
بقلم : إبراهيم خليل إبراهيم
قبل أن يودعنا شهر يوليو ٢٠٢٥ ودعنا الموسيقار ومتعدد المواهب زياد الرحباني ثم لحقه الفنان البطل لطفي لبيب ونقول للتاريخ أن زياد الرحباني من مواليد 1 يناير 1956 وأمه الفنانة نهاد حداد الشهيرة بفيروز ووالده عاصي الرحباني أحد الأخوين رحباني الرواد في الموسيقى والمسرح اللبناني وبعد أن بلغ زياد السادسة من عمره كان يسأل والده عن مقطوعاته الموسيقية كما كان يدندن بالألحان التي تصل إلى سمعه وأولى أعمال زياد لم يكن عملاً موسيقياً بل كانت أعمالاً شعرية بعنوان صديقي الله والذي كتبه بين عامي 1967 و1968 وهذه الأعمال كانت تنبأ بولادة شاعر مهم لكنه اختار الموسيقى فيما بعد .
عام 1971 كان أول لحن لزياد وذلك لأغنية ضلك حبيني يا لوزية وفي عام 1973 قام زياد بتقديم أول لحن لوالدته الفنانة فيروز وكان والده عاصي حينها في المستشفى وقد كان مقرراً للفنانة فيروز أن تقوم بالدور الرئيسي في مسرحية المحطة للأخوين رحباني ولهذا كتب منصور الرحباني كلمات أغنية تعبر فيها فيروز عن غياب عاصي لتغنيها في المسرحية وألقى بمهمة تلحينها إلى زياد وكانت أغنية سألوني الناس والتي تقول :
سألوني الناس عنك يا حبيبي … كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا
بيعز عليي غني يا حبيبي … ولأول مرة ما منكون سوا
سألوني الناس عنك سألوني … قلتلن راجع أوعى تلوموني
غمضت عيوني خوفي للناس … يشوفوك مخبى بعيوني
وهب الهوى وبكاني الهوى … لأول مرة ما منكون سوا
طل من الليل قلي ضويني … لاقاني الليل وطفى قناديلي
ولا تسأليني كيف استهديت … كان قلبي لعندك دليلي
واللي اكتوى بالشوق اكتوى … لأول مرة ما منكون سوا
لاقت تلك الأغنية نجاحاً كبيراً ودهش الجمهور للرصانة الموسيقية لابن السابعة عشرة وقدرته على إخراج لحن يضاهي ألحان والده .
زياد تعامل معه والده وهو في عمر صغير بشكل احترافى فقد اشترى أغنية هدير البوسطى بـ 500 ليرة بعد أن استمع لها فى إحدى المسرحيات وأعطاها لفيروز وغنتها مع الفرقة المسرحية فى باريس لأول مرة
عندما كانت تحدث الخلافات بين والدته الفنانة فيروز ووالده عاصى الرحبانى اللذين كانا يحكمانه
كان أول ظهور لزياد على المسرح في مسرحية المحطة حيث قام فيها بدور الشرطي كما ظهر بعدها في ميس الريم بدور الشرطي أيضاً والذي يسأل فيروز عن اسمها الأول والأخير وعن ضيعتها في حوار ملحن وفي ذات المسرحية قام زياد بكتابة موسيقى المقدمة والتي أذهلت الجمهور بالرتم الموسيقي الجديد الذي يدخله هذا الشاب على مسرحيات والده وعمه
طلبت إحدى الفرق المسرحية اللبنانية التي كانت تقوم بإعادة تمثيل مسرحيات الأخوين رحباني والتي كانت تضم مادونا المغنية الاستعراضية التي كانت تمثل دور الفنانة فيروز في تلك المسرحيات طلبت من زياد أن تقوم ولو لمرة واحدة على الأقل بتمثيل مسرحية أصلية بنص جديد وأغان جديدة وبقصة جديدة وكان جواب زياد إيجابياً واستلم تلك المهمة وقام بكتابة أولى مسرحياته وهى سهرية وقد نسخت تلك المسرحية شكل مسرحيات الأخوين رحباني وتعاملت تماماً مع مقولاتها فكانت كما وصف زياد .. حفلة أغاني .. لا أهمية للقصة فيها بقدر ما هو مهم استمرار الأحداث كوسيلة لتمرير المقطوعات والأغاني
بعدها توالت المسرحيات ولكن بأسلوب مختلف جداً عن الأسلوب الرحباني حيث اتخذت مسرحيات زياد الشكل السياسي الواقعي جداً الذي يمس حياة الشعب اليومية بعد أن كانت مسرحيات الأخوين رحباني تغوص في المثالية وتبتعد قدر الإمكان عن الواقع ويعيش فيها المشاهد خيالاً آخر وعالماً آخر. فرض زياد نفسه على الساحة الفنية ككاتب مسرحي ومخرج وملحن وعازف بيانو وممثل .
