
د . أنور ساطع أصفري
الطقسُ خانقٌ لا يُطاق ، رطوبةُ المُكيّفِ تعبقُ بكلِ ركنٍ و زاوية ، ذاكرةٌ تجيءُ ، ذاكرةٌ تغيبُ ، عنكبوتُ تنسجُ أُغنيةَ الزمن . أتيهُ في كلماتٍ لمْ أكن أقصدها ، فتبللني الرطوبة.
أديرُ وجهي عن مرآةٍ تواجهني ، فأنا لا أُطيقُ أن أنظرَ إلى وجهي عندما أكونُ غارقاً في بحرٍ من الكلمات . تنتابني رغبةٌ في الغزلِ ليُلامسَ قصاصاتِ جسدي ، أتركُ قلمي ، أُغادرُ إلى غرفةٍ مجاورة ، يعلو صوتُ الصغيرِ ، فأعودُ أدراجي خائباً.
أُخبىء وجهي بينَ أوراقي المبعثرة ، وأقلامي الملونة ، وأصابعُ التوبةِ تُطاردُ خطيئتي . أُغمضُ عينيَّ ، أُحاولُ الإسترخاءَ ، فأشعرُ برغبةٍ جديدةٍ للكتابة ، أبدأ ببعضِ الكلماتِ إفتتاحية لزاويةِ العددِ القادم ، فيأتيني صوتُ الصغير ” بابا “! .
أتسوّلُ بينَ الزمنِ ، أُبحرُ في دماءِ أوردتي ، أحنُّ إلى شتاءٍ دافىء ، أُفتشُ عن ماردٍ يساعدني ، أُطفىء المُكيّفَ كردةِ فعلٍ إعتباطية ، أتناولُ كأساً من الماءِ الُمثلّج ، أعودُ إلى طاولتي وأنا أُحاولُ من جديد.
إصرارُ رنينِ الهاتفِ يعلو ، أتناولُ الهاتف ، فيأتيني صوتٌ غريبٌ ممزوج بلغةٍ مشوّهة ، أُحاولُ أن أضغط على ذاكرتي كي أفهم ماذا يُريد ، فلم أستوعب سوى ” صبر ، صبر ، أرباب يساوي ترتيب كلام ” فأغلقتُ الهاتفَ ببرودٍ ملحوظ.
عدتُ إلى أوراقي وأنا أتمسّكُ بالزمنِ كي أفيَّ بوعدي وأُشاركَ في زاويةٍ جميلةٍ للعددِ القادم ، مع كاملَ إيماني وقناعتي بأنني لن أرتادَ مملكتُها بعدَ اليوم !. أُنصتُ لنداءاتٍ مبعثرةٍ ، أحاولُ أن أخترعَ فكرةً أجعلُ منها موضوعاً لائقاً ، الأفكارُ تجرّب الهروبَ من ذاكرتي ، بل تهرب وتتجوّل في شوارعِ الليل ، فلقد كانَ همُّها أن تتركَني كباقي الخاسرينَ هذه الليلة.
تتساقطُ أفكارٌ جديدةٌ ، أبتهلُ ، أحررُ جسدي ، أبوحُ ، أخترعُ كلماتَ عشقٍ ، أعضُّ على شفتي ، أضعُ رأسي بين كفيّ ، أُغمضُ عينيّ ، أغيبُ بعيداً ، فيتراءى لي : أحبةٌ ، فراشاتُ كالنساء ، كهولٌ كالأطفال ، حرائقُ تنتشرُ في أضلعي ، أنهلُ من ينبوعِ العشقِ ، أغفو مع وردةٍ جوريةٍ حمراء على صوتِ المطرب الإسباني ” خوليو ” فيداهمني صوتُ فيروز من بعيد.
أشعرُ بنشوةٍ تتملكني ، أستطيلُ ، أستطيلُ أكثر ، أعانقُ السحبَ ، أُمسّدُ وجه القمرِ بكفيَّ ، ظلماتٌ تتلاشى ، ضجيجٌ ينتشرُ في كُلِ مكان ، إضاءاتٌ بنفسجيةٌ مُتناوبةٌ تعمُّ الموقع ، حوريةٌ ترقصُ أمامي على أنغامٍ صاخبةٍ، بإيقاعٍ مُثيرٍ للدهشة ، تنتشرُ على طاولتي مائدةٌ من ما لذَّ وطاب ، تتلاشى الأوراق ، الأقلام ، الوجوه تتكاثرُ ، يغيبُ الزمن ، يُهاجرُ الحزنُ من عينيّ ، تنطلقُ من داخلي نداءاتٌ غريبةُ الأطوار ، يُخيّمُ الحبُّ على كُلِ الأشياء ، أُتمتمُ ” آهٍ أينَ أنا مني “.
ببطىءٍ وحذرٍ خجول حاولتُ أن أتحسسَّ بأصابعي جسدُ الحورية ، وأزرعَ وردةً خمريةً في صدرها ، فتصببتُ عرقاً فاتراً وإستيقظت.
ضحكتُ لأفكاري حتى علا صوتي ، انتابتني حالةٌ من البرودةِ والإرهاقِ المصحوبِ بالتعرّقِ والنعاس ، فاستسلمتُ للفراشِ وأنا أحلمُ بموضوعٍ أكتبه.
