
بقلم: باسم أحمد عبد الحميد
حينما نذكر اسم (هيلين آدامز كيلر) المؤلفة والباحثة الاجتماعية الكبيرة والتي ولدت عام 1880، وعميد الأدب العربي طه حسين ،والذي ولد بعدها بتسع سنوات عام 1889,نجد ثمة تشابه بينهما ، حيث أن كل منهما ولد في بداية القرن التاسع عشر ، وكلاهما فقد بصره في سن مبكرة، لكن هذا العمى، لم يكن عائقاً أبداً أمام التقدم ، والنجاح، والنبوغ والتألق، وأنا أعتبر (كيلر) أكثر نبوغاً، وقوة، لأنها لاقت تحدياً أكبر، فلم يكن العمى وحده، هو العائق الأوحد، بل الصمم والبكم الذي أصابها في سن الثالثة من عمرها بسبب حمى مخية عنيفة..
هذه السيدة التي كرست حياتها لدراسة مشكلات مكفوفي البصر، ومعاونتهم على تحقيق ما يصبون إليه من أمنيات، وأفادتهم لأنفسهم ولمجتمعهم، ظلت تكتب وتحصل المال لمساعدة المحتاجين..
بإرادتها استطاعت أن تتغلب على عقدة لسانها، وأن تتكلم، رغم عجز الأطباء معها لسنوات، لكن الإرادة تحمل جنين التحويل، واستطاعت أن تتغلب على ظروفها، وأن تصبح زعيمة أمريكية فريدة..
قال عنها الكاتب الأمريكي (مارك توين) :
إن أدعى الشخصيات إلى الإعجاب والاهتمام بالعالم، في القرن التاسع عشر كله، شخصيتان :
نابليون بونابرت، وهيلين كيلر !!
إن هذه الصماء العمياء البكماء أثبتت انها-برغم عاهاتها أنفع للإنسانية من كثير من البشر!!!
فمن الناس من لهم قلوب، لا يفقهون بها، وآذان لا يسمعون بها، وأعين لا يبصرون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل!!
هذه المرأة التي لم تكف عن القراءة يوماً واحداً، وألفت سبعة كتب، وفيلماً سينمائياً مثلت فيه دور البطولة، هذا بالإضافة لعشقها للموسيقى، ولها آذن موسيقية، تميز النبرات، بحس موسيقي فاره…
عاشت هيلين في ضاحية (فورست هيل) قرب مدينة نيويورك، وكانت تتمشى يومياً مع كلبها الوفي، والملاحظ أنها كانت لا تضل طريقها ابداً، وحاسة اللمس كانت لديها خطيرة للغاية، ومرهفة جداً، حيث أن كانت تترجم ما يقوله اصدقاؤها، ولو بهمس منهم دون توضيح لها، واذا صافحتها اليوم لأول مرة في حياتك، وصادف أن تقابلت معها بعد خمسة أعوام تذكرتك فوراً بمجرد لمسة يد فقط!!!
والغالبية العظمى من الناس يعتقدون ان العمى أشد كارثة تصيب الإنسان، إلا انها قد اقامت الدليل في مذكراتها على ان الصمم كارثة افدح كثيراً من العمى، ففي ساعات الظلام الحالك والصمت البالغ، اللذين يفصلانهما عن العالم، ويجعلانها بمعزل عنه، لا تتوق إلى شيئ، قدر اشتياقها إلى سماع همسة بشرية تنبعث من فم صديق مخلص، فالاصوات في رأيها أهم للإنسان من الاشكال والألوان، يبقى ان نوضح ان حبها الشديد للموسيقى، رغم انها صماء جاء عن طريق اللمس حيث أنها كانت تتحسس بأناملها على البيانو اثناء العزف، وكذلك من خلال المذياع عبر التموجات الصادرة عن البوق..
قصة من ألف ليلة وليلة، كانت البطلة فيها لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، لكن تظل أعمالها ترى وتسمع وتنطق، بما لا يستطيع البعض إدراكه، أفلا يتدبرون!!!
