
بقلم دكتورة/ مريم المهدي
قالوا عنها إنها صمام الامان ، ووصفوها بـ”رمانة الميزان”، وأكدوا أن وجودها ضمان للتنمية الاقتصادية وتوثيق للسلم الاجتماعي ودعم لما تحتها من طبقات وحماية لما فوقها من فئات.حتى أزمنة قريبة مضت، كان أبناؤها وبناتها يزهون بأنفسهم ويعتدون بمكانتهم ويثقون في قدراتهم وإمكاناتهم التي تضعهم في وسط المجتمع وقلب اهتمامه وجل احترامه. فلا هم يعانون في قاعدة الهرم حيث حلقات مفرغة من الفقر وتشابكات معقدة من عادات ضارة وتقاليد بالية ومفاهيم تدفع بعضهم نحو مزيد من العوز، ولا هم رابضون أعلى الهرم حيث أبراج الأغنياء المخملية ومشكلاتهم المتعلقة بمستوى الرفاهية.
طبقة قليلة الحظ :
لكن لسبب أو لأسباب ما، يبدو أن أبناء وبنات هذه الطبقة قليلو الحظ. فعلى مدار ما يزيد على نصف قرن تجد مكونات الطبقة المتوسطة في مصر نفسها الأكثر سداداً لفواتير مصر السياسية وكلفة مشكلاتها الاقتصادية، واحتياجات الفقراء والمحتاجين الناجمة عن كثرة إنجاب الأطفال مع قلة أو انعدام محركات الاقتصاد. هبات وأنواء تعصف بهذه الطبقة اللطيفة المسالمة قليلة الطلبات منخفضة الصوت واسعة الصدر كثيرة الصبر على مدار عقود طويلة. حيث تقبع هذه الطبقة في منطقة وسط بين انفصال الأثرياء عن الواقع واحتياجاته، وانفصال الفقراء عن الواقع وإمكاناته، وتتباهى بأنها الأكثر اتصالاً بالمجتمع واحتياجاته والطبقات وقدراتها، وذلك لنوعية التعليم الجيد الذي تتلقاه، مع محدودية نسبية للدخل حيث لا تملك سوى رواتبها حتى وإن كانت مرتفعة، وعزة نفس لا تسمح لها بالسعي للحصول على بطاقة تموين مخصصة للأكثر احتياجاً أو مساعدة استثنائية على سبيل التكافل، ان مفهومها عن الكرامة يبدأ بالاكتفاء الذاتي.
سؤال لا مفر من التامل فيه : ما هو مصير المجتمع والسياسة المصرية الان وفي السنوات المقبلة ؟ هل تستمر الحلقة المفرغة: طبقة وسطى تزداد هشاشة فتزداد تبعية وخوفًا، وسلطة تتشبث بشرعيات بالية وتزداد استبدادًا، ومجتمع ينكمش على همومه اليومية بينما تعصف به أمواج العالم من حوله؟ أم نشهد ولادة وعي جديد – و ربما حراك جديد – يستعيد للمصريين زمام مصيرهم الجماعي؟
قراءة جادة للوضع المصري تبدأ من الوقائع كما هي، لا من الروايات المعلبة ولا من «الفانتازيا» المهدّئة أو المُخيفة؛ وأن ما يلزمنا قبل الحلول التقنية هو استعادة المعرفة الموثوقة والفعل الجماعي بوصفهما شرطين لأي إصلاح ممكن.– القضية الوطنية، والقضية الاجتماعية، وقضية الحريات – ومن دون معالجتها معًا تتحول «الإصلاحات» إلى ترميمٍ وهمي .فعندما ننتقل إلى تفاصيل المعيشة، « نجد تعميم البؤس »، تسليع ما كان مُشاعًا (الماء، الهواء، الكورنيش، حتى «الاحترام»، وانحدار جودة الحياة، بحيث يدفع الناس أثمانًا أعلى لقاء خدمات أردأ، على نحوٍ يُفقِد الجنيه قيمته الرمزية قبل قيمته الشرائية. هنا تنكشف هشاشة الحراك الاجتماعي بوصفه وهمًا يغطي على تدهورٍ بنيوي في التعليم والصحة والنقل وروابط العيش المشترك .
غناك لا يقاس بفقر الآخرين ( تعميم البؤس في مصر) : وما الذي يبقى من «الدولة الوطنية» إذا انفصل الأمن عن الحرية، والاقتصاد عن العدالة ؟ ان فكرة صعود الفرد من القاع إلى القمة بجهده الذاتي وحده هو خيال أسطوري وتضليل يستخدم لتبرير الفوارق الطبقية وإخفاء العوامل البنيوية التي تتيح لقلة حصد المكاسب على حساب الغالبية. ان كل الرموز الثقافية والتفاعلات اليومية في الان تخدم هدفًا جوهريًا: تحديد المركز الطبقي وترسيخ حدود الصراع الطبقي في المجتمع. ولا عجب أن تصبح العصامية، كفكرة النجاح الفردي، جزءًا من هذه الرموز الخادعة التي تشوش عملية الفرز الطبقي المستمرة؛ فهي تَعِدُ أبناء الطبقات الكادحة بإمكانية كسر السقف الاجتماعي عبر العمل والمثابرة، بينما الواقع أن حراكهم محكوم بسقف واطئ لا يكاد يُرى.
