
هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أثارت تدوينة رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل عبر منصة «إكس» جدلًا واسعًا بشأن ما أطلق عليه «المقايضة الكبرى»، وهي فكرة تقوم – بحسب ما تم تداوله – على استخدام أصول مملوكة للدولة في تسوية جانب من المديونية المحلية، من خلال نقل ملكية بعض تلك الأصول إلى البنك المركزي المصري، في مقابل تسوية أو نقل ما يقابل قيمتها من مديونية حكومية.
وقد أعاد طرح الفكرة إلى الواجهة إدراج قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن أن تشملها هذه المقايضة، مع الاستناد إلى التسوية الأخيرة للمديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي.
ومن الضروري، ابتداءً، التأكيد على أن من حق كل خبير أو اقتصادي أو شخصية عامة أن يطرح ما يراه من تصورات لإدارة الاقتصاد العام والدين الحكومي، وأن مناقشة الأفكار الاقتصادية لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة شخصية مع صاحبها.
غير أن ذلك لا يمنع – بل يوجب – إخضاع أي تصور يتعلق بأصل استراتيجي للدولة لاختبار الدستور والقانون وطبيعة المال محل التصرف والاختصاصات القانونية للجهات العامة وآثار العملية على المالية العامة والسياسة النقدية والسيادة الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن إدخال قناة السويس في تصور لمقايضة الدين العام يثير إشكالات قانونية ودستورية ومؤسسية أعمق بكثير من مجرد نقل أصل من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى.
أولًا: يجب التمييز بين الرأي الاقتصادي وبين الموقف الرسمي للدولة
أصدر مجلس الوزراء في 30 أغسطس 2026 بيانًا واضحًا بشأن ما أُطلق عليه إعلاميًا «المقايضة الكبرى»، أكد فيه أن التصور المطروح يمثل رؤية شخصية لصاحبها ولا يمثل توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة المصرية.
كما أوضح مجلس الوزراء أن أفكارًا تتعلق بمقايضة أصول عامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم، وأن الدراسة انتهت إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام.
والأهم أن البيان الحكومي حسم مسألة قناة السويس تحديدًا، مؤكدًا أنها ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، وأنه لا توجد توجهات حكومية لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات، باعتبارها مرفقًا عامًا استراتيجيًا ذا طبيعة خاصة ومرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن القومي والسيادة المصرية.
وهذا البيان الرسمي مهم قانونيًا وسياسيًا؛ لأنه يزيل أي التباس بين اجتهاد اقتصادي شخصي وبين سياسة عامة للدولة.
لكن بقاء الفكرة في إطار النقاش العام يستلزم بحثها من منظور قانوني مجرد، وهو ما يكشف عن مجموعة من الإشكالات الجوهرية.
ثانيًا: قناة السويس تتمتع بحماية دستورية خاصة
لا يمكن بحث الوضع القانوني لقناة السويس باعتبارها مجرد أصل مالي يمكن تقييمه بالسعر السوقي ثم مقارنته برقم في دفاتر الدين العام.
فالدستور المصري أفرد لقناة السويس نصًا خاصًا في المادة 43، التي تقرر: «تلتزم الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها، والحفاظ عليها بصفتها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها، كما تلتزم بتنمية قطاع القناة، باعتباره مركزًا اقتصاديًا متميزًا».
وهذا النص الدستوري لا يقرر مجرد أهمية اقتصادية للقناة، وإنما يجمع بين ثلاثة عناصر مترابطة:
1- حماية قناة السويس؛
2- الحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا للدولة؛
3- تنمية قطاع القناة باعتباره مركزًا اقتصاديًا متميزًا.
وقد أكد مجلس النواب عند مناقشة التشريعات الخاصة بتطوير وتنمية هيئة قناة السويس أن المادة 43 من الدستور أوجبت حماية القناة وتنميتها والحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا للدولة.
ومن ثم فإن قناة السويس ليست في المركز القانوني ذاته لأي أرض أو عقار أو شركة حكومية يمكن أن تدخل – وفقًا للقانون – في برامج إعادة الهيكلة أو إعادة التخصيص.
