
بقلم سمير لوبه
قصة قصيرة
——————————————–
البحر يعرف أسماءنا قبل أن نحملها؛ إنه مرآة الأرواح؛ يعرف كيف ضحكت إيزيس لوجه أوزوريس ، سمع إسكندر على شاطئه يتحدث عن بناء مجده في مدينة تحمل اسمه، رأى كليوباترا وهي تكتب رسالتها الأخيرة، وكلماتها تنساب إلى الموج تلتقي بنور إيزيس، وصوت إسكندر.
( 1 )
( إيزيس تبحث عن أوزوريس)..
في المساء تمرُّ الريح على وجه النيل تواسيه.
منذ أربعين يومًا وإيزيس تجوب مصر؛ تسأل الحجر والنهر والطين عن وجه أوزوريس .
في كل فجرٍ تضع على جبينها علامة الشمس، وتخرج بثوبٍ من الكتان الأبيض، وشعرٍ منسدلٍ كسيلٍ أسود، ودمعةٍ لا تجف.
تعرف أن جسده قد تمزق في جهات الأرض الأربعة.
في رحلتها الطويلة تصعد إلى المعابد، وتضع أذنها على الجدران والأعمدة تصغي إلى نبض الزمن.
قال لها كهنة المعبد:
– لا تبحثي عنه في الطين، بل في ما يسري بين ماء وسماء.
لم تفهم المعنى بعد، فقط هي تريد وجهه، صوته، دفء كفيه حين يضعها على كتفها ليلاً ويقول:
“إن ضوءكِ وحده يكفي ليبعث الربيع”
في المعبد جلست وقالت بصوتٍ واهن:
– يا من علمتني أن الحب أقوى ما في الوجود، أخبرني أين أجدك.
فانشق الصمت في أرجاء المعبد، وسمعت صوتًا يشبه هدير الموج يقول:
– أنا حيث تضعين قلبك.
ظنت ذلك هلوسة التعب، فبكت.
لكن حين نزل الليل، انبثق ضوءٌ خافت من النهر يشير إلى جهة البحر.
ارتجفت وقالت:
– أوزوريس؟ أأنت هناك؟
جاءها الصوت مرة أخرى، أكثر صفاءً :
– أنا فيكِ، يا من جمعتِ أعضائي من شتات الأرض لتوحدي روحي.
الكلمات تخترق صدرها.
تذكرت ما قاله الكهنة ” ابحثي عما يسري بين ماء وسماء”
فهمت أخيرًا، رفعت رأسها نحو البحر، وابتسمت.
رأت الطيور تحلق في شكل دائرةٍ ضخمة، ترسم وجه أوزوريس بين ماء البحر والسماء .
فأدركت أن قلبها صار هو المعبد الوحيد لأوزوريس.
وفي فجر اليوم التالي، وجد الصيادون عباءتها البيضاء على شاطئ البحر، تفوح منها رائحة زهرات اللوتس.
ومنذ ذلك اليوم، يقولون حين تشرق الشمس على بحر الإسكندرية : ” إيزيس مرَّت من هنا.”
( 2)
( الإسكندر يرى البحر للمرة الأخيرة)..
يقف الإسكندر على شاطئ البحر، بثيابه المنهكة بعد الحروب، وسيفه المعلق كظلٍّ ثقيلٍ على خاصرته، ينظر إلى الموج، و من خلفه الإسكندرية تُبنى على مهلٍ، حجارةٌ فوق حجارةٍ، مدينةٌ تحمل اسمه، تخلد مجده.
ومن أمامه البحر.
قال بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه إلا هو:
“أيها البحر، يا معلمي الأول، سأترك لك أمجادي بين ذراعيك أمانة”
مدَّ يده إلى الماء، يريد أن يلمس وجه الفتى الذي كان يركض خلف الضوء ولا يعرف أن الضوء نار.
حين جاءه بطليموس، وجلس عند قدميه، وجد الإسكندر شاحبًا كتمثال رخامٍ رطب.
قال له بطليموس:
“المدينة تناديك يا مولاي، العمال ينتظرون أمرك “
قاطعه الإسكندر بابتسامةٍ حزينة:
“فليبنوا مدينةً للعالم تخلد اسمي”
وراح ينظر إلى الأفق صامتًا.
في تلك الليلة، تسلل من معسكره وحده، ومشى حتى حافة الصخور، هناك حيث يبدأ البحر في الغناء.
جلس على صخرةٍ عالية، وأغمض عينيه، لم يرَ سوى عيني أمه، وابتسامة معلمه أرسطو، وطفولته في مقدونيا.
يقول في نفسه:
” الإسكندرية تشبه حضن أمي.”
