“تلك الأمة تحب الذهب والفضة والنساء والخيل وملذات الحياة ” .
*من مخطوطة قبطية قديمة

بقلم : حسني حنا
لم تكن سوريا بلداً غريباً على العرب قبل الغزو ، حيث كان تجار الحجاز واليمن يعرفونها بسبب التبادل التجاري وظلت في خيالهم رمز الوفرة والازدهار …..
وفي زمن الغزو دخل العرب سوريا كما دخلوا بلاد الرافدين ومصر وشمال أفريقيا وغيرها – ثم لم يخرجوا منها بعد ذلك.
وقد صارت هذه البلدان (عربية) عن طريق الانصهار الاجباري ، والقضاء على أيّة مقاومة للطرف المغلوب الذي انكمش رويداً رويداً ، وانكمشت معه ذكرياته، التي كادت ان تُمحى من كثرة التجاهل والنسيان ، وقد أهال التاريخ عليها رماده الصعب لكن آثارها لا تزال شاهدة وحكاياتها ما زالت تروى ويتم تداولها من خلال صوت رسمي وحيد هو صوت المنتصر الغالب، بينما بقي الصوت المكتوم قابعاً تحت الركام الرسمي مئات السنين …
التاريخ يؤخذ من الوثائق والآثار
يقول العالم ج. بوتيرو : “إذا كان التاريخ بمعناه الواسع معرفة دقيقة مفصلة ومؤكدة عن الماضي، فإن وجود الوثائق المكتوبة، يستطيع أن يوضّح لنا مجريات الأحداث”
وفي هذه المقالة سوف نعتمد على ما لدينا من مدوّنات تاريخية كتبها الاخباريون العرب أنفسهم ، وهي تحكي لنا حكايات دخول العرب الغزاة الى سوريا ، علّنا نلقي الضوء على بعض (المسكوت) عنه في كتب التاريخ ، وما تفرّع عنها من دراسات ونتائج، أخذت صفة القداسة مع مرور الزمن ، و كان قد تأخر جمعها مدة قرنين او ثلاثة بعد وقوعها ، فجاءت مضطربة في سياقها التاريخي، وقد كان الأسلام ولا زال مشروع سلطة وتنظيم سياسي بلباس ديني.
الحكاية من البداية
كان الجيش العربي القادم من شبه جزيرة العرب لـ (فتح) سوريا والبلدان المجاورة ، مكونا من وحدات قبلية تسمى ( ألوية) وكان معظم الجند من الفرسان النحاف البدن، شعث المظهر ، يمتطون الجياد النافرة ، وقد بدى عليهم أثر غبار الصحراء وآثار القتال المتواصل، وهم يحملون السيوف والرماح. وقد ذكر المؤرخ البلاذري (ت 892 م) في معرض حديثه عن دخول العرب الى سوريا (الطبيعية) التي كانت تضم سوريا الحالية ولبنان والاردن وفلسطين : ” لما فرغ أبوبكر من أمر أهل الردة رأي توجيه الجيوش الى تحرير سوريا ( بلاد الشام) فكتب إلى العرب يستنفزهم للجهاد ويرغبهم فيه وفي غنائم الروم ، فسار اليه الناس، بين محتسب وطامع” (فتوح البلدان ص 12).
ويقول المؤرخ الواقدي ( ت 823م) : “لما عزم الخليفة أبو بكر على (فتح / سوريا – بدأ بتوجيه الجيوش إليها … وتحرك أكابر قريش وأقبلوا على أبي بكر يستأذنون في الخروج الى بلاد الشام للقتال والمشاركة في الغنائم ( الواقدي ص 39).
حكاية دخول دمشق
بعد تقدم الغزاة العرب المسلمون في فلسطين وجنوب سوريا. ألقوا الحصار على دمشق، وبعد ستة أشهر من الحصار، وفي العاشر من شهر ايلول ( 635م) سقطت دمشق بأيديهم . وبسقوط هذه القاعدة السورية ، غداً النصر التام محققاً ، فقد احتل الغزاة باقي المدى السورية، وأحرزوا النصر النهائي في معركة اليرموك الشهيرة ( 30 آب / أغسطس 636 م ) .
