
مكة ليست مجرد مدينة على الخريطة ولا اسم يذكر في نشرات الأخبار. مكة هي مركز الثقل الروحي لما يزيد على مليار إنسان. ولذلك فأي حديث عن إستهدافها لا يمكن أن يمر مرور الكرام ولا أن يفهم خارج سياق المصالح الكبرى التي تتحرك في المنطقة.
- أي خطوة من هذا النوع تعني إنتحاراٌ سياسياٌ قبل أن تكون مغامرة عسكرية
من المستبعد عقلاٌ أن يختار الحوثي هذا التوقيت تحديداٌ ليضع نفسه في مواجهة مباشرة مع كل ما هو مقدس لدى العرب والمسلمين. الحوثى اليوم مشغول بتثبيت سلطته في الداخل اليمني. وبتسويق نفسه كطرف فى المفاوضات له ثقل إقليمي. أي خطوة من هذا النوع تعني إنتحاراٌ سياسياٌ قبل أن تكون مغامرة عسكرية. ستغلق عليه كل الأبواب التي فتحها أخيراٌ وستحوله من فاعل إلى عبء حتى على حلفائه.
طهران أيضاٌ ليست بعيدة عن هذه المعادلة. هي تلعب منذ سنوات بلعبة طويلة النفس. توظف أذرعها حيث تحتاجها وتسحبها حيث تضرها. إيران تريد كسر العزلة. تريد نفوذاٌ عبر السياسة والإقتصاد لا عبر مغامرة دينية تضعها في مواجهة العالم الإسلامي كله. السذاجة التي ينسبها البعض لها في مثل هذه القرارات تتجاهل أن صناع القرار هناك يحسبونها بالورقة والقلم، ويعرفون جيدا أن المساس بمكة يعني خسارة كل ما بنوه من قصص المقاومة والمظلومية في لحظة واحدة.
- إذن لماذا يطفو الحديث عن الهجوم على مكة الآن وبقوة؟
لأن هناك من يحتاج إلى نقل المعركة من ساحتها الحقيقية إلى ساحة أخرى. هناك من يريد أن يحول الصراع من صراع على الأرض والحقوق إلى صراع الهوية والدين يسهل تسويقه وتبريره.
نقل المواجهة إلى صراع عربي عربي أو إلى عنوان طائفي هو هدف إستراتيجي قديم بشكل جديد. بهذه الطريقة يصبح المستفيد من هذا الصراع متفرجاٌ ويصبح من حق أي طرف أن يتدخل تحت شماعة حماية المقدسات والدفاع عنها.
التاريخ علمنا أن ندفع ثمن هذا الفخ مرات ومرات. كلما اقتربت المنطقة من تفاهمات أو هدوء نسبي يظهر حدث كبير يعيدنا إلى نقطة الصفر ويعيد إنتاج الخوف بداخلنا. لذلك فالمقاومة الحقيقية لا تكون برفع الصوت ولا بالإنسياق خلف الرواية الأولى المزعومة. المقاومة تكون بالسؤال البسيط الذي يربك الجميع من المستفيد؟ من الذي سيجني المكاسب السياسية والإعلامية والعسكرية بعد ساعات من وقوع الحدث؟ من الذي سيستخدم القصة لتبرير خطوته القادمة؟
- القضية ليست دفاعاٌ عن طرف ولا تبرئة لآخر
حين نطرح هذا السؤال نجد الإجابة على الفور قبل أن نردد أي اتهام. وحين نرفض أن نضع الحوثي وإيران والعرب جميعاٌ في سلة واحدة اسمها فتنة. نكون قد حافظنا على وعينا. القضية ليست دفاعاٌ عن طرف ولا تبرئة لآخر. القضية هي ألا نسمح مرة أخرى بأن تدار المنطقة بريموت خارجي يضغط على زر الطائفية كلما أراد أن يعيد ترتيب الأوراق.
مكة أكبر من أن تكون هدفاٌ في صراع تكتيكي. وأكبر من أن تكون ورقة في يد أحد. ومن يفهم ذلك يفهم لماذا يجب أن نكون أذكى من القصص الجاهزة التي تنتظرنا في كل منعطف.