والخطأ المنهجي الأساسي في تشبيه قناة السويس بأصول ماسبيرو هو تجاهل الطبيعة الدستورية الخاصة للقناة.
ثالثًا: ماذا تعني عبارة «مملوكًا للدولة» في المادة 43 من الدستور؟
هذه العبارة لها دلالة قانونية جوهرية.
فالدستور لم يقل فقط إن الدولة «تدير» قناة السويس، وإنما نص على الحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
الأول: ملكية الدولة للقناة باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا ذا طبيعة سيادية واستراتيجية.
الثاني: الملكية القانونية للأموال والأصول التي تديرها هيئة قناة السويس في إطار قانون إنشائها.
فهيئة قناة السويس ليست وزارة من وزارات الحكومة، وإنما هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة، وقد نظم المشرع وضعها بصورة خاصة في القانون رقم 30 لسنة 1975 بشأن نظام هيئة قناة السويس.
وتنص المادة الأولى من القانون على أن الهيئة تتولى شئون مرفق قناة السويس وإدارته واستغلاله وصيانته وتحسينه، بينما تقرر المادة الثانية أنها هيئة عامة تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة وتخضع لأحكام القانون الخاص بها.
كما أن المادة الخامسة جعلت للهيئة ميزانية مستقلة، والمادة الثامنة خولتها فرض وتحصيل رسوم الملاحة والإرشاد والقطر والرسو وغيرها، بينما قررت المادة التاسعة للهيئة السلطات اللازمة لمباشرة اختصاصاتها، ومن بينها تملك الأراضي والعقارات وتأجيرها في الحدود التي حددها القانون.
وهذا يعني أن هيئة قناة السويس ليست مجرد جهاز تنفيذي تابع لوزارة المالية حتى يمكن تصور نقل «ملكية القناة» منها إلى البنك المركزي بقرار إداري أو بتسوية محاسبية.
رابعًا: أموال هيئة قناة السويس لها نظام قانوني خاص
من أهم النصوص التي يجب الوقوف أمامها المادة العاشرة من القانون رقم 30 لسنة 1975، التي تقرر أن: «تعتبر أموال الهيئة أموالًا خاصة».
وهنا تظهر أهمية التفرقة بين ملكية الدولة للقناة كممر مائي دولي وبين الأموال والأصول المملوكة لهيئة قناة السويس في إطار شخصيتها الاعتبارية المستقلة.
فالقانون أنشأ نظامًا قانونيًا خاصًا للهيئة، ولم يجعلها مجرد حساب داخل الموازنة العامة للدولة.
ومن ثم فإن أي تصرف في أموال الهيئة لا يمكن أن يستند إلى مجرد القول بأن «الدولة تملكها»، وإنما يجب أن يكون له سند قانوني صحيح، وأن يقع في نطاق الاختصاص المقرر للجهة، وأن يراعي الغرض الذي أنشئت الهيئة لتحقيقه والنظام الدستوري الخاص بالقناة.
خامسًا: هل يمكن مساواة نقل ملكية القناة إلى البنك المركزي ببيعها؟
هنا يجب قدر كبير من الدقة القانونية.
فالمقترح المتداول لا يقوم – في صورته المعلنة – على بيع قناة السويس لشخص خاص أو شركة أجنبية، وإنما على نقلها إلى البنك المركزي المصري مقابل تسوية مديونية حكومية.
ومن ثم فإن وصف العملية بأنها «بيع» بالمعنى المدني التقليدي قد لا يكون الوصف القانوني الأدق.
لكن عدم كون الطرف الآخر مستثمرًا خاصًا لا يعني تلقائيًا أن التصرف يصبح جائزًا دستوريًا أو قانونيًا.
فالمسألة الحقيقية هي:
هل يجوز تغيير الشخص العام الذي تؤول إليه ملكية أصل دستوري واستراتيجي كهذا، ونقل الملكية أو الحقوق المرتبطة به إلى البنك المركزي، لمجرد استخدام الأصل في تسوية المديونية الحكومية؟
والإجابة لا يمكن أن تستخلص من مجرد كون البنك المركزي شخصًا اعتباريًا عامًا.
