
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد محطة عسكرية في تاريخ مصر، بل كانت تجربة عاشها عدد من نجوم الفن بأنفسهم خلال سنوات التجنيد والخدمة بالقوات المسلحة، قبل أن يصبحوا لاحقًا من أبرز الوجوه الفنية التي عرفها الجمهور.
ومع حلول الذكرى الـ53 لانتصارات أكتوبر، تعود شهادات هؤلاء الفنانين لتكشف جانبًا إنسانيًا من أجواء الحرب، من ذكريات التجنيد والمشاركة في المعركة، إلى فقدان الأصدقاء والزملاء، واللحظات التي ظلت عالقة في ذاكرتهم رغم مرور أكثر من خمسة عقود.
لطفي لبيب.. 130 يومًا تحت الحصار
يأتي الفنان الراحل لطفي لبيب في مقدمة الفنانين الذين شاركوا فعليًا في حرب أكتوبر، بعدما التحق بالقوات المسلحة عام 1970، وخدم في سلاح المشاة ضمن الكتيبة 26.
ووصف لبيب حرب أكتوبر بأنها جزء لا ينفصل عن حياته ووجدانه، مؤكدًا أن الجندي في الحرب لا يعرف من أين تأتيه الطلقة، وأن التجربة تركت داخله آثارًا عميقة لم تمحها السنوات.
وأشار في تصريحات سابقة إلى أن الحرب منحته القوة والإرادة والصلابة والإصرار، كما روى مشاهدته عددًا من زملائه وهم يستشهدون أمامه، مؤكدًا أن هذه الذكريات ظلت حاضرة في ذهنه.
ومن أكثر المواقف التي تحدث عنها لبيب حصار كتيبته خلال الحرب لمدة 130 يومًا، وما رافق ذلك من معاناة بسبب نقص المياه. وروى أن زملاءه احتفلوا معه بعيد الميلاد المجيد خلال فترة الحصار، وأن الشيخ عبد الفتاح صقر وكمال الديب ومحمد حمزاوي أهدوه جركن مياه سعة 20 لترًا.
أحمد فؤاد سليم.. من حرب الاستنزاف إلى العبور
عاش الفنان أحمد فؤاد سليم تجربة عسكرية امتدت من حرب الاستنزاف وحتى حرب أكتوبر، بعدما خدم في سلاح الدفاع الجوي وشارك في مراحل الإعداد للمعركة.
ووصف سليم حرب الاستنزاف بأنها كانت، من وجهة نظره، أكثر قسوة من حرب أكتوبر، مؤكدًا أن القوات المسلحة خاضت تدريبات ومشروعات قتالية متعددة خلال تلك الفترة استعدادًا لتحرير سيناء.
وأشار إلى أن الشعب المصري بعد نكسة 1967 كان يتطلع إلى خوض الحرب واستعادة الأرض، مؤكدًا أن حالة التلاحم بين الشعب والجيش كانت من أهم عوامل الاستعداد للمعركة.
ومن بين الذكريات التي ظلت عالقة في ذاكرته استشهاد أحد زملائه ويدعى سيد راشد في السادس من أكتوبر، بعدما عاد من إجازته وتم تكليفه بالذهاب إلى الجبهة، مؤكدًا أن تلقي خبر استشهاده كان من أصعب الليالي التي عاشها.
محمود الجندي.. سبع سنوات في القوات المسلحة
قضى الفنان الراحل محمود الجندي نحو سبع سنوات في القوات المسلحة، وانتهت فترة خدمته بالتزامن مع انتصار أكتوبر 1973.
وظلت سنوات الخدمة والحرب واحدة من أهم مراحل حياته، إذ تحدث في أكثر من مناسبة عن الذكريات التي عاشها خلال تلك الفترة والشخصيات التي التقى بها داخل القوات المسلحة.
وكان الجندي حريصًا على التأكيد على أهمية توثيق حرب أكتوبر فنيًا، معبرًا عن أمنيته في تقديم عمل فني ضخم ينقل حقيقة ما جرى خلال الحرب إلى الأجيال الجديدة، ويحافظ على تفاصيل واحدة من أهم المحطات في تاريخ مصر الحديث.
أحمد بدير.. العبور من الظلام إلى النور
عاش الفنان أحمد بدير أيضًا تجربة الحرب من داخل القوات المسلحة، واستعاد في أكثر من مناسبة ذكرياته عن يوم السادس من أكتوبر، واصفًا إياه بأنه واحد من أعظم وأطول الأيام في التاريخ المصري.
ورأى بدير أن العبور مثل بالنسبة للمصريين انتقالًا من الظلام إلى النور، بعد سنوات صعبة عاشها الشعب المصري في أعقاب نكسة 1967.
كما تحدث عن فقدانه أحد أصدقائه خلال الحرب، مؤكدًا أن هذه اللحظة كانت من أكثر المواقف حزنًا وألمًا التي مر بها في حياته.
وكشف بدير عن جانب آخر من دوره خلال فترة الخدمة، موضحًا أنه عمل مراسلًا حربيًا، وكان معه عدد من الفنانين الذين خدموا في الجيش، من بينهم محمود الجندي ومحسن زايد.
وشارك هؤلاء في تقديم عروض مسرحية للجنود، بهدف رفع معنوياتهم وتعزيز إحساسهم بقيمة الأرض والوطن، في ظل الظروف الصعبة التي سبقت المعركة وأعقبتها.
حمدي الوزير.. من سلاح المهندسين إلى أرض سيناء
كانت للفنان حمدي الوزير تجربة مختلفة خلال فترة خدمته بالقوات المسلحة، إذ شارك في حرب أكتوبر ضمن سلاح المهندسين.
وروى الوزير أنه كان يتمنى المشاركة في القتال، وأنه شعر بمزيج من البكاء والحماس عندما علم بموعد العبور، مؤكدًا أنه دخل سيناء بعد عبور القوات المصرية.
كما تحدث عن علاقته بالشهيد أحمد حمدي، الذي اعتبره قائدًا وقدوة خلال فترة خدمته، مشيرًا إلى أن ذكريات تلك المرحلة ظلت حاضرة في وجدانه.
ومن المواقف التي رواها الوزير خلال فترة خدمته أنه كان سببًا في تعرض أحد الضباط لعقوبة الحبس داخل المعسكر، بعدما ناداه الضابط بعبارة «يا عسكري»، بينما كان من المفترض وفق التعليمات أن يناديه قائلًا «يا جندي».
وشارك الوزير مع سلاح المهندسين في تجهيز الكباري اللازمة لعبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، في واحدة من أهم مراحل تنفيذ خطة العبور.
فنانون حملوا ذكريات الحرب إلى الشاشة
تجمع تجارب هؤلاء الفنانين بين الخدمة العسكرية والمشاركة المباشرة أو غير المباشرة في أجواء حرب أكتوبر، لتكشف جانبًا مختلفًا من حياة نجوم الفن الذين عاشوا مرحلة تاريخية فارقة قبل أن تتشكل مسيرتهم الفنية.
وبقيت ذكريات الجبهة والعبور والشهداء والزملاء الذين فقدوهم حاضرة في أحاديثهم، فيما تحول بعضها إلى مصدر إلهام للمطالبة بأعمال فنية توثق بطولات حرب أكتوبر وتنقل تفاصيلها للأجيال الجديدة.








