
أ.م.د. سهام عبد الباقى محمد
رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية
بولاية منيسوتا الأمريكية -المركز الرئيسي
يعدّ الوعي الأداة الإنسانية الأهم التي لا غنى للإنسان عنها. فبه يستكشف العالم من حوله، ويصوغ رؤيته الخاصة في التعاطي مع بيئته ووسطه الاجتماعي، ويبني نمط تفكيره المستقل. الوعي تجربة ذاتية عميقة وفلسفة شخصية، تعين الإنسان على فهم واقعه، والتعايش معه، وتجاوز صعابه بأفضل الطرق الممكنة. ولكن ماذا لو سُرق منك هذا السلاح؟
في ظل الثورة الرقمية وسرعة تداول الأخبار والمعلومات، صار لوسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام اليد العليا في صياغة أفكار المجتمع وإعادة تشكيل القيم المجتمعية. من خلال ما تبثه من محتوى، منه الجيد ومنه ما دون ذلك؛ لبعده عن الواقع الحياتي المعاش، وعمّا يدور بِخٌلد رجل الشارع . ومما يٌضاعف قدرتها على التأثير تمكّنها من توجيه وتشكيل الرأي العام المجتمعي، الذي بات منجرفًا نحوها دون وعي بحقيقة أهدافها.
الرأي العام الذي كان يومًا “قوة ناعمة” يمارس الضغط على السلطات ويواجه المشكلات الاجتماعية، ويٌدلي بدلوه في الجرائم المجتمعية الكبيرة، غُيّب. تم ذلك عبر خطة ممنهجة استهدفت ضبطه وتوجيهه تحقيقًا لإرادة مراكز القوى العالمية والمحلية، بهدف خلق مجتمع يحقق كل ما يخدم مصالحها، ويزيدها ثراءً وتمكينًا. ومن الحقائق التي لا سبيل لعاقل إنكارها: أن الله تبارك وتعالى قد خلق الإنسان بعقل منفتح وإرادة حرة ليتفكر في ملكوت السماوات والأرض، ويُعمّر الأرض بقدراته التي أودعت فيه. لكنه فرّط بهذه المكتسبات الإلهية، فصار اليوم أسيرًا لـ”استنساخ” مُمنهج: لأفكار مستوردة، وقيم غربية، ونمط تفكير متجرد من المعتقد الديني والهوية الحضارية.
فلو أعملنا العقل في الرسائل التي تُنشر عبر بعض وسائل الإعلام، لوجدنا أنها تستهدف تضليل الرأي العام، وتصدير التفاهات، لتكبيل العقول ومنعها من التفكير في القضايا المصيرية الحياتية العالقة بخاطر أفراد المجتمع. فتجد الحديث يطول ويمتد لشهور حول جريمة قتل هنا أو جريمة انتحار هناك – أوَليس قتل النفس جُرم واعتداء على الذات؟! – أو جدل حول نظام غذائي اقترحه طبيب ما، فيكثر الحديث ما بين مؤيد أو معارض… يصل حد السباب أحيانًا والتنمر والقطيعة على أمر في حقيقته لا يستحق كل هذا الهراء.بينما الموضوعات الأكثر نفعًا وتأثيرًا على واقعنا، مستبعدة من الأحاديث الجادة والمناقشات الرصينة عن قصد.
والسؤال الجوهري هنا: هل إفراطنا في التفاعل مع التفاهة ساعد على حل مشاكلنا؟ هل صرنا أكثر إنجازًا ووفرة حين انغمسنا في تلك الترهات؟! والإجابة القاطعة: هي النفي.
إننا اليوم نحيا حرب تغييب شرسة بدعوى المتعة والتسلية حرب قوامها الجدل العقيم الذي لا طائل منه. لذا آن لنا أن نغربل الأفكار التي تٌصدر إلينا، وأن نَمِيز الخبيث من الطيب، المٌجدي من غيره. فلنحرر عقولنا من التعصب لرأي أو فكرة أو شخص ما ، ولنتفادى كل ما يٌهدر وقتنا ويبدد طاقتنا ولا يحدث على أرض الواقع أثرًا ملموسًا .
فتغييب الوعي هو أفيونة العصر. والأفيونة لا تُحقن في الوريد، إنما تُصدّر للعقول.