فالدستور نفسه جعل البنك المركزي هيئة مستقلة وجهازًا رقابيًا، ونص على تمتعه بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري، كما حدد له اختصاصًا أصيلًا يتمثل في وضع السياسات النقدية والائتمانية والمصرفية والإشراف على تنفيذها ومراقبة أداء الجهاز المصرفي وإصدار النقد والحفاظ على سلامة النظام النقدي والمصرفي واستقرار الأسعار.
وبالتالي، فإن مجرد كون البنك المركزي شخصًا عامًا لا يجعله مالكًا طبيعيًا أو بديلًا مناسبًا لكل أصل مملوك للدولة.
الأشخاص الاعتبارية العامة ليست شخصًا قانونيًا واحدًا، ولكل جهة منها اختصاصها والغرض الذي أنشئت لتحقيقه.
سادسًا: استقلال البنك المركزي يتعارض مع تحويله إلى وعاء لإدارة أصول الدولة وسداد ديون الحكومة
هذه من أهم النقاط التي تجعل المقترح محل نظر قانوني واقتصادي شديد.
فالبنك المركزي المصري ليس «خزانة أخرى للدولة»، ولا صندوقًا عامًا لتجميع أصول الحكومة.
فالقانون رقم 194 لسنة 2020 بشأن إصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي وضع للبنك أهدافًا واختصاصات مرتبطة أساسًا بالاستقرار النقدي والمصرفي والمالي.
كما يؤكد البنك المركزي نفسه أن استقلاله الفني والمالي والإداري مقرر له دستوريًا وقانونيًا، وأن مهمته الأساسية تتمثل في سلامة النظام النقدي والمصرفي واستقرار الأسعار في إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة.
ومن ثم فإن تحويل البنك المركزي إلى حائز لأصول استراتيجية ضخمة بغرض استخدامها في تسوية ديون الحكومة يثير سؤالًا جوهريًا حول مدى اتساق هذا الدور مع استقلال البنك المركزي وطبيعة وظيفته الأصلية.
فالهدف من استقلال البنك المركزي هو، في جوهره، عدم خلط إدارة السياسة النقدية وإدارة الاستقرار المصرفي بإدارة الاحتياجات المالية اليومية للخزانة العامة.
وبعبارة أخرى: الدولة تحتاج إلى بنك مركزي مستقل، كما تحتاج إلى إدارة مالية عامة مسؤولة عن الدين والموازنة، ولا ينبغي أن يؤدي علاج مشكلة الدين إلى خلط وظائف المؤسستين.
سابعًا: «تصفير الدين المحلي» محاسبيًا لا يعني تصفير الدين اقتصاديًا
هذه هي النقطة الاقتصادية الأكثر أهمية في مناقشة المقترح.
إذا كانت الحكومة مدينة لبنوك محلية، ثم نُقلت ملكية أصل حكومي إلى البنك المركزي، وفي المقابل جرى إلغاء أو تسوية جزء من التزامات الحكومة، فإن السؤال الأساسي هو:
هل انخفضت التزامات الدولة ككل أم تغير فقط الدائن والمدين داخل القطاع العام؟
مجلس الوزراء أجاب عن هذه النقطة بوضوح عندما أكد أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل، وأن معالجة الدين العام تتطلب النظر إلى هيكل الدين وتكلفة خدمته والسيولة المحلية وتأثير ذلك على السياسة النقدية والمالية.
وهذا منطق اقتصادي سليم.
فإذا كانت الدولة مدينة لجهة مصرفية، ثم نقلت أصلًا من أصولها إلى جهة عامة أخرى وأعادت ترتيب الالتزام، فإن ذلك لا يعني بالضرورة خلق ثروة جديدة.
قد يحدث: تغيير في شكل الالتزام، أو في الجهة الدائنة، أو في توزيع الأصول والخصوم بين المؤسسات العامة، دون أن يحدث انخفاض حقيقي في صافي التزامات القطاع الحكومي.
ولهذا فإن استخدام تعبير «تصفير الدين» يجب أن يكون شديد الحذر؛ لأن تصفير بند محاسبي معين لا يساوي بالضرورة القضاء على الدين العام أو تخفيض عبء الدين على الاقتصاد الوطني.
