
في لحظة واحدة تحول تصريح إلى عاصفة وفي جملة واحدة قفز الغضب إلى عنان السماء. لم يكن الأمر بيعاٌ ولم يكن تفريطاٌ ولم تكن هناك نية للمساس بذرة من تراب هذا الوطن. كل ما حدث أن مستشار رئيس مجلس الوزراء تحدث عن حل إقتصادي داخلي فسماه المقايضة الكبرى وأشار إلى أصول الدولة ومن بينها هيئة قناة السويس كمثال في إطار تسوية ديون محلية بين الدولة والبنك المركزي والبنوك الوطنية. لكن الصياغة السيئة والكلمات المبتورة صنعت لغطاٌ كبيراٌ. سمع الناس اسم قناة السويس وكلمة مقايضة كبرى ففهمت بيعاٌ. وسمعت أزمة ففهمت إنهياراٌ.
وكان يمكن لكل هذا أن لا يحدث لو أن صاحب التصريح بادر بالتوضيح من اللحظة الأولى وأغلق باب التأويل قبل أن يتسع. فالكلمة في السياسة أمانة والمسئول حين يتحدث عن ثوابت الدولة عليه أن يزن حروفه بالميزان لأن سوء الفهم هنا لا يكلف مالاٌ بل يكلف ثقة.
- قناة السويس ليست للبيع وسوء الصياغة أشعل النار
المقترح نفسه لا يحمل أي جديد مرعب. هو ببساطة نقل ملكية داخلي. فالدولة مدينة للبنوك الوطنية وللبنك المركزي بمبالغ كبيرة ضمن الدين العام المحلي. والحل المطروح أن يتم تسوية هذه المديونية عن طريق نقل بعض الأصول المملوكة للدولة إلى هذه الجهات. نفس الآلية التي تمت من قبل في تسوية ديون ماسبيرو مع بنك الإستثمار القومي. لا دولار يدخل ولا مستثمر أجنبي يظهر ولا خصخصة بالمعنى المتعارف عليه. الهدف المعلن تصفير الدين المحلي وتخفيف فاتورة الفوائد على الموازنة.
لكن المشكلة أن كلمة مقايضة حين وضعت بجوار اسم قناة السويس انفجر كل شيء. لأن القناة في وعي المصريين ليست أصلا في دفتر ولا بندا في ميزانية. القناة تاريخ وكرامة وسيادة وممر مائي دفعنا من أجله دماٌ. لذلك أي إشارة لها في سياق مالي حتى لو بحسن نية تعتبر خطا أحمر. والمسئول كان يجب عليه أن يعرف هذا جيداٌ قبل أن ينطق.
- التأخر في التوضيح ترك الساحة مفتوحة للتأويل والشائعات
البلبلة التي حدثت كان يمكن إحتواؤها ببيان واحد واضح يقولها صريحة. هذا المقترح داخلي مائة بالمائة. لا بيع للأجانب ولا تفريط في السيادة. وقناة السويس ليست للبيع ولا للمقايضة ولا حتى للنقاش. لكن الصمت والتأخر في التوضيح تركوا الساحة مفتوحة للتأويل والغضب والشائعات.
في النهاية الدين أزمة أرقام ولها حلول كثيرة. يمكن إدارتها ويمكن إعادة جدولتها ويمكن خلق موارد جديدة. أما الثقة فإذا انكسرت يصعب إصلاحها. والشعب الذي خرج يقولها بصوت واحد قناة السويس ليست للبيع يستحق إحتراماٌ لهذه الغيرة. ويستحق من المسئولين أن يختاروا كلماتهم كما يختارون قراراتهم. لأن الوطن لا يحتمل لغطاٌ إضافياٌ ولا يحتمل أن تتحول أي فكرة إقتصادية إلى طعنة في قلب العالم