زياد الرحباني كان من أشد المعجبين بكوكب الشرق أم كلثوم وصرح بأن الموسيقار رياض السنباطي موسيقي من الوزن الثقيل وأيضا ولعه بالموسيقى المصرية وإعجابه بشدة بموسيقى الشيخ زكريا أحمد وأنه علق في صالون بيته بلبنان صورة الشيخ زكريا حتى أن كثيراً من الزوار اعتبروه أحد أفراد عائلته
عام 1989 غنت الفنانة فيروز لأول مرة أغنية سيد درويش أهو دا اللى صار بالقاهرة عام 1989 وقد بادر زياد بتوزيع الأغنية لتقدمها الفنانة فيروز فى آخر حفل فى القاهرة عام 1989 كهدية للجمهور المصرى
عام 2024 تم تكريم الفنان زياد الرحبانى في الدورة الـ 32 لمهرجان الموسيقى العربية ويعد الفنان اللبناني زياد الرحباني من أهم الفنانين الذين أضافوا عمقاً إلى الموسيقى العربية الحديثة ويوم السبت 26 يوليو 2025 أعلن التليفزيون اللبناني والإذاعة اللبنانية وفاة الفنان زياد الرحباني وأصيبت الفنانة فيروز والدة الفنان زياد بحالة إنهيار وتم استدعاء الأطباء إلى منزلها .
الرئيس اللبناني جوزيف عون نعى الفنان اللبناني زياد الرحباني بقوله : زياد الرحباني لم يكن مجرد فنان بل كان حالة فكرية وثقافية متكاملة وأكثر .. كان ضميرا حيا وصوتا متمردا على الظلم ومرآة صادقة .. كما نعاه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بقوله : بغياب زياد الرحباني يفقد لبنان فنانا مبدعا استثنائيا وصوتا حرا ظل وفيا لقيم العدالة والكرامة .. زياد جسد التزاما عميقا بقضايا الإنسان والوطن ومن على خشبة المسرح وفي الموسيقى والكلمة قال زياد ما لم يجرؤ كثيرون على قوله ولامس آمال اللبنانيين وآلامهم على مدى عقود كما رثاه وزير الثقافة الللبناني غسان سلامة بقوله : كنا نخاف من هذا اليوم لأننا كنا نعلم تفاقم حالته الصحية وتضاؤل رغبته في المعالجة وتحولت الخطط لمداواته في لبنان أو في الخارج إلى مجرد أفكار بالية لأن زياد لم يعد يجد القدرة على تصور العلاج والعمليات التي يقتضيها رحم الله رحبانيا مبدعا سنبكيه بينما نردد أغنيات له لن تموت .
