
بقلم: د. إبراهيم محمود هارون
إنّ من النوازل الاجتماعية والظواهر المعاصرة التي استشرت في واقعنا المعاش، هيمنة الوسائط الرقمية والمنصات الافتراضية على عقول الأنام، حتى استلبت جُلّ أوقاتهم، وأفضت إلى حالة من “الوجود الصوري” أو “الاحتباس الوجداني”؛ إذ بات المرء حاضراً بين أهله بجسده وشبحه، بيد أن عقله متبدد في عوالم رقمية شتى خلف هذه الشاشات الصامتة.
وحريّ بنا، في ظل هذا الصخب الحضاري المتسارع والمشاغل الدنيوية المتلاحقة، أن نستشعر الضرورة الشرعية والاجتماعية لإحياء الدفء الأسري، وإفراد وقتٍ خالص مبرأ من المشوشات التكنولوجية؛ تجتمع فيه الأسرة على مائدة المودة والسكينة. فالصلات الأسرية هي الملاذ الآمن الذي تستروح فيه النفوس، وتلك اللحظات البينية هي التي تنقش في ذاكرة الزمن لتغدو ذكريات حية ترفد المرء بالطمأنينة على مر السنين.
ولقد كان المصطفى ﷺ النموذج الأسمى والمثل الأعلى في رعاية شؤون أهله وحسن التبعل والعشرة، فلم تشغله عواظم الأمور وتبعات الرسالة عن مؤانسة أهل بيته والاهتمام بأدق تفاصيلهم، ومصداق ذلك ما رواه الترمذي في سننه من قوله ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». ومن ثم، فإن فيض الرحمة والمودة الذي يحيط به المرءُ أهله ليس مجرد سلوك اجتماعي مجرد، بل هو قربة عظيمة وعبادة جليلة يبتغى بها وجه الله جل جلاله، وبها تُشاد اللبنة الأولى لجيل سويّ مستقيم، يتترس بالحصانة النفسية والأمان الأسري في مواجهة عاديات الحياة وقسوتها.
أولاً: بر الوالدين.. اغتنام الأنفاس في حيز الإمكان
إن اشتغال الأبناء بالهواتف الذكية في حضرة الوالدين وصرف النظر عنهما لا يقف عند حد الجفاء السلوكي فحسب، بل قد يترقى في المنظور الأخلاقي ليكون ضرباً من “العقوق الخفي” وموجباً للمقت؛ فالوالدان اللذان استنزفا قواهما وأفنيا نضارة عمرهما في الرعاية والتربية، حقهما الواجب هو المواجَهة بالبصر، والإنصات التام، وإقبال الكلية عليهما. إن تجاذب أطراف الحديث معهما وإدخال السرور على قلبيهما هو طاعة وثيرة تفتح مغاليق الرزق وأبواب التوفيق في الدارين، ولْيعلم المرء أن الأنفاس معدودة، والفرص سانحة ما دام في العمر متسع، وإلا فالفوات بغتة.
ثانياً: المودة الزوجية.. صيانة الميثاق الغليظ من التصدع
تواجه الرابطة الزوجية في العصر الراهن مهدداً خطيراً يتمثل في “الطلاق العاطفي” أو “الجفاء الصامت”، وهو نتاج مباشر للانكفاء على الأجهزة الرقمية؛ حيث يضم الزوجين سقف واحد وتفصلهما حجب افتراضية عازلة. إن الامتثال لأمر الشارع بحسن العشرة يقتضي تنحية هذه الهواتف جانباً، وتخصيص وقت للاستماع المتبادل، وإفشاء كلمات الثناء والتقدير، وتداول شؤون الحياة باهتمام مشترك، مما يعيد ترميم السكن النفسي وبناء جسور المودة التي قام عليها هذا الميثاق الغليظ.
ثالثاً: المخاطر التربوية.. حصاد “اليتم الرقمي” وأثره في الناشئة
حين ينكفئ الآباء على شاشاتهم ويغيبون عن واقع أبنائهم، يحدث ما يُصطلح عليه تربوياً بـ”اليتم الرقمي”؛ إذ يُترك الناشئة فريسة سانحة ليتلقفهم غرباء وصناع محتوى في الفضاء السيبراني، يبثون في عقولهم الغث والسمين من الأفكار والمنطلقات التي لا تؤتمن على دينهم ولا أخلاقهم. إن الطفل الذي يفتقد الأذن الصافية من أبيه والحضن الرؤوم من أمه، سينزع غريزياً للبحث عن البديل في فضاء افتراضي يموج بالانحرافات الفكرية والسلوكية، مما يهدد الأمن القيمي للأسرة والمجتمع.
رابعاً: معالم المنهج.. كيف نؤسس لوقت أسري حقيقي؟
إن العبرة في اللقاءات الأسرية لا تقاس بالامتداد الزمني الكمي، وإنما بالعمق الكيفي والأثر الوجداني، ويمكن تفعيل ذلك عبر تدابير عملية حازمة:
تأصيل السنن الأسرية: كإلزام أفراد البيت بالاجتماع على موائد الطعام مجردين من أجهزتهم المحمولة، ليكون الوقت خالصاً للحديث والمؤاكلة.الأنشطة الجماعية الهادفة: كمدارسة ورد من القرآن الكريم، أو تباحث كتاب نافع، أو ممارسة ألعاب تفاعلية حركية تجمع شمل الأولاد وتنمي مهاراتهم.الإنصات الواعي والمشاهدة: فمتى ما ألقى الأب سمعه لبنيه وهو شهيد، وضمت الأم بناتها بوعي وحنان، شكلا معاً خط الدفاع التربوي الأول، وحالا دون استلاب عقول الناشئة من قِبل الدخلاء.فيا أيها اللبيب، ضع هاتفك جانباً، وأقبل على ذوي رحمك بقلبك وعقلك، وهبهم صفو وقتك ومحض اهتمامك؛ فإن كرام الشمائل وأزكى الذكريات إنما تُصنع في حِجر الأسرة، وإن نفائس الأوقات هي تلك التي نقضيها في رحاب من نحب ونتولى رعايتهم.







