
لطالما شكّلت لعبة الشطرنج بيئة مثالية لدراسة الذكاء واتخاذ القرار، خصوصًا مع التطور الكبير لمحركات الشطرنج المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت قادرة على التفوق على أقوى اللاعبين حول العالم.
لكن دراسة حديثة كشفت أن الفارق بين البشر والذكاء الاصطناعي لا يقتصر على قوة اللعب، بل يمتد إلى الطريقة التي يتعامل بها الطرفان مع التعقيد داخل رقعة الشطرنج.
وحلل باحثون من مركز علوم التعقيد وجامعة بارما الإيطالية أكثر من 2000 مباراة بين لاعبين بشريين، إلى جانب مباريات خاضتها أنظمة ذكاء اصطناعي، لدراسة ما وصفوه بـ”التوتر الاستراتيجي”، وهو مقياس يعتمد على عدد الاحتمالات التي تظل متاحة بعد كل نقلة.
وكلما زاد عدد المسارات المحتملة أمام اللاعبين، ارتفع مستوى التوتر الاستراتيجي، وبالتالي ازدادت درجة التعقيد التي يجب التعامل معها أثناء المباراة.
البشر والذكاء الاصطناعي يتعاملان مع التعقيد بشكل مختلف
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، فيتو دي بي سيرفيديو، إن الاختلاف بين البشر والذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بمستوى القوة، وإنما بكيفية التعامل مع التعقيد.
وأوضح أن اللاعبين البشر يميلون إلى تقليل مستوى التعقيد بسرعة، بينما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحفاظ على مستويات مرتفعة منه لفترات أطول.
وخلال المراحل الأولى من المباراة، يرتفع مستوى التعقيد لدى الطرفين مع استمرار إعادة تشكيل شبكة النقلات والاحتمالات المتاحة.
وأظهرت النتائج أن أفضل اللاعبين البشر قد يصلون لفترة قصيرة إلى مستويات مرتفعة جدًا من التوتر الاستراتيجي، بل قد تتجاوز أحيانًا ما تحافظ عليه محركات الشطرنج.
لكن هذا الوضع يتغير مع الانتقال إلى منتصف المباراة.
لماذا يميل البشر إلى تبسيط اللعبة؟
بعد انتهاء خطوط الافتتاح المعروفة التي يدرسها اللاعبون ويحفظون العديد من احتمالاتها مسبقًا، يميل كبار اللاعبين عادةً إلى تبادل القطع وتبسيط الوضع على الرقعة.
أما محركات الشطرنج المتطورة، مثل Stockfish وLeela Chess Zero، فتواصل العمل داخل أوضاع شديدة التعقيد، وتحافظ على عدد أكبر من الاحتمالات المفتوحة عبر عدد أكبر من النقلات.
وبالتالي، فإن البشر يميلون إلى التخلص من جزء من التعقيد، في حين تستطيع المحركات الحفاظ على مستويات مرتفعة منه لفترات أطول بكثير.
قوة اللاعب ترتبط بقدرته على تحمل التعقيد
وأظهرت الدراسة، التي نُشرت في دورية APS Open Science، أن القدرة على الحفاظ على التوتر الاستراتيجي ترتبط أيضًا بمستوى اللاعب.
فاللاعبون البشر الأقوى يستطيعون الحفاظ على أوضاع معقدة لفترة أطول مقارنة باللاعبين الأقل مستوى.
كما أظهرت المباريات الكلاسيكية، التي يحصل فيها اللاعبون على وقت أطول للتفكير، مستويات تراكمية أعلى من التوتر الاستراتيجي مقارنة بمباريات الشطرنج السريع.
ولاحظ الباحثون نمطًا مشابهًا لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يؤدي رفع عمق البحث في محرك Stockfish إلى زيادة مستوى التعقيد الذي يستطيع المحرك الحفاظ عليه خلال المباراة.
وتشير هذه النتيجة إلى وجود علاقة بين الموارد الحسابية المتاحة للنظام وقدرته على التعامل مع عدد أكبر من الاحتمالات في الوقت نفسه.
نتيجة المباراة قد تُحسم قبل ذروة التعقيد
ومن أبرز نتائج الدراسة أن مآل المباراة غالبًا ما يبدأ في التحدد قبل وصول التوتر الاستراتيجي إلى أعلى مستوياته.
وبمجرد أن تتضح أفضلية أحد الطرفين، يميل كل من اللاعبين البشر ومحركات الذكاء الاصطناعي إلى تبسيط الوضع على الرقعة.
لكن الفارق يبقى في أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على الاحتفاظ بمستوى أعلى من التعقيد حتى خلال هذه المرحلة، وهو ما يعكس اختلافًا جوهريًا في طريقة معالجة البشر والآلات للمواقف المعقدة.
وتقدم هذه النتائج زاوية جديدة لفهم الفارق بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، فالتفوق في الشطرنج لا يتعلق فقط بالعثور على أفضل نقلة، وإنما أيضًا بالقدرة على إدارة مساحات هائلة من الاحتمالات والتعقيد الاستراتيجي.








