“ليس هناك من شك في الأصل الكنعاني ، للفن والبناء الديني عند العبرانيين ..
د. فيليب حتي
بقلم : حسني حنا

هناك أبنية عديدة اشتهرت في التاريخ القديم ،فيها على سبيل المثال : قصر مملكة ماري على نهر الفرات ، و قصر مملكة أوغاريت والقصر الملكي في صور والحدائق المعلقة في بابل ، وقصر الملك مينوس في جزيرة كريت ومبنى الكولوسيوم في روما وغيرها .
الملك سليمان
ورث الملك سليمان (حوالي 963 – 923 ق.م) المملكة العبرانية عن والده الملك داود. التي وصلت في عهده الى ذروة فائقة من المجد والازدهار.وأخبار الملوك العبرانيين . ليس فيها ما يشبه مشاريع الملك سليمان في الأعمال العمرانية ، والصناعة و التجارة واستخراج المعادن ، ومستوى الترف الذي وصلت إليه تلك المملكة ( انظر : سفر الملوك الأول 11 :3) .
قصر سليمان
بنى قصر سليمان في مدينة اورشليم فنانون كنعانيون (فينيقيون) واستخدموا في بنائه خشب الأرز من لبنان وقد استغرق بناؤه ثلاث عشرة سنة ، وكان الجناح الملكي فيه غنياً بالأعمدة المصنوعة من خشب الأرز. وقد سمّى بيت غابة لبنان ( سفر الملوك الاول (2:7) ومن الجدير بالذكر أن أرز لبنان مذكور في الكتاب المقدس ( 75 ) مرة.
هيكل سليمان
شید هیكل سلیمان معماریون کنعانیون وقد ذكر العالم سباتينو موسكاتي ذلك في كتابه (العالم الفينيقي).
وكان هيكل سليمان ، هو البناء الأثري الديني الوحيد، عند العبرانيين القدماء . لم يشيده معماريون من مدينة صور فحسب، بل خُطّط وفقاً لتخطيط معبد كنعاني ،واتبعت في زخرفته نماذج كنعانية ، وقد كان الهيكل الذي بناه سليمان ، أكثر اهمية من الناحية القومية. ويُعتقد أن موقعه ، هو الموقع الذي فيه قبة الصخرة اليوم (المؤرخ الطبري جـ 12 ص 195 – 196) .
بني هيكل سليمان في الأصل ليكون معبداً ملكياً – مُلحقاً بالقصر، واستغرق بناؤه مدة سبع سنوات، لكنه أصبح فيما بعد مركزاً عاماً للعبادة . وكان المعماريون والبناؤون أيضاً من أهل مدينة صور ، وأستخدموا فيه أرز لبنان ، ولأجل إتمام البناء ، كان ثلاثون ألفاً من رعايا الملك سليمان ، مسخرين ليشتغلوا بالنوبة ، فيعمل عشرة آلاف منهم شهراً في لبنان ، مع رجال الملك حيرام ملك صور، وشهرين في بيوتهم ، يتابعون أعمالهم المعتادة ( سفر الملوك الأول 5 : 13. وكانت الأخشاب المقطوعة ، تُنزل إلى البحر ، ثم تُنقل إلى مرفأ يافا ، ثم تُرسل الى أورشليم .
زخرفة الهيكل وطقوسه
كانت زخرفة الهيكل مستوحاة ، من النماذج الكنعانية المعاصرة في ذلك الزمان . وطقوس الهيكيل وذبائحه ، تُظهر الأساليب المتبعة عند الكنعانيين . حتى أن كلمة (هيكل e-gal) نفسها كانت مستعارة من المفردات الكنعانية . وكانت قد أتت بدورها، من اللغة السومرية في بلاد الرافدين بمعنى (البيت الكبير).
