
محب غبور
رئيس التحرير
اكتشفت الكثير من السلبيات والأوهام التي بدأت شرارتها منذ أكثر من ألف وثلاثمئة عام، وأحيانًا أصل إلى قناعة، ألا وهي أنه من الممكن كثيرًا أن تحدث مصالحات بين المسلم واليهودي والمسيحي، ويتقبلوا بعضهم البعض من كافة النواحي، حتى من الناحية الأيديولوجية، لكن من الصعب جدًا أن يحدث توافق أو اتفاق، إن صح التعبير، بين السني والشيعي… لماذا؟ طبعًا مؤسف جدًا هذا الأمر.
هذه المشكلة التي ما زالت حتى الآن تطرح جدلًا يصعب حله، وورقة بيد الساسة الذين يديرون الكثير من الدول، واللعب بها وفقًا لمصالحهم على حساب دماء الشعوب الفقيرة التي تفتقد العلم والمعرفة، والذين يتبعون فقط غريزتهم الروحية المرسومة لهم، حتى الطقوس التي يمارسونها بعيدة عن قيم الحضارة.
التطرق إلى أمور المعتقدات ربما لا يعتبر من المسلمات، والتقرب منه دائمًا يكون بحذر وخوف وقلق، وذلك لخصوصية الموقف، والتعصب الفكري المتمسك بمفهوم ثابت لا يقبل النقاش والتطرق بحجة ذرائع مختلفة جاءت بنتائج كارثية حلت بالعالم الإسلامي، واستغلالها من قبل الأنظمة الدكتاتورية لضرب الشعوب واللعب بوترهم العاطفي.
تم تقسيم العالم الإسلامي إلى فرقتين: شيعة تقودها إيران «الإمبراطورية الفارسية»، وسنة تقودها تركيا «الإمبراطورية العثمانية»، وهذا الانقسام نواة فيما بعد لتقسيمهم إلى فرق متعددة.
انتشار الحقد والكراهية بين المسلمين، على الرغم من أن الدين الإسلامي يدعو إلى التسامح والحب والوفاء، وبشكل تلقائي يبرهن هذا الشيء ابتعادهم عن قيم الإسلام ومبادئه. ظهور الحركات الراديكالية الإسلاموية، كأمثال القاعدة وداعش ومشتقاتها.
استغلال هذا الاختلاف العقائدي سياسيًا من قبل الكثير من الدول لضرب المسلمين بعضهم ببعض، وإنشاء حروب على أسس طائفية ومذهبية.
في إطار هذا التنافس، ترى إيران أنها تمتلك عددًا من المقومات الحضارية والسياسية والعسكرية، تجعل منها قوة إقليمية ومركزًا للشيعة في المنطقة، التي يعد المذهب الأغلب فيها هو المذهب السني، وعلى الرغم من ذلك ليس هناك قوة إقليمية موحدة لمواجهة الطموح الإيراني وما تملكه من أذرع وميليشيات.
وتعد المملكة العربية السعودية، وليست تركيا، في نظر إيران دولة محورية تعيق الطموحات الإيرانية، لما لها من مكانة في العالم الإسلامي بوجود الكعبة الشريفة وقبر الرسول، وترى في النفوذ الإيراني خطرًا على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، ومن ثم نشب الصراع المباشر وغير المباشر بين الدولتين، لعدد من العوامل الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وأصبح العامل المذهبي أحد أهم هذه العوامل.
العلاقة بين إيران وأمريكا ليست حربًا بين المعسكرين الشيعي والسني، بل هي صراع سياسي واستراتيجي على النفوذ والمصالح في الشرق الأوسط. تستخدم إيران الخطاب المذهبي لأغراض التعبئة، بينما تهدف السياسة الأمريكية لحماية مصالحها وحلفائها الإقليميين بغض النظر عن الانتماءات المذهبية.
الأهداف الرئيسية للحرب الأمريكية الإيرانية
منع الملف النووي: وقف أي مساعٍ إيرانية لإنتاج قنبلة نووية وتدمير البنية التحتية المرتبطة بها.
تقويض القدرات العسكرية: تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية التي تهدد الملاحة.
تحييد النفوذ الإقليمي: قطع دابر الأذرع والحلفاء الإقليميين لإيران لتقليل تهديد القوات والمصالح الأمريكية وحلفائها بالمنطقة.
الضغط الاقتصادي وتغيير السلوك: خنق الاقتصاد الإيراني بالعقوبات والسيطرة على الأصول لدفع النظام نحو التراجع أو التآكل الداخلي.
مسارات الاستراتيجية الأمريكية
الضغط الاقتصادي والمالي: تشديد الحصار المالي وتجميد الأصول لزيادة التضخم وإضعاف قدرة النظام على تمويل أدواته.
المراقبة والاحتواء: تتبع تطورات الأوضاع الداخلية عن كثب واستغلال أي تدهور داخلي في إيران.
الردع العسكري المباشر: استخدام الضربات الجوية الاستراتيجية وتأمين الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز.
الردع الإقليمي: عبر إضعاف شبكة حلفائها، وصولًا إلى الضغط المكثف لاحتواء النظام أو السعي لتغييره.
هل اتفاقية مكة تحالف سني ضد إيران؟
جاءت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، لتجمع للمرة الأولى بين الثقل المالي السعودي، والقاعدة الصناعية والدفاعية التركية، والقدرات النووية والعسكرية الباكستانية، في إطار يفتح الباب أمام شراكات تمتد آثارها المحتملة إلى الصناعات الدفاعية والاستثمار وأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وتنص اتفاقية مكة على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على جميع الأطراف، مع تعزيز التعاون الدفاعي في مختلف المجالات، وليس موجهًا ضد إيران.
كما تعزز اتفاقية مكة فرصًا تسمح بتوجيه جزء من رؤوس الأموال السعودية نحو تمويل مشروعات صناعية وتقنية في تركيا وباكستان، مقابل حصول الرياض على خبرات تكنولوجية وصناعية تدعم برامج توطين الإنفاق العسكري، وتطوير الصناعات الوطنية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويشكل أمن الطاقة أحد أبرز المكاسب الاقتصادية المحتملة لاتفاقية مكة، في ظل اعتماد السعودية على استقرار صادرات النفط، واعتماد تركيا وباكستان على واردات الطاقة. وجاء الاتفاق بعد أشهر من تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة وتهديد الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهي تطورات دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم أمن البنية التحتية الحيوية.






