قراءة في قصيدة “لمن أعدّ القهوة يا أبتي”
للشاعرة التونسية شافية حجيري

بقلم الأستاذ: مراد اللحياني

تمثّل قصيدة “لمن أعدّ القهوة يا أبتي” للشاعرة التونسية شافية حجيري واحدة من تلك النصوص التي لا تقرأ مرّة واحدة، بل تعيدنا إليها كلّما استشعرنا فينا ذلك الفراغ الذي تخلّفه الغيابات الكبرى. إنّها قصيدة تضع إصبعها على جرحٍ وجوديّ لا يندمل، جرح فقدان الأب الذي يتحوّل في مخيلة الشاعرة إلى طقسٍ يوميّ يتجدّد مع كلّ فنجان قهوة يُعدّ، ومع كلّ صباح يخلو من صوت كان يملأ البيت دفئاً وأماناً. غير أنّ هذه القصيدة ليست مجرّد رثاءٍ تقليديّ، بل هي محاولةٌ شعريّة جريئة لإعادة تشكيل علاقة الذات بالغائب، عبر لغةٍ تتوسّط بين الواقعي والمجازي، وبين الحسّي والمتخيّل، لتخلق فضاءً ثالثاً يسكنه الأب والابنة معاً، لكن بطريقة تختلف عن كلّ ما اعتدنا عليه في شعر الرثاء العربيّ.
تفتتح الشاعرة قصيدتها بسؤالٍ يتكرّر كلّما تمدّد الحزن في تفاصيلها: “لمن أعدّ القهوة ياااا أبَتي”. وهذا التمديد الصوتي في حرف النداء ليس زخرفاً، بل هو امتدادٌ للوجع الذي لا ينضب، وكأنّ الشاعرة تحاول أن تملأ به فراغاً لا يُمتلئ، وأن تمدّ جسراً صوتيّاً يعبر به الحنين إلى غيابٍ لا يعود. إنّ تكرار السؤال ثلاث مرّات في القصيدة، مع اختلاف السياق في كلّ مرّة، يجعل منه نشيداً جنائزيّاً يتجدّد، وكأنّ الشاعرة تعيد اكتشاف الغياب من زوايا مختلفة، فلا تملّ من السؤال لأنّ الإجابة تتغيّر بتغيّر حالات الوجد التي تعصف بها. وهنا نلمس كيف أنّ البنية التكرارية لا تؤدّي وظيفةً إيقاعية فحسب، بل تصبح هي الحدث الدرامي الأهمّ في النصّ: سؤالٌ لا جواب له، لكنّ السؤال نفسه صار هو العزاء الوحيد، لأنّ في تكراره حفاظاً على الحضور، وفي انقطاعه موتاً ثانياً للغائب.
وإذا كان الإيقاع في ظاهره حرّاً، فإنّه في عمقه منضبطٌ بنبضٍ داخليّ يتناغم مع حالات الوجد المتقلّبة. اللغة تسير على حبل مشدود بين التكثيف والامتداد، بين الصورة الموجزة والتفصيل المفتوح، فلا تمنح القارئ معنىً جاهزاً، بل تتركه يغوص في نسيجها ليستخرج ما يشاء من دلالات، وهذا ما يمنح القصيدة حيويتها الدائمة. ففي المستوى الأوّل، يمكن قراءة النصّ كمرثيّة مباشرة، لكن سرعان ما يتبدّد هذا المعنى السطحي لتكشف القصيدة عن أبعادٍ أخرى تتعلّق بالذات الشاعرة وعلاقتها باللغة والذاكرة والوجود. إنّها قصيدة تستفزّ القارئ ليطرح أسئلته الخاصة، لا أن يكتفي بتلقّي معنىً جاهزاً، وهذا ما يجعل منها نصّاً مفتوحاً على تأويلات لا تنضب.
