترجمة في شتى المجالات الأسلوب الأسرع والأرقى نقل الثقافة بين الأمم والعمل على هدم الفجوات بينها، وفي مجال أدب الطفل علينا الاعتراف باننا قد نكون من أوائل الشعوب التي توجهت للطفل عبر الحكاية لتوجيهه، لكن الغرب تجاوزنا لاحقا بمراحل في هذا المجال، فمع وجود اول مطبعة في إنكلترا عام 1476 تمكن الغرب من طباعة قصص الفولكلور الشعبي والقصص التي تحمل القيم التربوية والسلوكية ثم ظهرت الكتب الورقية في القرن السادس عشر وبعدها بوقت قصير ظهرت قصص المغامرات مثل ( روبنسون كروزو، ورحلات جوليفر) وتتالت القصص وتطورت عبر الأخوين غريم وتغيرت التقنيات الكتابية والمواضيع المتعلقة بأدب الطفل حتى الآن.
كل ذلك في الوقت الذي كان ادب الطفل مهمشا وقاصرا في بلادنا العربية ولم تبدأ نهضته الأولية إلى أن بدأ كبار الكتاب بالترجمة للطفل في العصر الحديث مثل المنفلوطي وأحمد شوقي، حتى الوقت الذي ظهر فيه الأديب يعقوب الشاروني الذي يعتبر عراب أدب الطفل عربيا، عبر سلسلة من المنشورات مثل المكتبة الخضراء، حيث تم نشر القصص الأجنبية والتراثية والعربية فبدأت عملية تطور هذا الأدب في بلادنا فعليا برأيي.
وهذا ينطبق أيضا على الدراسات التربوية والتعليمية والسلوكية فالغرب كان سباقا في الاهتمام بهذه الدراسات، وكان للترجمة دورا كبيرا في نقلها لبلادنا.
– ما الأعمال التي تهتمين بترجمتها وكتابتها مع ذكر بعض العناوين؟
=كما ذكرت فقد مر زمن طويل جدا كنت اهتم فيه بالكتابة كهاوية أو قارئة، ولم أعمد أو أفكر بالنشر، إلى أن أرسلت لمجلة الجسور الثقافية مقالات مترجما حول التعليم ، حينها أشار علي أحد الأصدقاء من الكتاب على ضرورة الاستمرار في الكتابة والنشر، فمجال الكاتب إما الاستمرارية أو التوقف كليا، وكانت نصيحة قيمة جعلتني أكتب بغزارة وشغف وارسل كتاباتي للنشر، واهتمامي الأساسي أوليا كان كل ما يتعلق بالأسلوب الأمثل في التعامل مع الطفل والمراهق نفسيا وتربويا، وبدأت بترجمة الدراسات والمقالات التي تهتم بآخر الدراسات المتعلقة بهذه المواضيع، فنشرت لفترة طويلة في موقع الكتروني إماراتي sport 360 عشرات المقالات، أعمل حاليا على جمعها ضمن كتاب واحد.
بعد ذلك توجهت وبالتوازي مع نشر المقالات لترجمة قصص التراث الأجنبية التي تحمل الكثير من القيم الأخلاقية والإنسانية فنشرت عدة قصص ضمن إطار الترجمة والاقتباس منها قصة العرفان والنافذة السحرية والسمكة لونا والنهر ووردة لأمي وفرس النهر والسمكة وروح المرح أغلبها نشر مع مؤسسة نور التربوية في البحرين وفي مجلة أسامة ومواقع الكترونية، وغيرها الكثير التي لم تلق طريقها للنشر بعد.
وقد نشرت كتابا في عدة مواقع الكترونية غربية يحمل معلومات علمية ضمن إطار القصة الموجهة للطفل.
وخلال تلك الفترة جذبني عالم القصة من جديد فعدت للتأليف وكتبت عشرات القصص التي نشرت في المجلات وبعضها نشر أو قيد النشر مع دار الصفا الإماراتية مثل قصة نمور الكسلان، الصديقان، الغزال ناي، الدب الصغير.. بالإضافة لأكثر من عشرين قصة نشرت في المجلات أو قيد النشر.
وأود الإشارة أني كقاصة أتوجه في الكتابة للطفل، ولكن في مجال المقالات والأبحاث تستهويني كل العناوين الأدبية لا سيما ما يتعلق بالآداب العالمية والعربية وتاريخها ونشرت الكثير من المقالات حول الأدب الياباني وادب شكسبير وتاريخ أدب الطفل .. وغيرها الكثير في عدة مجلات عربية.