وطقوس الهيكل كانت تستدعي العزف على الآلات الموسيقية ( أخبار الملوك الأول إصحاح 25) وكان الموسيقيون والمغنون الأُول في الهيكل كنعانيين في أشخاصهم وتدريبهم ، وعندما جرى الارتقاء بالموسيقى العبرانية في عهد داوود وسليمان . لم يكن هناك من نموذج ، يمكن اتباعه ، سوى النموذج الكنعاني !…
استعمل العبرانيون في الموسيقى الدينية والزمنية آلات متعددة منها : الدفّ والناي والبوق، ومن الآلات ذات الأوتار القيثارة. وكانت بطبيعة الحال مؤلفات شعرية، ويتصف الشعر العبري بالتوازي والمطابقة كما في شعر اوغاريت Ougarit وهذه المطابقة المستعارة من الكنعانيين. أعطت للمزامير، وغيرها من المؤلفات الشعرية بالعهد القديم كثيراً من جلالها وعظمتها ، وإيقاعها الموزون.
بناء الهيكل
لعل هيكل سليمان في مدينة أورشليم (القدس) هو البناء الذي تهدم وأعيد بناؤه سنة (1010 ق.م ) ولما أراد داود بناء هيكل للاله (يهوه) لم يستطع بسبب حروبه الكثيرة ، التي منعته من ذلك . وعندما طلب داوود اذناً من الرّب (يهوه) أجابه الرب قائلاً : سفكت دماً كثيراً ، وحاربت حروباً بأكثرة ، لذا لن تبني هيكلاً لاسمي ( أخبار 3:28). وكان داود: (نحو 1004 – 963 ق.م) المؤسس الحقيقي للمملكة، وعندما توفي ، خلفه ابنه سلیمان (963- 923 ق.م) وهنا تقول التوراة : : بدأ سليمان ببناء بيت الرب في مدينة أورشليم على جبل (موريا Moriah ) في تاني الشهر التالي من السنة الرابعة لحكمه” .. وقد استغرق بناء الهيكل سبع سنوات، وفي نهاية تلك المدة ، أقام سليمان احتفالاً كبيراً، حيث حمل الكهنة تابوت العهد، الذي كان يحتوي على ألواح الشريعية. وكان ذلك التابوت موشى بالذهب، وعليه غطاء من الذهب الخالص حملوه من مدينة داوود في جنوب شرقي القدس ، صعوداً إلى المعبد الجديد حيث تجمع الآلاف منتظرين. وعندما وضع الكهنة تابوت العهد في مقدس حرم الهيكل كانت هناك غيمة ملأت بيت الرب . وأمام المذبح قدّم سليمان صلاة لأجل الرب
في وصف الهيكل
كان هيكل سليمان المهيب ، تتويجاً لكل خططه ومشاريعه العمرانية ، وكان مُعدّاً ليكون المقر العام للهيئة الحكومية .. ذلك المشروع لم يبق منه الآن حجر على حجر ، وقد ظل قائم طوال (400 عام) على تلة تُشرف على مدينة أورشليم – القدس، بجدران بلغ عرضهما عشرة أقدام (قرابة ثلاثة أمتار) وهي متوجة من أعلاها بفتحات للدفاع، وكان هذا الهيكل مزيجاً من قوة القلعة، وأناقة الكنعانيين، وكان هناك عمودان شاهقان من البرونز ، يزينان واجهة البناء.
وحيث الجدران الداخلية كانت مغطاة بخشب الأرز، كانت تتألق مع المنحوتات ، المصنوعة من الخشب والعاج والذهب ، وكانت الهيئة الحاكمة تقف في قدس الأقداس، عند قدمي اثنين من التماثيل ( الشيروبيم ) الضخمة التي كانت مصنوعة من خشب الزيتون المغطى بصفائح الذهب الخالص بأجنحهّا الممتدة لنحو (15 قدماً) ورجال الدين يقدمون الطقوس ، قرب جرن كبير من البرونز ، محمول على تماثيل (12 ثور ) مصنوعة من البرونز أيضاً . وفي باحة المعبد ، كانت تقدم الذبائح من الحيوانات ، قرب المذبح الفسيح، على الجهة اليمنى من المعيد
وتقول التوراة : ” داخل المعبد في أورشليم، كان مزيناً بأشكال منحوتة للشيروبيم ( جمع شيروب ) وأشجار النخيل ، وزهور متفتحة.
و( الشيروبيم ) تم فهمها الآن، على أنها تشبه تمثال أبي الهول Sphinx وهي ذات اجنحة بشرية ، مقتبسة عن الفن الكنعاني المتأثر بدوره بالفن المصري، وتُرى بجانبه شجرة نخيل ، وكأنها تحرسها.
