
بقلم: بهجت العبيدي
في مشهد قد يبدو للوهلة الأولى عابرًا، لكنه في جوهره يكشف عن تصدعات عميقة في بنية الوعي المجتمعي، يُمنع مواطن شاب من استقلال قطار. لم تكن جريمته حمل سلاح أو التعدي على النظام العام، بل كانت “تهمته” ارتداء “شورت”. في تلك اللحظة، لم يكن الصراع بين راكب وموظف، بل كان تجسيدًا حيًا لصراع أعمق وأخطر: الصراع بين سيادة القانون وسلطة المزاج الشخصي. هذا الموقف، الذي تحول فيه مرفق عام ممول من أموال الشعب إلى ساحة لفرض الوصاية الأخلاقية، يطرح سؤالًا وجوديًا حول هوية دولتنا ومجتمعنا: هل نحن أمة تحتكم إلى عقد اجتماعي واضح وقانون مكتوب، أم أننا ننحدر نحو فوضى تحكمها الأعراف المتقلبة والتقديرات الفردية؟
قبل الخوض في أي جدل اجتماعي، يجب أن نحتكم إلى الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة: القانون. “الدستور المصري” واضح في مبادئه الأساسية؛ فالمادة (53) تنص على أن “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم”، كما أن حرية التنقل والحرية الشخصية مصونة بموجب نصوص دستورية أخرى. هذه المبادئ تشكل درعًا حاميًا للمواطن، وتؤكد أن أي تقييد لحق أصيل كالتنقل يجب أن يستند إلى نص قانوني صريح وواضح، لا إلى تفسير فضفاض أو تقدير شخصي.
بالبحث في القوانين المنظمة لعمل هيئة السكك الحديدية، نجد أنها تحدد بدقة المخالفات التي تستوجب العقوبة، وليس من بينها ما يتعلق بملبس الراكب. إن غياب النص هنا ليس فراغًا تشريعيًا، بل هو في حد ذاته حجة دامغة. فالأصل في الحريات هو الإباحة، ولا تقييد إلا بنص. وعليه، فإن قرار المنع يفتقر إلى أي سند قانوني، ويتحول إلى قرار إداري معيب يتجاوز حدود السلطة التقديرية للموظف العام.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية. إن التهاون في تطبيق القانون في المواقف “الصغيرة” يرسل رسالة مدمرة مفادها أن “العدالة” يمكن أن تُمارس خارج إطار الدولة. هذا هو المنحدر الزلق الذي تبدأ أولى خطواته بمنع مواطن من حقه في التنقل، وقد تصل نهايته إلى ما هو أفظع. عندما تتراجع سلطة القانون، تتقدم سلطات بديلة: سلطة العرف، سلطة الجماعة، سلطة الفرد الذي ينصب نفسه حاميًا للأخلاق. هذا هو المنطق ذاته الذي أدى إلى مأساة اغتيال المفكر “فرج فودة” عام 1992. لم يُقتل فودة لأنه خالف قانون الدولة، بل لأنه خالف “قانون” الجماعات التي اعتبرت أفكاره تهديدًا لقناعاتها. إن الرابط بين منع مواطن من قطار واغتيال كاتب ليس رابطًا مباشرًا، بل هو رابط فلسفي عميق؛ كلاهما ينبع من فكرة واحدة: اغتصاب سلطة التشريع والعقاب من الدولة.
لفهم لماذا تثير قطعة ملابس كل هذا الجدل، يجب أن نغوص تحت السطح القانوني إلى الأعماق السوسيولوجية. الملابس في مجتمعاتنا ليست مجرد أقمشة، بل هي “لغة رمزية” تعبر عن الهوية، وتكشف عن التوترات الكامنة بين قوى اجتماعية متنافسة. حادثة “الشورت” هي عرض مصغر لهذا الصراع الأكبر.
فمن ناحية، يمثل “الشورت” والملابس العصرية للشباب رمزًا للحداثة، والحرية الفردية، والرغبة في الانخراط في ثقافة عالمية. ومن ناحية أخرى، يرى البعض في هذه الأنماط تهديدًا للتقاليد والهوية الثقافية المحلية، ومساسًا بـ”الذوق العام” الذي تشكل عبر عقود. هذا الصدام ليس مجرد اختلاف في الأذواق، بل هو انعكاس لعملية تفاوض مجتمعي مؤلمة حول سؤال: كيف نوازن بين أصالتنا ومعاصرتنا؟
يصبح اللباس ساحة لهذا الصراع، حيث يحاول كل طرف فرض رؤيته على الفضاء العام. في هذه الحالة، قام ممثل السلطة بمحاولة فرض “كود لباس” محافظ غير مكتوب، في مواجهة مواطن يمارس حقه في اختيار “كود لباس” حديث. إنها لحظة تكشف عن التجاذب العميق بين الأجيال، وبين الريف والمدينة، وبين التقاليد وقوى العولمة، وهو التجاذب الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية في مرحلة انتقالية حساسة.