ثامنًا: قناة السويس ليست أصلًا ماليًا عاديًا يمكن تقييمه ثم مقايضته
الخلل الأكبر في إدخال قناة السويس ضمن مفهوم «المقايضة الكبرى» هو التعامل معها باعتبارها أصلًا يمكن اختزال قيمته في رقم مالي.
قناة السويس ليست مجرد أرض أو مبانٍ أو أسهم في شركة.
إنها:
١- ممر مائي دولي؛
٢- مرفق استراتيجي؛
٣- أحد أهم مصادر الدخل الأجنبي لمصر؛
٤- جزء من الأمن القومي؛
٥- أحد المحاور الرئيسية للتجارة العالمية؛
٦- وموضوع حماية دستورية صريحة بموجب المادة 43.
والدستور لم يكتف بإثبات الملكية، بل ألزم الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها.
وبالتالي فإن القيمة القانونية والاقتصادية للقناة لا تقاس فقط بقيمة الأصول الثابتة التي يمكن أن تظهر في ميزانية أو تقييم مالي.
هناك قيمة استراتيجية وسيادية واقتصادية طويلة الأجل لا يمكن اختزالها في رقم يستخدم لتسوية دين مستحق اليوم.
تاسعًا: المقارنة بين قناة السويس وأصول ماسبيرو غير صحيحة من الناحية القانونية
الاستناد إلى تسوية مديونيات الهيئة الوطنية للإعلام أو أصول ماسبيرو باعتبارها سابقة يمكن القياس عليها بالنسبة لقناة السويس يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ.
فالبيان الحكومي نفسه أكد أن تسوية المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي كانت معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفقًا للأوضاع القانونية والمالية وطبيعة الأصول والالتزامات بين الجهتين، وأنه لا يجوز اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.
وهذا هو الفارق الجوهري.
فليس كل أصل مملوك للدولة يخضع للنظام القانوني ذاته.
ولا يجوز بناء قاعدة عامة مفادها: «إذا جاز استخدام أصل معين لتسوية مديونية، جاز استخدام قناة السويس بالطريقة ذاتها».
فالقياس القانوني لا يصح إلا مع اتحاد العلة والمركز القانوني والغاية التشريعية وطبيعة المال والجهة المالكة والجهة المنقول إليها المال.
وهذه العناصر ليست متطابقة بين أصول ماسبيرو ومرفق قناة السويس.
عاشرًا: هل نقل ملكية القناة إلى البنك المركزي يمس السيادة؟
قد يقال إن انتقال الملكية من جهة عامة إلى جهة عامة أخرى لا يمس السيادة، لأن كلا الطرفين من أشخاص القانون العام، وبالتالي تبقى القناة في نهاية الأمر «ملكًا للدولة».
وهذا الدفع يحتاج إلى التمييز بين السيادة والملكية القانونية.
صحيح أن مجرد نقل أصل بين شخصين من أشخاص القانون العام لا يعني بذاته انتقاله إلى دولة أجنبية أو فقدان الدولة لسيادتها عليه.
لكن هذا لا يحسم المسألة.
فالمادة 43 من الدستور لم تكتفِ بربط القناة بالدولة من خلال الملكية، وإنما قرنت الملكية بواجب الحماية والحفاظ والتنمية، وأسبغت على المرفق وضعًا دستوريًا خاصًا.
كما أن الغرض من التصرف المقترح – بحسب التصور المتداول – ليس مجرد إعادة تنظيم إداري للملكية، وإنما استخدام الأصل كأداة مالية في تسوية الدين العام.
وهنا يتحول السؤال من:
«هل بقي الأصل داخل الدولة؟»إلى: «هل يجوز دستوريًا وقانونيًا إخراج هذا الأصل من النظام المؤسسي الذي خصه المشرع والدستور بحماية خاصة، وتحويله إلى أداة مالية لضمان أو تسوية التزامات أخرى؟»
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
حادي عشر: الدستور لا يحمي قناة السويس فقط من الأجانب، وإنما يفرض على الدولة واجبًا إيجابيًا تجاهها
من الخطأ اختزال الحماية الدستورية للقناة في منع بيعها للأجانب.
فالمادة 43 أوسع من ذلك.