“وظلّي يغادر معطفي” – بهذه الجملة الموجزة تنتقل الشاعرة من السؤال الافتتاحي إلى مشهدٍ وجوديٍّ يتعلّق بالذات ذاتها. إنّ ظلّها الذي يغادر معطفها ليس مجرّد صورة شعريّة جميلة، بل هو انفصالٌ عن مرآة الذات، خروجٌ من الجلد إلى فضاءٍ آخر لا تعرف ملامحه. حين يغادر الظلّ المعطف، تصبح الشاعرة جزءاً من غيابها هي ذاتها، وكأنّها تفقد ظلّها الذي كان يؤكّد وجودها في العالم. هذه اللحظة تذكّرنا بأسطورة نرجس التي فقدت ظلّها، لكنّ شافية حجيري تمنحنا نسخةً مختلفة: ليست الذات هي التي تغادر لتنظر إلى صورتها في الماء، بل الظلّ هو الذي يغادرها، تاركاً إيّاها في حالةٍ من التشرذم الوجودي لا تجد لها مرسىً في العالم. وهذا الانفصال بين الذات وظلّها يمنح النصّ بُعداً فلسفيّاً، إذ يصبح السؤال عن الأب ملتبساً بالسؤال عن الذات ذاتها: هل الذات التي تعدّ القهوة هي نفسها الذات التي كانت تعدّها للأب؟ أم أنّ غيابه قد غيّرها إلى درجة أنّها لم تعد تعرف نفسها؟
ثمّ يتكثّف الوجد ليتحوّل إلى سهمٍ لا يخطىء القلب، وكأنّ الألم قد اكتسب مهارةً خارقة في الإصابة، فهو لا يحتاج إلى رامٍ ماهر، بل هو نفسه يصير سهماً دقيقاً يغرس في الجسد “أسِنّة الوهم”. وهنا نلمس تحوّلاً دلالياً مهماً: الوجد ليس مجرّد حزن عابر، بل هو وهمٌ مسلّح يغتال الذاكرة ويغتالها في الوقت نفسه. إنّها لعبة الشعور بالوجود من خلال فقدانه، وكأنّ الحياة لا تتّضح معالمها إلاّ في مرايا الغياب. فالوهم هنا ليس سلبياً بالضرورة، بل هو أداة معرفيّة تتيح للشاعرة أن ترى ما لا تراه العين، وأن تلمس ما لا تلمسه اليد، وأن تعدّ القهوة لمن لا يشربها. وهذا التوظيف المفارق للوهم يمنح النصّ عمقاً نفسيّاً، إذ يصبح الوهم هو الملجأ الأخير للروح التي ترفض قبول الغياب ببساطة، وتصرّ على خلق حضورٍ بديل ولو كان وهميّاً.
تتوسّل الذكرى في “عُقر صمتِهِ” لتكون شاهداً على ما كان، لكنّها لا تلبث أن تغتال الشاعرة. هذا التناقض المأساويّ يمنح النصّ قوّته: الذكرى هي الممرّ الوحيد إلى الأب، وهي في الوقت نفسه سلاحٌ يفتك بالحاضرة. إنّها جنّةٌ ممنوعة وموتٌ بطيء في آن. ولعلّ اختيار كلمة “عُقر” بدلاً من “عقر” يحمل دلالةً صوفيّة، إذ تشير إلى المركز أو العمق، وكأنّ صمت الأب ليس صمتاً عادياً، بل هو صمتٌ له مركزٌ وقدسية، صمتٌ يشبه قلب النخلة حيث يختزن التمر. وفي هذا العمق بالذات تسكن الذكرى التي تغتال الشاعرة، وكأنّ الاقتراب من مركز الصمت هو اقتراب من الموت ذاته. وهنا تبرز العلاقة الجدليّة بين الصمت والكلام: فالقصيدة نفسها هي محاولة لكسر صمت الأب بالكلام، لكنّها في الوقت نفسه تعترف بأنّ هذا الصمت هو ما يمنح الأب قدسيّته وحضوره الخاصّ.
في المقطع الثاني، يتجلّى الحرمان بأقصى درجاته: “وفنجاني محظورٌ لا يشاطرني الطقس”. القهوة التي كانت في المقطع الأوّل فعلاً يوميّاً قابلاً للتكرار، تصبح هنا فعلاً محظوراً، وكأنّ غياب الأب قد حوّل الطقس كلّه إلى حاجب يمنع المشاركة. إنّه حظرٌ كونيّ، ليس مجرّد غياب شخصي. فالطقس هنا ليس مجرّد حالة جويّة، بل هو روح العالم، روح الحياة التي كانت تشاطر الشاعرة فنجانها، وأصبحت اليوم لا تفعل. وهنا تكمن المفارقة: فنجان القهوة الذي كان أداةً للتواصل مع الأب، أصبح أداةً للعزلة، وكأنّ غياب الأب قد حوّل كلّ شيء إلى نقيضه. وهذا التحوّل من المشاركة إلى الحظر، ومن الدفء إلى البرودة، هو في جوهره تحوّل وجودي.
النّصّ :
إليه
لمن أعِدّ القهوة يااا أبَتي
وظلّي يغادرمعطفي
يجتاحني الوجد سهما
لا يخطىء قلبه
يغرس في جسدي أسِنّة الوهم
ويغتالني
ذكرى في عُقرصمتِهِ
لمن أعدّ القهوة ياااا أبتي
وفنجاني محظورٌ
لا يشاطرني الطقس
قلقٌ بين نهدي غيابٍ يقضُّ مرقَده
يفيض جرأةً
على حواف فكرة لا تلينُ
لمن أعدّ القهوة يااا أبتي
ووردُ الصَّقيعِ قد نَضَّ وانْتَفى
وانْهمَلَت خُطواتُه بَدَدا
على إيقاع نبضٍ سرّيٍّ
للعُمرِحين ينتعِل حذاءَ الشعْر
وينبري
يعود إلى أوكارِعُزلَته
يُقلّب نيرانِها بجنون أصابِعه
ويَدُسُّ فيها نبيذَ خساراتِه
رقْصَةَ دَراوِيشٍ
أقْواسَ عشقٍ تُراقصُ فَصَاحَتي..
الشاعرة التونسية
شافية حجيري








