
بقلم/ نسرين حلس
من المعروف أن شخصية الإنسان تتكون من خلال تعاملاته واحتكاكاته اليومية بمن حوله وما يكتسبه ويتعلمه في حياته. فهو من يكتشف نفسه بنفسه. ويكوّن أرائه من تجاربه الخاصة. فيسمع الأغاني بالصدفة ليختار بأذنيه ما يحب الإستماع إليه، ويشاهد العديد من البرامج المختلفة فيحدد برناجه المفضل، ويتابع المسلسلات والأفلام المعروضة على جهاز التلفزيون والسينما فيستمتع بما تروق له نفسه . أما اليوم، في ظل الفضاء الإفتراضي ،الأمر تغيّر كثيرًا. فالعالم الإفتراضي يعج بالتطبيقات والسوشيال ميديا والتسويق الرقمي والذكاء الإصطناعي التي تقترح علينا ماذا نشاهد، ماذا نسمع، ماذا نشتري، حتى أنها تدخل حيز تفكيرنا أحيانًا، فنجد أنفسنا نفكر ما يُقترح علينا
في كل مرة تتجه فيها للسوشيال ميديا سواء ” تيك توك، يوتيوب أو إنستغرام، فيسبوك وغيره من مواقع التواصل الإجتماعي يظهر أمامك فيديوهات مختارة بعناية. تجعلك تعتقد أنك من اختارها لتبدأ بالبحث عنها والإهتمام بمتابعتها، لكن الحقيقة تختلف الخوارزميات هي من قرر ما سيظهر أمامك. فالخوارزمية ببساطة هي نظام ذكي يراقب ما تحبه، ثم يعرض لك أشياء مشابهة حتى تبقى أطول وقت ممكن داخل التطبيق أو الريل
في البداية سيبدو الأمر جميلا وممتعا. فكل ما تراه جميلا مشجعا على المتابعة ، التطبيق يفهم ذوقك ويضع أمامك ما تحب بسهولة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا “الاقتراح” إلى شيء يصنع شخصيتك تدريجيًا دون أن تشعر.
مثلا تتخيل شخصًا بدأ يشاهد فيديوهات عن الأثاث المنزلي والديكور المودرن. بعد فترة سيبدأ بالشعور أن أثاث منزله قديم لا يتناسب الحياة العصرية الحالية مقارنة بالآخرين فيعتقد بأنه أقل من غيره وعليه أن يعمل أكثر ليستطيع تغيير ذلك الأثاث الرث من وجهة نظره
وشخص آخر يكثر من مشاهدة محتوى عن النجاح السريع والمال، فيبدأ يعتقد أن قيمته مرتبطة بالإنتاج والعمل فقط. وهناك من يشاهد مقاطع عن الثراء السريع والذهب باستمرار، فيصبح لا يفكر إلا كيف يصبح غنيا . ،والأسوء أن يواكب شخصا اخر على مشاهدة مقاطع عن الموت فيصبح مزاجه سلبيًا أكثر كل يوم ،فلا يفكر إلا في الحياة بعد الموت
صدقا ما نراه قد يبدو بسيطا وقد يكون مخيفا، فالمخيف أن من ينشرون تلك الفيديوهات والمقاطع أو حتى التطبيقات لا يهتمون بما إذا كان المحتوى مفيدًا أو ضارًا، بل بشيء واحد فقط وهو أن تبقى المشاهد فعالة والمشاهد يتابعها أكثر فأكثر
ومع الوقت أصبحت الموضة الدارجة هي ” الترند” فعندما ينتشر ترند معين من خلال الفيديوهات المعروضة يسعى الناس لتقليده. فهم يقلدون بعضهم بطريقة التصوير ، واستخدام نفس الكلمات والمصطلحات الدارجة ، نفس النكات، حتى ردود الأفعال والحركات والرقص. الأذواق أضحت متشابهة. ففي الماضي كانت الناس تبحث عن الموضة في اللباس، لكن كان لكل انسان اسلوبه المميز في اللبس، سماع الأغاني، والموسيقى والديكور المنزلي وغيره ، اليوم كل ذلك تغير الجميع نشاهد نفس المقاطع والفيديوهات المكررة يوميا في كل شئ سواء الملابس، الأغاني، الديكورات المنزلية، وجهات السفر، الحلي وغيره فمن الطبيعي أن يحدث ذلك تأثيرا في ظل وجود الترند. فنجود وجود تقارب كبير في التصرفات وكل تلك الأشياء التي قمنا علي ذكرها
المذهل في الأمر أنه لم يعد يتوقف عند حد الترفيه فقط، بل يصل أحيانًا إلى طريقة تفكيرنا ونظرتنا للحياة. عندما يشاهد شخص محتوى معينًا لفترة طويلة، يبدأ عقله بالاقتناع أن هذه هي الحقيقة الوحيدة. فإذا كانت كل الفيديوهات التي تظهر له تتحدث عن الجمال، قد يشعر بعدم الرضا. وإذا كانت كلها عن الثراء، سيشعر أنه متأخر في الحياة حتى لو كان يعيش بشكل طبيعي.
إذن فالخوارزميات لم تُخلق عبثا ، هي وُجدت لكي تعرف جيدا ماذا نريد؟، ما هي نقاط ضعفنا. ماذا نحب ؟ ما هي رغباتنا؟ ما الذي يجعلنا نضحك، نغضب، نحزن، أو يبقينا مستيقظًين لساعات. وكلما زادت مشاهدة هذه المقاطع ، أو تم استخدام هذه التطبيقات، كلما أصبح يعرفنا أكثر. وأحيانًا نشعر أن التطبيق يقرأ أفكارنا، لأنه يقترح أشياء كنا قد فكرنا بها فعلًا. طبعا هذا ليس سحرًا، بل نتيجة مراقبة مستمرة لكل مشاهدة نقوم بها ، ضغطة متابعة، إعجاب، أو تعليق تقوم به.
من هنا، يبدأ الإنسان بالإعتماد علي ما سيظهر أمامه، والدخول فورا لمتابعة “الترند” على اعتبار أنه الأفضل. تدريجيا، بدون أن يشعر، يبدأ بفقدان قدرته على الاكتشاف الحقيقي. فلا يعود يبحث بنفسه عما يريد أن يراه أو يسمعه، بل متابعة قائمة “الأكثر مشاهدة “. فمثلا في الموسيقى التي يتابع قائمة “مقترحة لك” أؤ “ الأكثر طلبا” . والأفلام من قائمة “قد يعجبك”. أو “الأكثر مشاهدة”. مع الوقت يصبح محاصرًا داخل صندوق من المحتوى المتشابه
لذا ماذا نحتاج ؟ نحن نحتاج أن نخرج من دائرة الإقتراحات التي تهندسها الخوارزميات. بأن نعود إلى الفطرة. فأن نجرب أشياء جديدة كي نختار بأنفسنا ما نريد، وأفكارا مختلفة، ونستمع لآراء جديدة ، كي ننمي شخصيتنا. ولا نركض فقط خلف “الترند”. فالشخصية لا تبنى إلا من خلال التفاعل العام واستماع لكل ما هو موافق ومختلف من الآراء واختلاف التجارب التي نتعرض لها، مع تنوع الأذواق لنحدد بعد ذلك ما نريد وكيف نكون
باختصار، قد ما تكون شخصيتك الحقيقية أعمق بكثير مما تعتقد، لكنها اختفت قليلًا وسط الضجيج الرقمي والترندات السريعة