فهي تلزم الدولة: بالحماية، والتنمية، والحفاظ على القناة، وتنمية قطاعها.
ومن ثم فإن الالتزام الدستوري لا يقتصر على منع التصرف للأجنبي، وإنما يشمل اختيار الإطار القانوني والمؤسسي والاقتصادي الذي يضمن استمرار المرفق في أداء وظيفته وتحقيق مصلحته الوطنية.
ولهذا فإن أي ترتيب قانوني يجعل القناة أداة لضمان أو تسوية أو تمويل مديونية عامة يجب أن يخضع لاختبار دستوري صارم يتعلق بمدى توافقه مع هذه الالتزامات.
ثاني عشر: لا يجوز الخلط بين «تعظيم عائد الأصول» وبين «التصرف في الأصول الاستراتيجية»
من المبادئ الاقتصادية الصحيحة أن الدولة مطالبة بتعظيم العائد من أصولها العامة، وتحسين إدارتها، ورفع كفاءة استخدامها، وجذب الاستثمار الخاص حيث يسمح القانون.
لكن تعظيم العائد لا يعني بالضرورة نقل الملكية.
فيمكن للدولة أن تعظم العائد من الأصل من خلال:
١- تطوير المرفق؛
٢- رفع كفاءة الإدارة؛
٣- التوسع في الخدمات المرتبطة به؛
٤- إنشاء مشروعات مكملة؛
٥- استثمار الفوائض؛
٦- تطوير المناطق اللوجستية والصناعية؛
٧- تحسين القدرة التنافسية؛
٨- وتنمية القطاع المرتبط بالقناة.
وهذا يتفق في جوهره مع القانون رقم 30 لسنة 1975 الذي منح هيئة قناة السويس صلاحيات واسعة في الإدارة والاستغلال والصيانة والتحسين وإنشاء المشروعات المرتبطة أو المتصلة بالمرفق. ومن ثم فإن الأصل الاستراتيجي يمكن أن يكون مصدرًا مستدامًا للدخل دون تحويل ملكيته إلى أداة لسداد دين قائم.
ثالث عشر: المصلحة الاقتصادية لا تقاس فقط بإلغاء رقم من الموازنة
حتى بافتراض إمكان تنفيذ المقايضة قانونًا، فإن السؤال الاقتصادي يبقى قائمًا:
ما القيمة الاقتصادية التي ستخسرها الدولة مقابل إلغاء الدين؟
إذا كانت قناة السويس أصلًا منتجًا للدخل بصورة مستمرة، فإن استخدام أصل يولد تدفقات نقدية مستقبلية لتسوية التزام حالي يحتاج إلى تحليل دقيق جدًا.
فمن الناحية المالية، هناك فرق بين: بيع أصل غير منتج أو أصل ضعيف العائد لإعادة هيكلة الدين، وبين: نقل أصل استراتيجي يولد دخلًا مستمرًا ويملك قيمة اقتصادية وسيادية طويلة الأجل.
وفي الحالة الثانية ينبغي مقارنة القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، وتكلفة الدين، والمخاطر، والعائد المتوقع، والبدائل الممكنة لإدارة الدين.
أما مجرد مساواة «قيمة الأصل» بـ«قيمة الدين» فلا يكفي لإثبات الجدوى الاقتصادية.
رابع عشر: الخطر الأكبر هو خلق حافز لاستخدام الأصول العامة لسداد الالتزامات بدل معالجة أسباب الدين
إذا أصبحت القاعدة هي استخدام أصول الدولة لسداد الدين كلما ارتفعت المديونية، فإن ذلك قد يؤدي إلى معالجة الأعراض بدل معالجة الأسباب.
فالدين العام يعالج بصورة مستدامة من خلال:
١- تحسين كفاءة الإنفاق العام.
٢- زيادة الإيرادات المستدامة.
٣- تحقيق فوائض أولية.
٤- زيادة النمو والإنتاجية؛
٥- خفض تكلفة الاقتراض.
٦- إطالة آجال الاستحقاق.
٧- إدارة مخاطر العملة والفائدة.
٨- وتعظيم العائد المستدام من أصول الدولة.
وهو الاتجاه الذي أكده مجلس الوزراء في بيانه الأخير بشأن إدارة الدين العام.