وتبقى حكاية ( فتح ) دمشق من الحكايات التي تُروى ، وكل يذكر ذلك بالطريقة التى تحلو له ….
يقول الواقدي : بلغني أن أبا عبيدة بن الجرّاح لما دخل دمشق صلحاً ،سارت اليه القسس والرهبان وقد رفعوا الانجيل والمباخر ، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية ، ولم يعلم خالد بن الوليد ، لانه شدّد عليهم بالقتال …
ويذكر (الواقدي ) أن خالد بن الوليد دخل دمشق من جبهة باب شرقي بخيانة قسيس من الروم، حيث وضع خالد ومن معه من المسلمين السيف في الروم ، إلى أن وصل الى كنيسة مريم ، وهو يقتل ويأسر ….”
ويقول الواقدي : ” والتقى الجمعان عند الكنيسة (جيش خالد وجيش أبي عبيدة ) حيث أخبر أبوعبيدة خالداً أنه دخل المدينة صلحاً ، وكفى المؤمنين شرّ القتال (الواقدي ص 80).
وعلى تضارب الروايات في ذلك ، فإن الأمر الأكيد الذي أعطاه خالد بن الوليد هو : ( إما الدخول في الاسلام أو دفع الجزية أو القتل”.
حكاية الخائنين
يحكي المؤرخ الواقدي عن خيانات متعددة في صفوف الروم غير خيانة القسيس يونس، فقد ذكر الواقدي أن دخول مدينة بصري تم بالخيانة إضافة إلى خيانات أخرى عديدة، كان لها أثرها في إنتصار العرب المسلمين في معركة اليرموك وهزيمة الروم ( الواقدي، ص 138)
خطبة الخليفة عمر بن الخطاب
في أحد الأيام بعد دخول العرب المسلمين الى دمشق صلّى الخليفة صلاة الفجر ، وقام ورقي المنبر خطيباً وكان
مما قاله مخاطباً المصلين :
“…وبلادكم بلاد لازرع فيها ، ولاضرع ، ولاماء أو قربة ابل إلا في مسيرة شهر، وقد وعدنا الله مغانم
كثيرة ، واني أريدها للخاصة والعامّة (الواقدي ص 55) .
حكاية حديث القائد ماهان
أورد المؤرخ الواقدي هذا الحديث على لسان أحد قادة الروم البيزنطيين ، يصف فيها العلاقة ، التي كانت قائمة بين سكان بلاد الشام وعرب شبه الجزيرة قال:
“وقد كان يا معاشر العرب طائفة منكم يأتون الينا ونحن نحسن اليهم ، ونفي لهم بالوعد ، وكنا نظن أن العرب كلها تعرف ذلك من جميع القبائل وتشكرنا عليه … فما شعرنا حتى جئتمونا بالخيل والرجال ، جئتم تقتلون الرجال ونسبون النساء وتغنمون الأموال، وتهدمون الأطلال ، وتطلبون أن تخرجونا من أرضنا، وتغلبونا على بلادنا ،خرجتم من جدوبة الأرض وقحط المطر فانجليتم الى بلادنا ، وأفسدتم كل الفساد” ، (الوافدي ج : ص 142 وما بعدها).
حديث خالد بن الوليد للقائد ( وردان)
ذكرهذا الحديث المؤرخ الطبري (ت 923 م ) :
” إن الله عز وجل ، أغنانا عن صدقاتكم وأموالكم ، وجعل أموالكم نتقاسمها بيننا، وأحل لنا نساءكم وأولادكم (الطبري ج 2 ص (46) ويمكن لنا أن نضيف هذا أن (الفاتحين العرب قد أغتنوا كثيراً. وكان أهل بلاد الشام يزرعون للعرب، ويصنعون للعرب ، ثم يحتقرهم العرب ،ويتعالون عليهم. وكان شحن الأحوال لا يتوقف من بلاد الشام الى مكة والمدينة .