تفكيك الطبقة الوسطى وتعميم البؤس :ـ قراءة مؤلمة لمسار هذه الطبقة التي كانت تاريخيًا عماد الاستقرار والتحديث في المجتمع المصري.“تعميم البؤس” في مصر – أي انتشار الفقر والتدهور في جودة الحياة ليشمل شرائح أوسع من المجتمع، بعدما كان محصورًا في هوامشه التقليدية.أنه لم يعد من السهل اليوم رسم حدود واضحة للطبقة الوسطى كما اعتدنا؛ فقد تآكلت المعالم الفارقة بين الشرائح الاجتماعية بشكل كبير. ظلت الأسر المصرية متوسطة الحال تقاوم الاعتراف بتدهور أحوالها: استنزفت مدخراتها، استدانت للقشة الأخيرة، ودفنت رأسها في رمال إنكار طويلة. لكن بعد ثلاث أو أربع سنوات من الصدمات الاقتصادية المتوالية – بدءًا من تحرير سعر الجنيه أواخر 2016 وما تلاه من موجات تضخم وغلاء – لم يعد بالإمكان تجاهل الحقيقة.إنها عملية إفقار تاريخية متعمدة للطبقة الوسطى قد حدثت ولم يعد ممكنًا إنكارها؛ وعلى الناس أن يتعاملوا انطلاقًا من هذا الواقع الجديد. ومع تدهور القدرة الشرائية وانفلات الأسعار، أصبحت تفاصيل الحياة اليومية للطبقة الوسطى أشبه بكفاح مستمر للحفاظ على الكرامة والبقاء. مع حدوث ظواهر صادمة لم يعهدها أبناء الطبقة الوسطى من قبل: ندرة البروتين الحيواني وارتفاع أسعاره الجنوني، حتى صار الحصول على بيضة أمراً غير يسير، علي المصريون – أي بدائل زهيدة الثمن ومنخفضة الجودة للحوم والدجاج – وانتشر استخدام تلك البدائل بشكل يائس.
التبدلات العنيفة التي وقعت في بنية المجتمع – وأبرزها الإفقار الشديد للطبقة الوسطى المصرية – تعني أن أي انفجار اجتماعي لن يكون صراعًا بين فقراء وأغنياء بقدر ما سيكون صراعًا بين الغالبية الساحقة التي طحنها البؤس وبين قلة معزولة استفادت من الوضع القائم.
حصاد الوهم والدمار ( سياسة الجباية الممنهجه وبيع الاصول الخاسرة :
بدلاً من مراجعة هذه السياسات الكارثية، تصر السلطة على فرض المزيد من الضرائب والرسوم والجمارك (سياسة الجباية الممنهجة)، بالتوازي مع التوسع في بيع أصول الدولة الرابحة والشركات التاريخية، كشركات الأسمدة، والموانئ، والبنوك، والفنادق التاريخية، وهي أصول كانت تدر دخلاً مستداماً للأجيال القادمة، مما يعني تجريد الدولة من كل مصادر قوتها الاقتصادية الذاتية. (أين ذهبت مصر بعد 25 يناير 2011 ) ؟ لم يكن الثالث من يوليو 2013 مجرد انعطافة سياسية عابرة في تاريخ مصر الحديث، بل كان زلزالاً جيوسياسياً أطاح ببنية الدولة الوطنية، ودشن حقبة من التجريف الممنهج للهوية والسيادة والاقتصاد. اليوم، وبعد سنوات طويلة من الحكم الفردي المطلق، يقف المراقب والمواطن على حد سواء أمام مشهد سريالي قاتم يُلخصه سؤال واحد يتردد بمرارة في مصر، وفي أروقة مراكز الأبحاث الدولية: أين مصر الآن؟ الجواب الذي تكشفه الوقائع على الأرض لا يحتاج إلى تجميل؛ لقد تحولت ارض الكنانة من قائدة للمنطقة وصانعة لقراراتها، إلى دولة تابعة، مرهونة الأصول، مخنوقة الإرادة ، ومحكومة بقبضة أمنية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد المعاصر.

الفشل الاقتصادي الهيكلي : سياسة القروض الفلكية وإفقار الشعب الممنهج نتاج فخ الديون الكارثي وسحق الجنيه المصري :
إن الملف الاقتصادي يمثل الطعنة القاتلة التي وجهها نظام الحكم لجسد المجتمع المصري، حيث تسببت عقلية “إدارة الدولة كمشروع مقاولات شخصي” في انهيار مالي واجتماعي شامل.
