
محمد الخشاب
كانت زيارتي للمسرح القومي ومشاهدة مسرحية «الملك لير» أكثر من مجرد أمسية فنية، كانت رحلة إلى بيت من أعرق بيوت الفن المصري، بيت له تاريخ محفور بأحرف من ذهب، صنعه كبار فناني مصر والعالم العربي عبر أجيال متعاقبة.
لن أتطرق إلى أسماء كل من صنعوا تاريخ هذا الصرح العظيم، خشية أن يسقط مني اسم سهوا، فالقائمة طويلة، والتاريخ أكبر من أن تختصره سطور.
كبيرة يا مصر بتاريخك، وفنك، وأدبائك، ومبدعيك، وشعبك.
منذ اللحظة الأولى لدخولي المسرح القومي، شعرت وكأنني أعود إلى زمن الأصالة المصرية الجميلة. استنشقت رائحة التاريخ، وشعرت بدفء الاستقبال، وهيبة المكان، وقيمته التي لا تستطيع الكلمات، مهما بلغت، أن تنقل الإحساس الحقيقي بها.
دعاني إلى هذه الأمسية أخي وصديقي د. فهد البنهاوي، الذي تربطه بفريق العمل ذكريات وصداقات فنية وإنسانية، وخاصة الفنان والأستاذ حسن يوسف. وقد سعدت بالجلوس معه قبل العرض، فوجدت أمامي إنسانا على قدر كبير من العلم والثقافة والخبرة، ثم شاهدته بعد ذلك على خشبة المسرح، فإذا بي أمام موهبة فنية رائعة، وحضور مسرحي متميز.

«الملك لير»… إحدى روائع شكسبير الخالدة.
ورغم أن هذا العمل قُدم مرات عديدة عبر السنين، فإنك وأنت تشاهده على خشبة المسرح القومي تشعر وكأنك تراه للمرة الأولى.
ومن أكثر ما أسعدني سماع اللغة العربية الفصحى على المسرح بهذا الإتقان والجمال. لغة ظننت، مثل كثيرين، أنها أصبحت في طريقها إلى التراجع، فإذا بي أجد فنانين يحافظون عليها، ويتقنونها، ويسلمونها بأمانة من جيل إلى جيل.
ولفت نظري أيضا فريق العمل من الفنانين الشباب، مواهب حقيقية ومحترفة تقف على خشبة المسرح القومي من أجل الفن نفسه. طاقات كبيرة قد لا نجد لها المساحة التي تستحقها في كثير من الأعمال التجارية، لكنها هنا تقدم نفسها بإخلاص واحترام شديدين للمسرح وللجمهور.
الفنان حسن يوسف، أداء رائع، وحضور مميز، وسلاسة شديدة في الحديث باللغة العربية الفصحى.
والفنان القدير طارق الدسوقي، غني عن التعريف، أداء مميز وسلس يجذبك منذ اللحظة الأولى لظهوره، لغة متقنة، وحضور قوي، وأداء تمثيلي يبدو سهلا للمشاهد، بينما إتقانه بهذه الحرفية ليس سهلا على الإطلاق.
ثم نأتي إلى «الملك لير» نفسه…
عندما تقرأ شخصية الملك لير، ثم تشاهد الدكتور يحيى الفخراني يؤديها، يخيل إليك وكأن شكسبير كان يرى يحيى الفخراني أمامه وهو يكتب هذه الشخصية!
يحيى الفخراني لم يكن مفاجأة، فمن منا لا يحمل له كل الحب والتقدير؟ لكن ما يقدمه في هذه المسرحية، على خشبة المسرح القومي، وبهذه الطاقة، وبهذه اللغة العربية الفصحى، ليلة بعد ليلة، يستحق وقفة احترام وتقدير.
حتى اختياره لفريق العمل، من أصغر دور إلى أكبر دور، لا يبدو صدفة. إنه نتاج رؤية فنان مصري أصيل، يعرف قيمة المسرح، ويحافظ على راية الثقافة والريادة المصرية، ويؤمن بأن الفن الحقيقي يُقدم من أجل الفن، ومن أجل رسالة وقيمة تبقى بعد أن ينتهي التصفيق.
«الملك لير» واحدة من روائع يحيى الفخراني التي ستظل، في رأيي، محفورة في ذاكرة المسرح القومي.
وما أسعدني أيضا أن المسرح كان ممتلئا بالجمهور، رغم أنها ليلة الأحد، ويوم عمل ودراسة في صباح اليوم التالي، والأجمل أنني لم أري حملة إعلانية ضخمة أو ضجيجا دعائيا يسبق العرض.
الجمهور جاء للفن… وللقيمة… وللمسرح.
وشعرت بأن كل من يعمل داخل المسرح القومي يتعامل معه وكأنه بيته، بل ربما أغلى من بيته. من العمال إلى الإداريين، ومن الفنيين إلى الفنانين، الجميع يحمل إحساسا واضحا بالمسؤولية تجاه هذا الصرح التاريخي.
تحية من القلب إلى فريق العمل بالكامل، إلى الفنانين الشباب، والمجاميع، وكبار الفنانين، وفريق الديكور والملابس والموسيقى والإضاءة والصوت، وإلى التنظيم الرائع، وإلى مخرج العمل الفنان بحق الكلمة الأستاذ شادي سرور، وإلى كل إنسان شارك، مهما كان دوره، في خروج هذا العمل بهذه الصورة المشرفة.
وتحية خاصة إلى عمال وإداريي المسرح القومي، الذين لا يدخرون جهدا في الحفاظ على هذا التراث المصري العظيم.
وأخيرا، وليس آخرا، كل الشكر والتقدير لأخي وصديقي د. فهد البنهاوي، الذي دعاني إلى هذه الأمسية المصرية الخالصة، وأتاح لي فرصة أن أعيش ساعات أعادت إلي الكثير من ذكريات وقيمة وأصالة الفن المصري الحقيقي.
خرجت من المسرح وأنا أكثر يقينا بأن…
مصر بخير، رغم طوفان الفن المستحدث.
فما دام هناك مسرح قومي، وفنان بحجم يحيى الفخراني، ومبدعون يحترمون الكلمة واللغة والخشبة والجمهور، وشباب يحملون الراية من جيل إلى جيل، فالأصالة المصرية ستبقى.
والحديث عن مصر، وعن أصالتها وثقافتها وفنها، لا ينتهي…
وللحديث بقية.