أما بيع أو نقل أو رهن الأصول لسداد الالتزامات، فلا يمثل في ذاته إصلاحًا هيكليًا للدين.
قد يكون أحيانًا أداة من أدوات إدارة الأصول والخصوم، لكن ذلك يتوقف على طبيعة الأصل والتشريع الحاكم والجدوى الاقتصادية والأثر طويل الأجل.
وقناة السويس، تحديدًا، تقع في أعلى درجات الحساسية بالنسبة لهذه المعايير.
خامس عشر: الأمن القومي ليس شعارًا سياسيًا وإنما اعتبار قانوني ودستوري
وصف قناة السويس بأنها مسألة أمن قومي ليس مجرد توصيف عاطفي أو سياسي.
فالقناة مرتبطة مباشرة بأمن الدولة واقتصادها وموقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية والتجارة العالمية.
والدستور ذاته ألزم الدولة بحمايتها والحفاظ عليها، كما أن الإطار القانوني المنظم للمرفق يؤكد خصوصيته.
ومن ثم فإن إخضاع القناة لأي ترتيب مالي أو قانوني يجب أن يراعي ليس فقط قواعد الملكية والإدارة، وإنما أيضًا اعتبارات الأمن القومي والمصلحة العليا للدولة واستمرارية المرفق.
والأصل في إدارة المرافق الاستراتيجية أن تكون القرارات المتعلقة بها محكومة بمبدأ الاستدامة وحماية المصلحة العامة للأجيال الحالية والقادمة، لا بالضرورة المالية الآنية وحدها.
سادس عشر: الشعب المصري لا يملك فقط ذاكرة تاريخية تجاه القناة، بل يملك سندًا دستوريًا وقانونيًا
لا شك أن قناة السويس ترتبط بوجدان المصريين ارتباطًا استثنائيًا.
فقد ارتبط تاريخها بالتأميم عام 1956، ثم بحروب مصر ، وصولًا إلى إعادة افتتاح القناة للملاحة بعد حرب أكتوبر1973.
ولا يمكن تجاهل أن المصريين تحملوا تضحيات هائلة للحفاظ على الأرض والسيادة والمرفق.
لكن الحجة الأقوى قانونًا ليست فقط أن «المصريين ضحوا من أجل القناة»، وإنما أن الإرادة الدستورية الحديثة نفسها وضعت القناة تحت حماية نص دستوري صريح وأكدت أنها ممر مائي دولي مملوك للدولة وألزمت الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها.
سابع عشر: ما هو الموقف القانوني الأدق من فكرة نقل الملكية إلى البنك المركزي؟
من الناحية القانونية الدقيقة، لا ينبغي القول بصورة مبسطة إن «أي نقل للملكية بين جهتين حكوميتين ممنوع دستوريًا»؛ فهذا تعميم أوسع مما تسمح به القواعد القانونية.
فقد يجيز القانون في بعض الحالات إعادة تنظيم ملكية بعض الأصول بين أشخاص القانون العام.
لكن قناة السويس حالة مختلفة بسبب:-
1- النص الدستوري الخاص بالمادة 43. 2- طبيعتها كممر مائي دولي مملوك للدولة؛
3- طبيعتها كمرفق استراتيجي.
4- النظام القانوني الخاص بهيئة قناة السويس.
5- الاستقلال القانوني والمالي للهيئة.
6-الطبيعة الدستورية والقانونية المستقلة للبنك المركزي.
7- اختلاف الغرض القانوني لكل من هيئة قناة السويس والبنك المركزي.
8- وعدم جواز استنتاج سلطة التصرف في أصل بهذا الحجم والخطورة من مجرد وجود سلطة عامة أو ملكية عامة.
وبالتالي فإن نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي بغرض تسوية المديونية لا يمكن أن يكون مجرد إجراء محاسبي أو اتفاق بين جهتين عامتين.
وفوق ذلك كله، فقد أعلنت الحكومة صراحة أنها لا تتبنى هذا التصور ولا تعتبر قناة السويس محلًا للمقايضة أو الرهن أو نقل الملكية مقابل مديونيات.