هنا فقط، انحنى عليه ضوء القمر، فبدا وجهه أكثر صفاءً من أي وقتٍ مضى.
مدَّ يده إلى الماء، فرآه يرتجف، ثم رأى وجهه يذوب فيه شيئًا فشيئًا، حتى صار الموج مزيجًا من الدمع والذاكرة.
ومع أول خيط للفجر، جاءت نسمة تحمل رائحة البحر . شعر الإسكندر بروحه تُسحب ببطءٍ من جسده، نحو خفةٍ لم يعرفها من قبل.
وفي داخله صوتٌ يقول:
– لقد عدت إلى البحر مخلوقًا يبحث عن سلامه.
وفي تلك اللحظة، ارتفع صوته تبعثره الريح :
– إنما جئت لأعانق البحر بمدينتي.
حين عاد الجنود يبحثون عنه، وجدوا على الصخرة خوذته اللامعة وسيفه المغروس في الرمل، وأثر قدمين يغوص في الماء ثم يختفي.
قال أحدهم:
“سقط في البحر.”
لكن بطليموس، الذي يعرف، قال بهدوء:
– الإسكندر لم يمت، فالبحر في داخله.
ومنذ ذلك اليوم، حين تهب الريح على شواطئ الإسكندرية، يسمع الصيادون في الليل صوتًا
ولا أحد يعلم، أهو البحر الذي يذكر إسكندر، أم هو إسكندر الذي لم ينس البحر.
( 3 )
( كليوباترا تكتب رسالتها الأخيرة)..
أنا آخر ما تبقى من ضوءٍ في هذا القصر، الليل ساكنٌ في جناحي.
روما تنام على أنقاض أحلامي، والنيل يجري بعيدًا عني . قالوا عني ملكة الفتنة، وأنا لا أرى في المرآة سوى امرأةٍ تكتب رسالة الوداع إلى البحر.
ها هو النهار يتلكأ لا يريد الدخول.
على الطاولة أمامي زهرتان من اللوتس، وقارورة عطرٍ كسرتها عمدًا كي يفوح منها عطر الإسكندرية.
كتبت بالذهب لا بالحبر؛ لأنني أريد لرسائلي أن تلمع حتى بعد غيابي.
إلى من يأتي بعدي،
إلى من سيحكم المدينة،
لم أُهزم؛ لأن قلبي ظل حيًا.
كنت أظن أن الجمال سلاحي، فإذا به لعنتي.
كل من أحبني أراد أن يملك صورتي لا وجعي.
أحبني قيصر، وأحبني أنطونيوس لكن أحدًا لم يسألني:
هل تودين أن تكوني امرأةً أم ملكة ؟
الآن، في هذه اللحظة لا أحتاج سوى الصدق.
الأفعى في السلة تلتف ببطءٍ حول سوارٍ من فضة، قال الكهنة أن سمها يوجع لحظةً ثم يُنسَى، وأنا أريده أن يعيدني إلى الطفولة، حيث كنت أجري على شاطئ البحر أسابق الموج.
ربما ألتقي أنطونيوس هناك، لا بزي القائد إنما بثوبٍ من ضوءٍ وماء.
سنضحك من خوفنا القديم، وننسى أن زماننا قد ضاع.
أيها البحر،
إن رأيت اسمي مكتوبًا على صفحة الموج، فاقرأه بصوتٍ خافتٍ.
قل له أن الملكة لم تمت.
دخلت جاريتي تضع عندي إناء الورد، فرأت الأفعى تزحف نحوي، فصرخت.
أشرت إليها بالصمت، وقلت:
– لا تبكي، فليس كل موتٍ انكسارًا.
شعرت بلسعةٍ خفيفةٍ على معصمي. ثم أطبقت جفني
لم يكن السم هو ما أسكرني، بل عطر البحر الذي يجري في دمي.
يقولون أن كليوباترا ماتت.
ولا يعلمون أنني تحولت إلى نغمةٍ في الموج على صفحة البحر كلما أشرقت شمس الإسكندرية.
ها أنا أُغلق الرسالة، وأرسلها مع الريح.
سيقرأها البحر، وستعرفون أنني لم أُهزَم؛ لأن الحب لا يُغلَب.
( 4 )
( لقاء الأرواح في البحر ) ..
في كل فجرٍ، يلتقي الماء بالسماء، وتلمع وجوههم على صفحة البحر:
إيزيس في صبرها.
الإسكندر في دهشته.
كليوباترا في ابتسامتها الأخيرة.
الموج يبتسم، يخاطب القلوب التي تحب مدينة الشتاء، والبحر لم يختفِ، البحر يحملنا معه إلى حيث الخلود يبدأ .







