
حين يصبح الزيف عادة والتلون مهارة يبقى الصدق هو العملة النادرة التي لا يستطيع أحد أن يزورها. في كل عصر هناك لحظة يشعر فيها الإنسان أن العالم كله يمشي في إتجاه وهو وحده مطالب أن يمشي في الإتجاه الآخر. هذه اللحظة هي إختبار الصدق.
عندما يضيق الزمن بأهله وتختلط الأصوات وتتشابه الوجوه يبقى الصدق هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تقليده مهما اجتهد الناس. الصدق لا يحتاج إلى ضجيج ولا إلى تبرير طويل. يكفي أن يظهر مرة واحدة حتى يعرف الناس الفرق بينه وبين كل ما عداه.
– حين يصبح الصدق ثقيلاٌ
نعيش اليوم أياماٌ كثرت فيها الحكايات وقلت فيها الحقيقة. صار من السهل أن يقول الإنسان ما لا يفعل. وأن يعد بما لا ينوي. وأن يلبس لكل مقام قناعاٌ مختلفاٌ. صار البعض يرى أن المجاملة طريق مختصر وأن المراوغة ذكاء. وأن السكوت عن الخطأ حكمة. وفي خضم هذا كله يتعب القلب الذي لا يعرف إلا طريقاٌ واحداٌ طريقاٌ مستقيماٌ لا يلتوي.
– بركة لا يراها إلا الصادق
ولكن لماذا نطلب من العالم أن يتغير أولاٌ؟ لماذا ننتظر أن يبدأ الآخرون ثم نبدأ نحن؟ الصدق يبدأ من الداخل قبل أن يخرج إلى الناس. يبدأ حين تصالح نفسك على عيوبك ولا تهرب منها. وحين تعترف أنك أخطأت دون أن تبحث عن شماعة. وحين تقول نعم حين تقصد نعم وتقول لا حين تقصد لا حتى لو خسرت من أجلها شيئاٌ.
الصدق في العمل أن تتقنه كأن أحداٌ يراقبك. الصدق في الكلمة أن توزنها قبل أن تخرج من فمك فلا تجرح ولا تكذب ولا تنافق. الصدق في العلاقات أن تكون واضحاٌ. تحب بصدق وتعتذر بصدق وتغيب بصدق وتحضر بصدق. الناس لا تنسى أبداٌ من كان صادقاٌ معها حتى لو اختلفوا معه. لأن الصدق يترك أثراٌ لا يمحوه الزمن.
قد يقول شخص ما أن الصادق يخسر. نعم قد يخسر صفقة أو منصب أو مديحاٌ زائفاٌ لكنه لا يخسر نفسه أبداٌ. لا ينام وهو يحسب كم كذبة قالها اليوم. ولا يخاف أن تنكشف حقيقته لأنها ظاهرة بالفعل.
الصادق خفيف الروح يمشي مرفوع الرأس. لا يحتاج أن يتذكر ما قاله لمن لأن قوله واحد في كل مكان.
– البداية أناس قرروا أن يكونوا هم التغيير الذي ينتظرونه
أعظم ما في الصدق أنه معدى. يكفي أن يراك شخص واحد وأنت تختار الطريق الصعب النظيف حتى يفكر هو الآخر أن يختاره. ثم يأتي ثالث ورابع. هكذا تبنى الأمم. لا بالشعارات الكبيرة بل بأفعال صغيرة متكررة يقوم بها أناس قرروا أن يكونوا هم التغيير الذي ينتظرونه.
لا تقل الزمن صعب والكل هكذا. قل سأكون أنا الاستثناء. سأكون الصوت الذي لا يتغير مع الريح. سأكون اليد التي لا تمتد إلى ما لا تملك. سأكون الكلمة التي لا تخون صاحبها.
فى الأخير: في زمن قل فيه الصادقون لا تسأل أين هم. اسأل نفسك سؤالاٌ واحداٌ فقط. ماذا لو كنت أنا؟
وما إن تجيب وتعمل بإجابتك حتى تكتشف أن الدنيا ما زالت بخير وأن الخير يبدأ دائماٌ بشخص واحد قرر أن يكون صادقاٌ.








