
قصة : مراد ناجح عزيز
بعيدًا عن ..
جو المدرسة, ومتاعبها التي لا تتعدى تأنيب على استيقاظ متأخر أو تكاسل في أداء بعض الواجبات, أو خلاف بين صديقين على من يتقدّم الصّفوف أثناء تحية العلم,
أو تدافع أثناء الصّعود إلى قاعات الفصل, هُناك عالم آخر على النقيض تمامًا, لطفل مازال يحبو في عالمه الصّغير, مبكِّرًا ومع شروق الشّمس تقريبًا, أخرج في ثياب رثّة أُتابع ما يطفو على سطح ماء التّرعة من حيوانات نافقة, وبعض النسوة ممّن خرجن مبكِّرًا لغسيل بعض الأواني النحاسيّة وبعض السّجّاد, تعلو ضحِكاتهم, وضعيّة جلوسهم جعلت منهن أهداف ضعيفة في مرمى البصر, وقد شمّرن في الماء عن سيقان بيضاء تلمع كأنّها أعمدة رُخاميّة, أركل بعض الحصى الصّغيرة بحِذائي الصّلب
متقمّصًا(محمود الخطيب) في طريقة جريه ولمسته للكُره, فلا فسحة هناك للعب ولا مجال لتكاسل, لا حديث هناك عن إجازة صيفية ورحلات, في هذا العالم يتحول ذلك الكائن الهش إلى ما يشبه عجوز بقلب طفل, لأول مره تطالع أذنيه أحاديث عن عالم غامض, ربّما كانت بعض تفاصيل ليلة حمراء( كما يطلقون عليها) حاول احدهم إثبات فحوليّته وسط ضحِكات وتعليقات ساخِرة, أو الحديث عمّا قد يواجهه البعض
من ضيقات وهموم تراكمت عليه, تآكلت قشرة أصابعي الرقيقة وقد أوشكت أن تنزف دمًا, تبدّل لون بشرتي بطبقة بنيّة, لم يعد لانسياب شعري مكان, إذ كانت تغطّية طاقيّة طوال اليوم, لما قد يصيبه من الأتربة والرمال ولفح الشمس.
تناول طعام الغداء, يُعد فرصة لالتقاط الأنفاس كأنّما هي فُسحة ما بين حصّتين وفرصة للحكي وتجاذب أطراف الحديث فيما يفيد وفيما لا يفيد, جنيهات قليلة في نهاية اليوم, كانت كافية لالتئام جروح يدي, وبالقُرب من عتبة منزلنا وشى اليّ أحد
أصدقائي بأن غدًا سوف يُذاع فيلم( عنترة بن شدّاد) وهو يعلم عشقي لهذا الفيلم, وحديثي الدّائم عن أسطورة الرجل الذي يهزم الجميع ويتزوّج من حبيبته رغم كل الصّعاب والدّسائس, حتّى أني اختلقت أعذارًا لوالدتي عن شعوري بالغثيان صباحًا, والتهاب أصابعي وتورّمها, كان تمنّعي عن العمل لتلك الأسباب كافيًا لإقناع والدتي, إلا انه لم يكن كافيًا لصاحب العمل, تسمّرت قدميّا كأنّما هي دقّت في الأرض أمامه صباح اليوم التالي, حتّى طالت كفّه وجهي تأنيبًا وتوبيخًا بكلمات استرسل فيها عن العمل الجاد والرجولة, تلك اليد التي يشبه باطنها تضاريس صخرة صمّاء, الجميع يعلم ماله من قوّة الشّخصيّة والهيبة, لا تجعل لك مساحة من حريّة للفرار من أمامه دون أن تلقى أوًلًا من اللوم والعتاب ما يكفي.
وأمام شاشة التّلفاز مستلقيًا أطالع دون اكتراث لشيء بعينه ما تبثّه بعض القنوات الإخبارية والرّياضيّة لربّما أجد فيها بعض ما يقهر وحدتي أو الاسترخاء التّام
والسّفر بعيدًا حيث المتّسع من الأوطان السّعيدة, تداعب وجهي نسمات هواء
صيفيّة تسللت عبر مسام الأشجار الملاصِقة للشّرفة, وبضغطة صغيرة على زر الريموت, وإذ هي إحدى القنوات تعرض فيلم(عنترة بن شدّاد) مبتسمًا تحّسست
وجهي وآثار تلك الأصابع الغليظة عليه, حيث سافرت بي سريعًا تلك المُصادفة,
لذلك الطّفل الذي استيقظ مبكّرًا, يطالع أصابعه التي أدمتها مناولة الطوب الأحمر, يبحث فقط عن بعض الدّقائق القليلة لتفكيك جسده من متاعب الأمس, وبداية
عمل يوم جديد.