وكان أمام المعبد باحة كبيرة كان فيها (المذبح ) حيث تقدم القرابين ، وما یُسمّی حوض البرونز ، الذي يحتوي على ماء بّراق . وعلى باب المعبد ،عمود عن يمينه ، وآخر عن شماله ، وكلاهما من البرونز ايضاً ….
وكان المبنى مؤلفاً، من ثلاثة أقسام ، كل منها يلي الآخر، دهليز مربع و حجرة مستطيلة في الوسط . حيث المذبح الذهبي، والمنصة المصنوعة من خشب الأرز من أجل تقديم الخبز. ثم (قدس الأقداس) وهو حجرة مربعة مُعتمة ، يمكن بلوغها بواسطة باب يُسدل عليه ستار هنا كان يُحفظ ( تابوت العهد ) .
معبد سليمان والمعابد الكنعانية
إذا لم يكن لدينا من المعابد الكنعانية نماذج كافية ، فإن (معبد سليمان) الذي شيّده المعماريون الكنفانيون، وقد وصفه كتاب (التوراة ) وصفاً مفصّلاً.
وتحدث عن أولئك الفنانين المعماريين بوضوح، ولابُدّ أن تتشابه المعابد التي بناها الكنعانيون ، وإذا لم يبق لدينا قصور وأسوار ، تطوّق المدن الكنعانية ، فإن الرسوم الآشورية تصفها وصفاً دقيقاً ، يحملنا على أن نستنتج منها عناصر كثيرة ( انظر كتاب : The world of the phoenician للعالم الايطالي سباتينو موسكاتي) .
الملك أحيرام وسليمان
في أيام سليمان ، كان (جبرام) أو (أحيرام ) ما زال يحكم مدينة صور بين عامي (969 – 936 ق.م) وتخبرنا كتب الحوليات التاريخية أن (أحيرام) قد وسّع المدينة ، ونصب عموداً من ذهب ، في هيكل الاله (بعل شميم – سيد السموات) كما شيّد هياكل جديدة للآلهة (مقارت وأشتارت …)
كانت علاقة الملك احيرام مع سليمان طيبة . وتقول الحوليات : ” أتم سليمان الأعمال في عشرين سنة ” وبما أن حيرام ملك صور ساهم في تشييدها ، بكثير من الذهب والفضة ، ساهم أيضاً بخشب الأرز، وشجر الصنوبر و سليمان قدم لا حيرام هدايا ثمينة ، فقد كان يرسل إليه كل سنة حبوباً و خمراً وزيناً ( سفر الملوك الأول – الاصحاح 5 من 1-11 ) .
ويقول الكتاب المقدس : بعد نهاية عشرين سنة ، بعدما بني سليمان البيتين بيت الملك وبيت الرب . وكان حيرام ملكك صور ، قد ساعد سليمان بخشب الأرز ، وخشب سرو وذهب – كل حسب مسرته ، وأعطى حينئذ الملك سليمان حيرام عشرين مدينة في أرض الجليل ، فخرج حيرام من صور . ليرى المدن التي اعطاه إياها سليمان ، فلم تحسن في عينيه…”
وتقول حوليات مدينة صور (كما اختصرها وقدمها المؤرخ يوسيفوس . الذي عاش في القرن الأول الميلادي ) : ” بالاضافة الى ذلك أهدى إليه بعض مدن الجليل ، وكانت عدتّها عشرين مدينة، لا تبعد عن صور كثيراً ، لكن حيرام عندما ذهب ، ونظر إليها لم تعجبه، وأبلغ سليمان أنه لامصلحة له في هذه المدن” ! …
شهادة الدليل الأثري
لو قارنّا المعلومات الواردة في العهد القديم (التوراة) مع الدليل الأثري (الأركيولوجي) الذي يتوفر لدينا عن المعابد السورية ، لوجدنا التصميم الذي قام عليه (هيكل سليمان) له كل الخصائص ، التي تتميز بها المنطقة.