يعيش الاقتصاد المصري اليوم في حلقة مفرغة ومرعبة من الاستدانة المستدامة لسداد الديون. قفز الدين الخارجي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ البلاد، والتهمت فوائد وأقساط القروض الجزء الأكبر من الموازنة العامة للدولة. هذه القروض الضخمة لم توجّه إلى مؤسسات هامه كالتعليم والصحة وقطاعات إنتاجية كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، بل أُنفقت ببذخ على مشروعات خرسانية عملاقة ، ومدن جديدة في الصحراء صُممت لتكون معزولة عن غالبية الشعب، وعاصمة إدارية جديدة كلفت الخزينة ما لا تطيق، فقط لخدمة الدعاية السياسية. نتج عن هذا الفشل البنيوي والارتهان لشروط صندوق النقد الدولي انهيار تاريخي في القيمة الشرائية للجنيه المصري، الذي فقد أكثر من ثلثي قيمته عبر سلسلة من التعويمات المتتالية. هذا الانهيار قاد إلى موجات تضخم جنونية طالت أسعار السلع الأساسية، والأدوية، والخدمات، والوقود، والكهرباء. النتيجة المباشرة كانت سحقاً كاملاً للطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمان المجتمع، وتحول ملايين الأسر إلى ما دون خط الفقر، حيث باتت لقمة العيش والقدرة على توفير الاحتياجات البيولوجية الاساسية هي الحلم الأسمى للمواطن المصري. بدلاً من مراجعة هذه السياسات الكارثية، تصر السلطة على فرض المزيد من الضرائب والرسوم والجمارك (سياسة الجباية الممنهجة)، بالتوازي مع التوسع في بيع أصول الدولة الرابحة والشركات التاريخية، كشركات الأسمدة، والموانئ، والبنوك، والفنادق التاريخية، وهي أصول كانت تدر دخلاً مستداماً للأجيال القادمة، مما يعني تجريد الدولة من كل مصادر قوتها الاقتصادية الذاتية.
سيناريوهات هندسة البقاء: ( خطة تعديل الدستور أوالاتيان ببديل جاهز في ادراج الاجهزة الامنية ) “؟
مع وضوح حجم الفشل الداخلي ، وتصاعد التململ الصامت في الشارع المصري وفي بعض مؤسسات الدولة، تبدو هواجس البقاء في السلطة وحماية النخبة الحاكمة من أي محاسبة مستقبلية هي المحرك الأساسي لمطبخ القرار الأمني. وتتحرك الأجهزة حالياً وفق سيناريوهين مرسومين بدقة لإدارة المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: التعديل الدستوري الفج للمد والتأبيد: يدرس النظام بجدية عبر أذرعه التشريعية في البرلمان والمجالس الصورية طرح حزمة جديدة من التعديلات الدستورية؛ الهدف منها هو تمديد فترة حكم السيسي الحالية أو السماح له بالترشح لمدد إضافية جديدة تحت مبررات “الظروف الإقليمية الاستثنائية، ومواجهة مؤامرات حروب الجيل الرابع، واستكمال المشروعات القومية”. هذه الهندسة الدستورية المتكررة تعكس عدم اعتراف النظام بمدنية الدولة أو التداول السلمي للسلطة، وتحويل الدستور إلى مجرد “ورقة تفصيل” تخدم بقاء الحاكم الفرد.
السيناريو الثاني: صناعة وتلميع “البديل “: في حال تصاعدت الضغوط الدولية، أواذا وصل الانسداد الاقتصادي إلى نقطة الانفجار التي تتطلب تقديم كبش فداء لامتصاص الغضب الشعبي، فإن الخطة البديلة جاهزة في أدراج الأجهزة الأمنية. تقوم هذه الخطة على صناعة “بديل واجهة” من داخل صلب المنظومة الأمنية، وتحديداً من خلال تلميع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الحالي مثلا عبر الآلة الإعلامية والأذرع القنواتية التابعة للجهاز بشكل مكثف وممنهج. يتم تقديمه للمجتمع الدولي وللداخل في ثوب “رجل الدولة الرصين، المنقذ، والقادر على الإصلاح الاقتصادي وضبط التوازنات السياسية”. لكن الحقيقة التي يدركها كل ذي بصيرة أن هذا البديل لن يكون سوى “أراجوز ماريونيت” يتم تحريك خيوطه من وراء الستار بواسطة نفس شبكة المصالح لضمان عدم فتح ملفات الفساد، واستمرار ذات السياسات القمعية والاقتصادية الرهينة، ولكن بوجه جديد يمنح السلطة صك غفران مؤقت وصلاحية ممتدة.
سؤال هام :
أمام هذا الحصاد الواقعي لسنوات الحكم الحالية منذ ثورة 25 ينايروالتي الان تخطط للسيناريوهات القادمة للتمديد أو التبديل الصوري للسلطة .. هل ترى أن الشعب المصري والنخبة السياسية ما زالوا يملكون أدوات لفرض إرادتهم وكسر حلقة الاستبداد المفرغة، أم أن ” الخوف والارتهان” قد نجحا تماماً في إغلاق نوافذ المستقبل؟








