
بقلم: إبراهيم الديب
عجوز أكل عليه الدهر وشرب، تأهب كثيراً واستعد نفسياً لاستقبال الموت، لكونه اصبح شيخا هرما ولكن لا لقاء يجمع بينهما ، فقده الشغف بالحياة سببه وفاة زوجته ، واعتقاد أن العمر طال به ؛فهو يقبع منذ فترة على تخوم الموت والحياة ولا يدري لحساب أي منهما يعيش ، عند اشتداد المرض عليه في الأيام الأخيرة، فيظن حينها لشدة الإحساس بوطأته أنها النهاية ،و لا محالة لن يفلته ملك الموت هذه المرة ، كان الرجل يدعو الله مغفرة سيئات ارتكبها ؛ هو من يعلمها وحده، ويواصل اعترافه لرب العالمين على مسامع من أحفاده دون شعور منه، الذين يخبرون عن معاصيه أثناء اعترافه بها لرب غفور رحيم : آبائهم من باب التسلية و الفكاهة ومرح وعبث الصغار.
فيبدأ الرجل في محاولة إنجاز عملية توزيع ثروته: على أحفاده لشعور يداهم الرجل بدنو أجله ويصبح في سباق مع ملك الموت المتربص به، تتمثل ثروة في ثمن مجموعة من أقفاص من الخضار والفاكهة يجلس وسطها في محله القديم ليس لغرض الكسب قدر أنها قتلا للوقت بعد رفضه طلب أولاده بغلق المحل والبقاء في البيت فهو لم يعد في حاجة للعمل،
ثم تأتي زوجة إبنه بالدواء الذي يتناوله الرجل العجوز على الفورليشعر بعدها بفترة قصيرة؛ بتحسن صحته و أن عافية تدب في جسده ، ليجد نفسه مرة أخرى من أهل الدنيا وأقرب لها من الآخرة وتجري عليه قوانينها ، فينادي على أحفاده مرة ليجمع منهم نقود ثمن بضاعة المحل مرة أخرى فقد افلته الموت هذه المرة أيضاً على غير رغبته ،وليس أمامه في هذه الحالة الا ممارسة طقوس حياته المعتادة ،وما يتخللها من بيع وشراء : ليستعطف العجوز الصغار و يتوسل إليهم لرد نقوده إليه ، ويذكرهم انه لم يسعى لذلك ولكنها ؛إرادة الله ومشيئته، و لابد من استمرار الحياة ومعها تجارته وانتظار ملك الموت ، فتعود للرجل نقوده ناقصة مثل المرات السابقة التي استبق فيها ملك : توزيعها قبل قبض روحه .
يتعلل له بعض أحفاده ممن لا يستطيعون رد شيء من أموال :الرجل لاعتقادهم أن الموت مغيبه هذه المرة لا محالة وأن النقود أصبحت خالصة لهم، فيبدأ كل منهم بالإنفاق منها على عند وقوعها مباشرة في أيديهم ،ثم يواصل العجوز حياته وتجارته بما تبقى معه حتى؛ انه في المرة الأخيرة بعد جمعه للنقود لم يستطيع المبلغ البسيط الا شراء عدة اقفاص قليلة من الخضر والفاكهة و كأن المحل يشارك العجوز ضموره بعد كل عملية توزيعه لثروته وهكذا في كل مرة عند شعوره بشدة وطأة المرض عليه يقوم بتوزيع نقوده ثم تتحسن صحته؛ بعد تناوله الدواء ،فيقوم بجمعها منهم ثانية..
زاره ملك الموت في ليلة هادئة؛ دون ألم، أو شكوى من مرض ،لم يتمكن فيها من الصلاة، والدعاء و طلب مغفرة من رب رحيم عن ذنوبا لا يعلمها إلا هو ،ولم يتمكن من توزيع ثروته على أحفاده ليشاهد سعادتهم بنقوده بعد ان تصبح في أيديهم..