أما الفنان البطل المحبوب لطفي لبيب فهو من مواليد 18 أغسطس عام 1947 في مركز ببا بمحافظة بني سويف وحصل على ليسانس الآداب من جامعة الإسكندرية ثم التحق بمعهد الفنون المسرحية وبدأ مسيرته الفنية متأخرًا لعشر سنوات فرغم تخرجه من المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1970 إلا أن فترة تجنيده بالقوات المسلحة كانت لمدة 6 سنوات ثم سافر خارج مصر لأربعة سنوات ولذا بدأت مسيرته الفنية عام 1981 وذلك بمشاركته في مسرحية المغنية الصلعاء و بعدها مسرحية الرهائن بالاشتراك مع الفنانة رغدة .
انطلق الفنان لطفي لبيب في عالم الفن وشارك في العديد من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات ومن الأفلام التي شارك فيها نذكر على سبيل المثال : اللمبي وملك وكتابة وطباخ الرئيس والباشا تلميذ ويوم من الأيام وأرض الأحلام وتحت الصفر وأمير البحار والسفارة في العمارة والمرسي أبو العباس ويو مر ويوم حلو ومن المسلسلات نذكر : صاحب السعادة وشجرة الأحلام والسندريلا وعيلة الدوغري ورأفت الهجان ووادي الملوك ومن المسرحيات نذكر : سوق الحلاوة والملك هو الملك وحلو وكداب
الفنان لطفي لبيب رفض دعوة لتكريمه من السفارة الإسرائيلية في القاهرة بعد تجسيده لشخصية السفير الإسرائيلي في فيلم السفارة في العمارة مع الفنان عادل إمام مرجعاً ذلك إلى إيمانه بالقضية الفلسطينية وحزنه الشديد لما يحدث للفلسطينيين والقدس على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي .
ألف لطفى لبيب كتاباً يحمل عنوان ( الكتيبة 26 ) وتحدث فيه عن تجربته الشخصية خلال حرب أكتوبر من سبتمبر 1973 م وحتى فبراير 1974 م وقد كتبه بعد انتهاء حرب أكتوبر بعامين أي في عام 1975 حيث كان مجنداً في هذه الكتيبة أيام الحرب وهى أول كتيبة عبرت القناة يوم السادس من أكتوبر 1973 الموافق 10 رمضان 1393 هجريا واقتحمت حصون العدو الإسرائيلي وفي لقاءات إعلامية قال الفنان البطل لطفي لبيب : في 1967 القائد كان يقول تقدم وفي 1973 القائد كان يقول اتبعني .
أيضا قال : إنه كان في كتيبة 26 مشاة وهجموا على النقطة القوية للاحتلال وكان معهم ضابط اسمه سيد البرعي وقائد الكتيبة عبدالوهاب الحديدي والاثنان حصلا على نجمة سيناء من بين 27 فقط حصلوا عليها في الجيش المصري .. وبكى الفنان لطفي لبيب خلال تذكر أسماء زملائه الذين استشهدوا، ومنهم سيد عبدالرازق الذي تلقى طلقة رشاش في صدره وكان آخر كلامه : ( حد ياخد مكاني يا جماعة ) ولفت الفنان البطل لطفي لبيب إلى أن الحرب انتهت بالنسبة للجيش الثالث الميداني انتهت بتوقيع اتفاقية الفصل بين قوات الكيلو 101 كما أكد أن 90% من زملائه على الجبهة ارتقت أرواحهم إلى بارئها ولكن لا زال يتذكرهم كما سرد واحدة من أقسى الذكريات التي عاشها في هذا الحدث وكانت خلال الحصار حيث قال : ( لما العيد جه يوم 7 يناير وإحنا محاصَرين زميلي الشيخ عبد الفتاح صقر جاب لي جركن ميه 20 لتر وقال لي استحمى وعيد كنا بناخد لتر واحد بالعافية الحاجات دي مبتتنسيش دي اللي بتعيش جواك )
تعرض الفنان البطل لطفي لبيب لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى ودخل العناية المركزة وصباح يوم 30 يوليو 2025 فاضت روحه إلى بارئها ونعته نقابة المهن التمثيلية كما نعاه نجوم الفن والشعب المصري العظيم .