و ينطبق العمود ان المقامان على مدخل الهيكل، على نماذج لمصلّيات ترجع إلى بداية الألفية الأولى. وقد أشار إليها المؤرخ اليوناني هيرودوت في أواخر (القرن 5 ق.م) إذ قال : ” ان معبد ملقارت في مدينة صور كان له عمودان أحدهما من ذهب ، والثاني من زمّرد” (راجع تاريخ هيرودوت ) وفي التصميم الذي يقوم عليه معبد مدينة عمريت ( ماراتوس) جنوبي مدينة طرطوس، الذي تصب عنه عالم الآثار الفرنسي (دونان ) يتألف من باحة واسعة ، تحتوي على حوض مقدس، كان أصلاً يُملأ بالماء طوله (48 متراً) وعرضه (38 متراُ) وفي وسط الحوض مصلى مكعب الشكل مفتوح من الأمام ، كما وجدت قاعدتا عمودين . وعلى قطعة نقدية من مدينة جبيل (By blus) تعود الى القرن 3 للميلاد نقش يشبه المعبد شبهاً شديداً. وتبين الدراسات الأثرية ، أن المهندسين والمعماريين الكنعانيين، كانوا يتمتعون بمهارة هائلة ، في بناء القصور والمباني والمعابد وكانوا قادرين على استعمال كتل ضخمة من الحجر ، ويستفيدون من مزايا الصخور الطبيعية في بلادهم.
أحداث ووقائع …
– في عهد النبي داوود الذي توفي حوالي عام (917 ق.م ) لم يكن للعبرانيين Hebrews معبد . وكان عبادتهم تقوم حول ( خيمة ) وضعوا فيها ألواح موسى داخل تابوت خاص …
– كانت مدينة ( يبوس) مدينة بناها الكنعانيون ، أخذت فيما بعد : اسم (اورشليم ) ثم (القدس) سقطت بيد النبي داوود في حدود سنة (1010ق.م) و قبل احتلالها ، لم يكن يوجد فيها أحد من بني اسرائيل (انظر : سفر القضاة 13 : 11 -19) وعندما لم يستطيع داوود بناء هيكل للاله (يهوه) ترك هذا الأمر لابنه سليمان الذي ابتدأ بالبناء – كما ذكرنا – في عام (967 ق.م).
– في عام (587 ق.م ) أحرق ملك بابل (نبوخذ نصّر) الهيكل ودمّرمدينة القدس بعد تمرّد العبرانيين على حكمه .
– في عام (485 ق.م) أعاد العبرانيون بناء الهيكل ، على أيدي المعماريين الفينيقيين أيضاً ، أهالي صور وصيدا (سفرعزرا 3:7).
– في عام (168 ق.م) دمّر الملك أنطيوخوس الرابع أبيفان مدينة أورشليم.
من عام (168 – 160 ق.م ) قامت ثورة (يهوذا المكابي) ضد الحكم السلوقي ، وحصل العبرانيون على نوع من الحكم الذاتي داخل اورشليم فرمموا الهيكل.
– في عام (54 ق.م) نهب القائد الروماني (كراسوس ) خزائن الهيكل .
– في عام ( 36 ق.م) أنها (هيرودوس الأدومي) ممثل الامبراطورية الرومانية ، حكم السلالة المكابية .
– في شهر تموز من عام (70م) بعد قيام اليهود بثورة ضد الرومان ، قام القائد الروماني (تيطس) الابن الأكبر للامبراطور الروماني (فسباسيان) بهجوم واسع على مدينة أورشليم ، حيث دمّر المدينة والهيكل وأمر بنهب محتوياته .. ويشاهد الناس اليوم قوس النصر الذي أقامه نبطس، ذكرى لانتصاراته في مدينة روما ، وعليه نقوش نافرة تمثل الجنود الرومان، وهم يحملون نفائس الهيكل التي جملوها معهم إلى روما .
– ختاماً ، نخلص إلى القول أن أجدادنا الكنعانيين سكان الساحل السوري، لم يكونوا بحارة ماهرين فحسب بل كانوا أيضاً أهل عمران وحضارة ، بنوا المدن والممالك ( أوغاريت ،أرواد ،جبيل ، صور ، صيدا ، قرطاج ) وغيرها … واكتشفوا صناعة الزجاج والذهب والحفر على العاج ، وقدّموا للعالم الأحرف الأبجدية الأولى ، أعظم اختراع على وجه الأرض ، الذي لولاه لما كان أي اختراع آخر ممكناً .

