
هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
مع ازدياد جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال وهتك عرضهم في السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات المجتمعية نحو تشديد العقوبات ووضع تدابير رادعة قادرة على الحد من تكرار هذه الجرائم، التي تُعد من أخطر الاعتداءات على الكرامة الإنسانية.
ورغم أن الإخصاء — في بعض الدول — أصبح عقوبة مشروعة أو خيارًا قضائيًا في جرائم الاعتداء الجنسي، إلا أنه في المقابل يثير موجة من الانتقادات، ومدى توافقها مع حقوق الإنسان، وموقعها من تعاليم الكتاب المقدس والشريعة الإسلامية.
ضمن هذا السياق برزت عقوبة الإخصاء (الجراحي أو الكيميائي) كأحد المقترحات أو النماذج التي تبنتها بعض الأنظمة القانونية في صور مختلفة
أن الإخصاء كعقوبة جنائية يأخذ شكلين أساسيين:
1. الإخصاء الجراحي:
تدخل جراحي يؤدي إلى إزالة أو تعطيل دائم للوظائف التناسلية.
وهو إجراء غير قابل للرجوع غالبًا، ويعتبر الأكثر إثارة للجدل.
2. الإخصاء الكيميائي
إعطاء أدوية تحدّ من الرغبة الجنسية عبر تثبيط الهرمونات.
وهو إجراء قابل للتراجع في حال وقف العلاج، ولذلك تتجه إليه أغلب التشريعات التي تعتمد هذه العقوبة.
اعتمدت عدة دول على تطبيق عقوبة الإخصاء في حالات محددة، أبرزها:
• كوريا الجنوبية التي شرّعت عام 2011 نظامًا يجيز فرض الإخصاء الكيميائي على مرتكبي الاعتداءات الجنسية ضد القاصرين.
• عدد من ولايات الولايات المتحدة التي تربط تنفيذ الإخصاء الكيميائي بتكرار الجريمة أو بمرحلة الإفراج المشروط.
• بعض الدول الآسيوية والأفريقية التي اتجهت لاعتماد الإخصاء في نطاق ضيق، تحت ضغط ارتفاع معدلات الاعتداءات على القاصرات.
تستند هذه القوانين إلى مفهوم حماية المجتمع ودرء الخطورة الإجرامية، وهو مبدأ معترف به في فلسفة العقاب، خاصة في الجرائم التي يتكرر فيها الاعتداء بصورة مرضية أو مدفوعة بنزعات لا يمكن السيطرة عليها بالحبس وحده.
التساؤل الذي يطرح عنه هنا ما مدى توافق الإخصاء مع الأنظمة العقابية الحديثة وحقوق الإنسان؟.
تقييم هذه العقوبة في ضوء المعايير الدولية لحقوق الإنسان يعتمد على عدة عوامل:
1. حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية
تنص المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التعذيب على حظر أي عقوبة تنطوي على معاملة قاسية أو مهينة.
ويذهب عدد من الفقهاء وهيئات حقوق الإنسان إلى اعتبار الإخصاء القسري عقوبة تمس الكرامة الجسدية مما يجعله في نطاق المحظور إذا فُرض دون موافقة حقيقية أو رقابة قضائية صارمة.
2. الطوعية والضمانات
ترى بعض الأنظمة أن الإخصاء الكيميائي يمكن أن يتوافق مع حقوق الإنسان إذا كان:
• اختياريًا وليس قسريًا،
• خاضعًا لإشراف طبي دقيق،
• مقيّدًا بقرار قضائي واضح وقابل للطعن.
• مرتبطًا بحالات تكرار الجريمة حيث يظهر للمحكمة وجود خطورة جنسية مؤكدة.
وبالتالي: كلما ابتعدت العقوبة عن القسر واقتربت من العلاج المنضبط، قلّ التعارض مع مبادئ حقوق الإنسان.
وماهو حكم الإخصاء في ضوء تعاليم الكتاب المقدس؟
لا يتضمن الكتاب المقدس نصًا تشريعيًا يُقرّ الإخصاء كعقوبة لمرتكبي الجرائم الجنسية.
ومع ذلك، يستند بعض اللاهوتيين إلى مبدأ حماية الإنسان وكرامته كأساس لتقييم العقوبات، ويرون أن الكتاب المقدس يدعو إلى العدالة والحماية دون اللجوء إلى إجراءات تمسّ بسلامة الجسد وإذايته بطريقة دائمة.
وعليه: فإن الإخصاء كعقوبة ليس له سند تشريعي مباشر من الكتاب المقدس، ولا يتسق مع مبدأ كرامة الجسد ورفض الإيذاء الجسدي الدائم الذي تؤكد عليه التعاليم المسيحية.
وماذا عن موقف الشريعة الإسلامية من عقوبة الإخصاء؟
الشريعة الإسلامية — في أصولها وفقهها — لا تقرّ الإخصاء كعقوبة لجرائم الاغتصاب أو الاعتداء على القاصرين.
وتستند قاعدة الرفض إلى مقاصد الشريعة في حفظ الجسد ومنع الإضرار الدائم به، واعتبار الإخصاء نوعًا من التمثيل الممنوع شرعًا.
ولهذا يرى جمهور الفقهاء أن الإخصاء — خصوصًا الجراحي — يمثل إضرارًا دائمًا لا تقره مقاصد الشريعة، ويمكن تحقيق الردع عبر عقوبات بديلة مثل السجن المؤبد و السجن المشدد أو أو الإعدام، دون المساس الجسدي الدائم بالجاني.
وعليه: الإخصاء عقوبة غير معتمدة في الشريعة الإسلامية ، وتعارضها كتب الفقه تحت باب “تحريم التمثيل بالجسد” و“عدم جواز الإضرار الدائم إلا بحق شرعي منصوص”.
أن عقوبة الإخصاء — رغم انتشار النقاش حولها — تظل واحدة من أكثر العقوبات إثارة للجدل، لأنها تقف عند الحد الفاصل بين حماية المجتمع وبين انتهاك سلامة الجسد الإنساني.
ويبقى الحل — وفق التوازن القانوني والحقوقي والفقهي — في تشديد العقوبات وهو ما فعله المشرع المصري بفرض عقوبات رادعة لمنع كل ما تسول له نفسه ارتكاب تلك الجرائم البشعة.
ويظهر من الموقف الحقوقي والديني المقارن أن الردع الحقيقي لا يتحقق بإيذاء الجسد، بل بإصلاح منظومة العدالة، وتشديد العقوبات التقليدية، وتوفير حماية فعّالة للأطفال، وإطلاق برامج علاج نفسي وسلوكي للجناة، وتكثيف الوعي المجتمعي.
وهكذا، فإن حماية الطفولة لا تتحقق عبر إجراءات استثنائية تمسّ الجسد، بل من خلال منظومة شاملة تُطبّق فيها العدالة وتُصان فيها كرامة الإنسان.