في خضم هذا الصراع، يبرز دور حيوي للإعلام والمجتمع المدني كبوصلة توجه النقاش. لقد كان انتشار الفيديو عبر “وسائل التواصل الاجتماعي” هو ما حول الواقعة إلى قضية رأي عام، وأجبر الجهات الرسمية على التوضيح. هذا يثبت أن الإعلام الرقمي أصبح سلطة رقابة شعبية، قادرة على كشف التجاوزات وتثقيف المواطنين بحقوقهم. ويأتي دور “منظمات المجتمع المدني” ليكمل هذه الصورة، عبر تحويل الجدل إلى مسار قانوني منظم، وفتح حوار بناء مع مؤسسات الدولة لوضع لوائح واضحة تحمي الجميع.
لا يمكن للمجتمعات أن تزدهر أو حتى أن تبقى قائمة إذا كانت مبنية على أساس هش من الأهواء الفردية أو الصراعات الثقافية. هذه الركائز أشبه بالرمال المتحركة التي لا يمكن أن يقام عليها بناء. فكلما تغيرت المزاجات الفردية أو اشتدت الخلافات، اهتزت أركان المجتمع وكادت أن تنهار. إن أساس الاستقرار الحقيقي هو القانون الذي يُطبق بحزم على الجميع، دون أي استثناء أو تمييز. هذا المبدأ ليس مجرد شعار، بل هو جوهر العدالة الاجتماعية وحجر الزاوية الذي يضمن بقاء المجتمع موحدًا.
في عالمنا المتنوع، من الطبيعي أن تظهر خلافات حول قضايا معقدة مثل الهوية أو اللباس أو الممارسات الاجتماعية. هذه الخلافات، إذا تُركت دون إطار منظم، يمكن أن تتحول إلى فوضى عارمة. هنا يأتي دور القانون، فهو ليس فقط وسيلة لحل النزاعات، بل هو الآلية الوحيدة المتحضرة التي تمنحنا إطارًا مشتركًا لإدارة هذه الاختلافات بشكل سلمي وبناء. القانون يضع قواعد اللعبة، ويحدد حقوق كل طرف وواجباته، ويضمن أن الحوار والاحتكام يكونان ضمن مسار واضح ومعروف للجميع، وليس عن طريق القوة أو فرض الأمر الواقع.
سيادة القانون ليست مجرد فكرة نظرية، بل هي ممارسة عملية تتجلى في تفاصيل حياتنا اليومية. هي تبدأ من أبسط الحقوق، مثل ضمان حصول المواطن على مقعد في وسائل النقل العام دون تمييز، وتصل إلى أسمى الحقوق، مثل حماية حقه في الحياة، والتفكير، والتعبير عن رأيه بحرية، مع ضمان حماية قيم المجتمع ومبادئه الأساسية في نفس الوقت. كل خطوة نخطوها بعيدًا عن هذا المبدأ، وكل تنازل عن سيادة القانون، مهما بدا صغيرًا، هو في الحقيقة خصم من رصيد أمننا واستقرارنا الجماعي. إن هذا التنازل يفتح الباب أمام الفوضى، ويجعل الجميع عرضة للتعدي على حقوقهم.
إن المجتمع لا يمكن أن يكون “ملكية خاصة” لأحد. هو فضاء مشترك يجمعنا جميعًا، ولا يمكن أن يسيطر عليه شخص أو مجموعة معينة. إذا كان هناك من يرى أن قانونًا ما يشكل تهديدًا لقيمه أو مجتمعه، فإن الحل ليس في تجاهل هذا القانون أو فرض “قوانين” خاصة به من خلال القوة أو السلطة التي يملكها. هذا المسلك يؤدي إلى انهيار النظام، ويحول المجتمع إلى “عزبة خاصة” يتحكم فيها من يملك القوة والنفوذ، وهو ما يضعف الدولة ويقوض مؤسساتها.
الطريق الصحيح والوحيد هو الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية والتشريعية. إن من لديه اعتراض يجب أن يعمل على تغيير القانون بالطرق السلمية والقانونية المتاحة، سواء كان ذلك عبر الحوار، أو الحملات التوعوية، أو حتى المشاركة السياسية. هذا هو جوهر الديمقراطية، وهذا ما يضمن أن صوت الجميع يُسمع، وأن التغيير يتم من خلال الإجماع والآليات الشرعية، لا من خلال الفرمانات الفردية.