ثامن عشر: لماذا لا تكفي حجة أن «البنك المركزي جهة وطنية»؟
القول بأن انتقال القناة إلى البنك المركزي لا يغير من حقيقة كونها داخل الدولة المصرية صحيح من حيث الأصل، لكنه لا يحسم المسألة القانونية.
فالقانون لا ينظر إلى الأشخاص الاعتبارية العامة باعتبارها كيانًا واحدًا بلا تمييز.
فلكل جهة: شخصية قانونية واختصاصات؛ وأموال؛ وأغراض؛ وحدود للتصرف ونظام قانوني يحكم أعمالها.
والبنك المركزي، تحديدًا، يتمتع باستقلال دستوري وقانوني، وتتمثل وظيفته الجوهرية في حماية النظام النقدي والمصرفي واستقرار الأسعار.
لذلك فإن تحويله إلى مالك لأصل استراتيجي مثل قناة السويس لمجرد استخدام الأصل في تسوية دين حكومي يطرح إشكالية مؤسسية حقيقية: هل يخدم ذلك استقلال البنك المركزي ووظيفته، أم يحمله وظيفة مالية ليست من صميم اختصاصه؟
تاسع عشر: المقايضة لا تخلق بالضرورة موارد جديدة للدولة
من أهم المغالطات التي ينبغي تصحيحها في هذا النقاش أن نقل أصل من جهة إلى أخرى ثم تسوية دين مقابله لا يعني تلقائيًا أن الدولة أصبحت أغنى.
إذا كان الأصل والالتزام كلاهما داخل القطاع العام، فإن العملية قد تعيد توزيع الأصول والخصوم بين وحدات الدولة.
أما خلق موارد حقيقية فيتطلب: زيادة الإنتاج، أو زيادة الإيرادات، أو خفض النفقات، أو تحقيق عائد استثماري حقيقي، أو تخفيض تكلفة التمويل، أو تحسين كفاءة استخدام الموارد.
أما إعادة ترتيب الملكية والديون داخل القطاع العام فلا تكفي وحدها لتحقيق هذه النتائج.
وهذه تحديدًا إحدى النقاط التي أكدها مجلس الوزراء عندما قرر أن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يخفض في ذاته الالتزامات على مستوى الدولة ككل.
بناءً على ما تقدم وبعد استعراض النصوص الدستورية والقانونية وطبيعة الجهات المعنية، يمكن استخلاص النتائج الآتية:
أولًا: قناة السويس ليست أصلًا ماليًا عاديًا، وإنما مرفق استراتيجي وممر مائي دولي مملوك للدولة، وقد أفرد لها الدستور حماية خاصة في المادة 43.
ثانيًا: الدستور ألزم الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها والحفاظ عليها، وهي التزامات إيجابية لا تقتصر على مجرد منع نقلها إلى أجنبي.
ثالثًا: هيئة قناة السويس هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة ونظام قانوني خاص بموجب القانون رقم 30 لسنة 1975، وليست مجرد إدارة تابعة لوزارة المالية.
رابعًا: البنك المركزي المصري يتمتع بدوره باستقلال دستوري وقانوني، وله وظائف محددة تتعلق بالسياسة النقدية والائتمانية والمصرفية والاستقرار المالي والنقدي، وليس مجرد وعاء لإدارة أصول الدولة.
خامسًا: لا يجوز مساواة قناة السويس بأصول ماسبيرو لمجرد أن كليهما يرتبط بجهات عامة؛ فالطبيعة القانونية والدستورية والاقتصادية لكل أصل مختلفة.
سادسًا: تسوية مديونية جهة حكومية مقابل نقل أصل حكومي إلى جهة عامة أخرى لا تعني بالضرورة تخفيض الدين العام للدولة ككل، وإنما قد تعيد توزيع الأصول والخصوم بين وحدات القطاع العام.
سابعًا: استخدام أصل استراتيجي مولد للدخل لتسوية التزامات حالية يجب أن يخضع لتحليل اقتصادي طويل الأجل، لا إلى مجرد مقارنة رقمية بين قيمة الأصل وحجم الدين.