حكاية كلام عمرو بن العاص
ذكر الواقدي ما قاله عمرو بن العاص لابن ملك الروم الذي يسميه الواقدي ( فلسطين ) وهو يقصد ( قسطنطين ) :
“أيها الملك … كنا نأكل خبز الشعير والذرة ، فإن رأينا طعامكم استحسنّاه ، ولن نبارحكم حتى نأخذ البلاد منكم وتصيرون لنا عبيداً …” (الواقدي جـ2 صـ 14-15)
حكاية كلام خالد بن الوليد للقائد كالوس
من خبر نزال خالد بن الوليد للقائد (كالوس) في حرب دمشق أن خالداً أجاب مُنازله قائلاً :
“وأما ما ذكرت من بلادنا أنها بلاد قحط وجوع فالأمر كذلك الا ان الله تعالى أبدلنا ما هو خير منه ، فأبدلنا بدل الذرة ، الحنطة والفواكه والسمن والعسل (الواقدي ص 19) وهذا ما وجده الغزاة العرب فعلاً في بلاد الشام .
هوامش على دفتر الفتح
* لعب الدين دوراً كبيراً في التاريخ ، خاصة لدى الأمم والشعوب التي كان أحد أسباب نشأتها.
* نشأت الامبراطورية العربية الاسلامية ، ونشأ معها الاختلاف بين الحكام وتنازعهم الأمر ، وحروبهم مع بعضهم ، التي لم تكن في الغالب على نصّ ديني أو غاية دينية ، بل على السلطة والنفوذ، و قد امتّدت تلك المنازعات الى كل مكان دخله العنصر العربي ، والتي ما زلنا نشهد بعض فصولها وصورها إلى يومنا هذا..
*يقول ابن خلدون : “إن العرب لا يحصل لهم الملك الا بصبغة دينة.. وهو القائل : ما دخل العرب بلادأ إلا واسرع إليها الخراب.
*يقول جمال الدين الأفغاني : ” الشريعة الاسلامية ترفض كل قانون مخالف شريعتها، ثم يقول : “ليس للمسلمين هوية الا في دينهم”.
* كانت تجليات الجنّة ونعيمها كما حلم بها العربي (ابن الصحراء) تقابله في سوريا، وتأخذه بسحرها، وبعد امتلاكها بالسيف أصبح كل ما فيها مسخراً لخدمته
الفواكه والأعناب والأشجار والطيور والأنهار الجارية اللبن والعسل، والرجال والنساء والأولاد ، الذهب والفضة ، حتى الخمر كانت متوافرة وكان العديد من رجال السلطة يشربونها (انظر كتاب الأغاني ومروج الذهب والعقد الفريد، وتاريخ الخلفاء … .
*نهب العرب الكثير من الأسلاب، وسبوا النساء والأطفال وقد اشار الى ذلك المؤرخون العرب انفسهم مثل البلاذري وابن عبد الحكم ، وكانوا يفضلون أخذ الجزية على قبول الاسلام، وكان يقال : ” الجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين”.
*إن استقراء أحداث الغزو (الفتح) العربي لبلاد الشام وغيرها من خلال المصادر العربية او كتب التراث، تغفل وجود السكان الأصليين أصحاب الأرض وبُناة حضارتها ، وكان لايُنظر إليهم الا كدافعين للجزية والخراج اساساً أو ممولين للفئة الحاكمة، التي تعيش بسيوفها ورماحها .
*کانت الكتابة عن (المرأة) شبه مستحيلة ، وسط الركام الهائل من المصادر التاريخية النافية للنساء ، علماً أن تلك المصادر نفسها، تتحدث بإسهاب عن الجواري الحسان والغلمان والسبايا والخصيان ، والنخاسة وغيرها ، مما لم يكن في الحسبان.








