
في ليلة واحدة استيقظ الناس على خبرين كلاهما مفزع. خبر يقول إن أمريكا قد تضرب إيران بقنبلة نووية. وخبر آخر يظهر في تليفزيون طهران يعلم الناس كيف يحمون أنفسهم لو انفجرت هذه القنبلة.
وبين الخبرين ضاع كثير من الناس. فمنهم من صدق أن نهاية العالم إقتربت. ومنهم من قال إنها مجرد حرب كلام في مواقع التواصل الإجتماعي.
لكن الحقيقة ليست في الخبر الأول ولا في الخبر الثاني. الحقيقة في مكان ثالث. في عقل يفهم لماذا يكتب صحفي تدوينة تثير الرعب. ولماذا ترد دولة كاملة بفيديو يعلمك كيف تغسل يديك بالماء والصابون بعد الإنفجار.
هذه ليست قصة قنبلة فقط. هذه قصة خوف قديم بين دولتين. وقصة عالم جديد لم يعد يثق في كلام الكبار. وقصة مواطن بسيط في القاهرة أو الرياض أو طهران يريد أن يعرف هل ينام الليلة مطمئناٌ أم يبدأ في تخزين الماء والطعام.
- كلام كارلسون رأيه الشخصي وليس قرار رسمي
قبل يومين كتب تاكر كارلسون في حسابه أن الرئيس ترامب قد يضرب موقعاٌ في جبل أصفهان بقنبلة نووية يوم السابع من نوفمبر بضغط من نتنياهو. وهذه التدوينة إنتشرت بسرعة كبيرة وشاهدها أكثر من خمسة عشر مليون شخص. فخاف الناس في إيران وفي المنطقة. لذلك خرج التليفزيون الإيراني ليقول للناس ماذا يفعلون لو حدث هذا الأمر.
لكن يجب أن يعلم الجميع أن تاكر كارلسون هو صحفي ومقدم برامج وليس مسؤولاٌ في الجيش الأمريكي ولا في البيت الأبيض. لذلك كلامه يبقى رأياٌ شخصياٌ وليس قراراٌ رسمياٌ.
ثم إن التاريخ يعلمنا أن أمريكا تفكر ألف مرة قبل أن تستخدم النووي لأنها تعرف أن أول قنبلة نووية تستخدمها بعد سنة ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين ستغير العالم كله. فبعدها ستقول روسيا إنها تستطيع أن تستخدمه في أوكرانيا. وستقول كل دولة صغيرة يجب أن أصنع قنبلتي لأحمي نفسي. وسينهار نظام منع إنتشار السلاح النووي الذي بنته أمريكا نفسها.
- إرشادات تقوم بها معظم الدول عند الإستعداد للطوارئ
إيران عندما نشرت الإرشادات لم تقل إن أمريكا ستضرب غدا. بل قالت للناس لا تنظروا إلى الضوء وادخلوا إلى القبو وأغلقوا النوافذ واغتسلوا بالماء والصابون واشربوا ماء معبأ. وهذا كلام يقال في كل دول العالم عند الإستعداد للطوارئ. حتى بريطانيا وألمانيا والسويد قالت لمواطنيها الأسبوع الماضي خزنوا ماءاٌ وطعاماٌٌ ودواءاٌ لثلاثة أيام أو عشرة أيام. وهذا لا يعني أن حرباٌ نووية ستقع غداٌ. بل يعني أن الحكومات تريد أن يكون شعبها مستعداٌ.
- نشر إيران لإرشادات النووي ليس دليل على أن الضربة قادمة
قد يظن البعض أن نشر إيران لإرشادات النووي دليل على أن الضربة قادمة. وأن تدوينة صحفي أمريكي دليل على أن القرار قد اتخذ. لكن الحقيقة عكس ذلك تماماٌ. فالدول التي تستعد للأسوأ هي الدول التي تحاول أن تتجنبه. والدول التي تتحدث عن الحوار حتى في ساعة التوتر هي الدول التي ما زالت تؤمن أن الكلام يمكن أن يوقف القنابل. النووي سلاح لا يستخدمه إلا من فقد عقله. والعقل ما زال موجوداٌ في واشنطن وفي طهران. ولهذا سينام العالم هذه الليلة وهو خائف قليلاٌ لكنه مطمئن كثيراٌ.
خلاصة القول: إن تدوينة تاكر كارلسون هي التي أشعلت الخوف. والإعلام الإيراني رد عليها بإرشادات وقائية لطمأنة الناس. لكن القرار الحقيقي للضرب النووي ليس بيد صحفي ولا بيد رئيس وحده. بل هو قرار معقد وخطير للغاية. وإحتمال حدوثه اليوم ضعيف جداٌ.