ثامنًا: القول بأن المقترح «بيع لقناة السويس» يحتاج إلى شيء من الدقة القانونية؛ فالتصور المطروح يتحدث عن نقلها إلى البنك المركزي، وليس بيعها لشخص خاص أو دولة أجنبية. لكن ذلك لا يجعل التصرف مشروعًا تلقائيًا، إذ تبقى مشروعيته خاضعة للدستور والقانون والاختصاص والغرض الذي خصص المشرع له كل جهة.
تاسعًا: لا يمكن إنشاء سلطة للتصرف في أصل ذي طبيعة دستورية خاصة بمجرد الاستناد إلى فكرة أن الطرف الآخر «جهة حكومية»؛ فالاختصاص لا يُفترض وإنما يستمد من الدستور والقانون.
عاشرًا: والأهم أن الحكومة المصرية أعلنت رسميًا أن فكرة «المقايضة الكبرى» لا تمثل سياستها، وأن قناة السويس ليست محلًا للمقايضة أو الرهن أو نقل الملكية مقابل مديونيات.
إن الدفاع عن قناة السويس لا ينبغي أن يتحول إلى رفض عاطفي لأي نقاش اقتصادي، كما لا ينبغي في المقابل أن يتحول النقاش الاقتصادي إلى اختزال قناة السويس في كونها «أصلًا» يمكن وضع قيمته في كفة ووضع الدين العام في الكفة الأخرى.
القناة ليست مجرد قيمة مالية. إنها مرفق عام استراتيجي، وممر مائي دولي، وأصل اقتصادي بالغ الأهمية، وموضوع حماية دستورية صريحة، وركيزة من ركائز الأمن القومي والاقتصاد المصري.
ومن ثم فإن معالجة الدين العام – وهي مسألة مشروعة وضرورية – يجب أن تتم من خلال إصلاح هيكلي ومستدام للمالية العامة، وزيادة الإنتاجية والإيرادات، وتحسين إدارة الدين، وخفض تكلفة خدمته، وتعظيم العائد من أصول الدولة، وليس بالضرورة من خلال تحويل الأصول الاستراتيجية إلى أدوات لتسوية الالتزامات.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الملف هي أن الأصل العام ليس مجرد رقم في ميزانية، والدين العام ليس مجرد رقم في دفاتر المحاسبة، وقناة السويس تحديدًا ليست ورقة مالية يمكن نقلها من خانة إلى أخرى لتحقيق توازن محاسبي مؤقت.
لقد حسم الدستور المصري طبيعة العلاقة بين الدولة وقناة السويس عندما ألزم الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها.
ومن ثم فإن أي تصور يتعلق بها يجب أن يبدأ من الدستور والقانون والمصلحة الوطنية طويلة الأجل، لا من المعالجة المحاسبية الآنية.
وفي تقديري، فإن قوة الموقف الرافض لإدخال قناة السويس في أي مقايضة للمديونية لا تستند فقط إلى رمزية القناة في الوجدان الوطني، ولا إلى التضحيات التي بذلها المصريون من أجلها، وإنما تستند قبل كل شيء إلى مركزها الدستوري والقانوني الخاص، وإلى طبيعة مرفقها الاستراتيجية، وإلى ضرورة الفصل بين إدارة الدين العام وبين إدارة الأصول والمرافق التي تمثل جزءًا من الأمن القومي والاقتصاد الاستراتيجي للدولة.
وهنا تكمن المسألة الحقيقية:
ليس السؤال فقط: هل تستطيع الدولة أن تنقل أصلًا من شخص عام إلى شخص عام آخر؟
وإنما السؤال الأهم: هل يحقق هذا النقل الغرض الدستوري من حماية الأصل وتنميته والحفاظ عليه، وهل ينسجم مع اختصاصات الجهة المنقول إليها، وهل يخلق قيمة اقتصادية حقيقية ومستدامة، أم أنه لا يتجاوز إعادة ترتيب للأصول والخصوم داخل الدولة؟
وبالنسبة لقناة السويس، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تسبق أي حديث عن «مقايضة» أو «تصفير» للدين.
فالديون تُعالج بسياسات مالية ونقدية رشيدة ومستدامة، أما الأصول الاستراتيجية التي كفل لها الدستور حماية خاصة فلا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أدوات محاسبية لسداد فاتورة مالية مؤقتة.