-هل اثرت بلاد الشام في تشكيل كتاباتك، أم تكتبين للطفل العربي بصفة عامة، من منطلق إنساني أو أيديولوجيا معينة؟
=الفترة الزمنية التي نشأت فيها وكبرت كانت هموم العرب ومشاكلهم متفاوتة بشكل طفيف، فمشاكل وبيئة الطفل العربي أغلبها كانت متشابهة، وكما ذكرت سابقا لا اعتقد ان طفلا عربيا في مرحلة ما من مراحل عمره لم يقر للراحل يعقوب الشاروني حتى قصص المجلات العربية الشهيرة مثل ماجد والعربي الصغير .. كان يقرأها كل أطفال الوطن العربي ويكتب فيها كتابا من كل أرجاء الوطن العربي. وأعتقد أن هذا ما جعل أبناء جيلنا والأجيال اللاحقة تنشأ على قيم سلوكية وأخلاقية متشابهة جدا، لذلك كتاباتي تتوجه للطفل في كل مكان فالقيم السلوكية التي تشربناها لازالت راسخة واحاول نقلها بشكل أو بآخر إما عبر القصة أو المقال رغم أن الأمور في الوقت الحالي أصبحت أكثر صعوبة نتيجة للتشتت الذي يعانيه طفل اليوم.
-ماذا قدمت التقنيات الحديثة لأدب الطفل، وهل يمكن استخدام الذكاء الصناعي لخلق فضاءات جديدة لأدب الطفل؟
=الوسائل الالكترونية الحديثة أئّر جدا في حياة البشر عامة، وأدب الطفل ليس بعيدا عن هذا التأثر، ولكن ككل شيء كي يستمر عليه أن يتطور ويواكب الواقع، لذلك انتشر النشر الالكتروني بصورة كبيرة جدا وهو أمر يحدث على مستوى العالم وأصبحنا حتى نحن الكبار نستغني شيئا فشيئا عن الكتاب الورقي، وعلينا تقبل فكرة النشر على المنصات والمواقع الالكترونية المهم أن يستمر الطفل بالقراءة وأن تصل له القيمة أو المعلومة، حتى أسلوب الكتابة الذي نشأنا عليه اختلف وأصبحنا بحاجة لأسلوب جديد ممتع شيق يبتعد عن الوعظ والعبر المباشرة التي لا يتقبلها طفل اليوم بأي حال من الأحوال والى أسلوب جديد يجذب الطفل عبر الحركة والصوت واللون والتقنية.
-هل ترين دورا ما لدولة الإمارات العربية، وبلاد الشام(سوريا) في النهوض بأدب الأطفال عربيا؟
=لاشك بأن لدولة الإمارات الفضل الكبير على العمل لنهوض أدب الطفل عبر تشجيع كتاب الوطن العربي للتوجه نحو هذا الهدف وحثهم على المشاركة بمسابقات والحصول على جوائز مثل جائزة اتصالات وهي من أهم الجوائز في مجال أدب الطفل، كذلك دعوة الكتاب وتنظيم فعاليات مثل مهرجان الشارقة للقراءة خطوة رائعة لترسيخ ودعم هذا الادب الرفيع الهام.
في سوريا للأسف أثرت الحرب في كافة المجالات ومنها تأثيرها على النشر للطفل رغم المجهود الخارق الذي لاتزال دائرة منشورات الطفل تقوم به باستمرار عبر نشر مجلتي أسامة وشامة الكترونيا وورقيا، ونشر سلاسل للأطفال بصورة منتظمة، وقد تبوأ عددا لابأس به من الكتاب السوريين داخل سوريا وخارجها، مراكز مرموقة في عالم الكتابة الموجهة للطفل والتي حصدت ولا زالت الجوائز واهتمام دور النشر حتى عالميا.
رؤى مسعود جوني كاتبة ومترجمة قصص أطفال، ولدت بمحافظة اللاذقية في الجمهورية العربية السورية، حازت على بكالوريوس في إدارة الأعمال ودبلوم تأهيل تربوي من جامعة تشرين ودبلوم في الترجمة، شاركت في العديد من الورش التدريبية في مجال أدب الطفل، نظمت مسابقات في أدب الطفل ودعمت مجال أدب الطفل خلال ترأسها قسم أدب الطفل في الاتحاد العالمي للمثقفين العرب.
نشرت أعمالها القصصية ومقالاتها التربوية والأدبية في العديد من المجلات ودور النشر في الوطن العربي مثل ( أسامة، العربي الصغير، واز..) (الشارقة الثقافية، الفجيرة، صوت بلادي، الديوان الجديد، مبدعون، وطني.، ميريت…)
